الخميس، 6 نوفمبر، 2014

Uncle Boonmee Who Can Recall His Past Lives

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : تانبات سايسايمار ، جينجيرا بونغباس
إخراج : آبيشتاتبونغ ويراسيتاكول (2010)

"أحياناً لا يكون عليك أن تفهم كل شيء لتقدير جمال معين" - أبيشاتبونج ويراسيتاكول

العم (بونمي) يعود من المستشفى إلى مزرعته بصحبة أقاربه حتى يتسنى له أن يموت في سلام ، بونمي مريض بالفشل الكلوي وعليه أن ينتظر أواخر أيامه.

هذا كل ما يمكن أن يُقال عن حبكة هذا الفيلم ، لكن الفيلم لا يعتمد على تلك الحبكة ، الفيلم تجربة روحية غنية يكون الظاهر فيها غسيل الكلى والباطن غسيل الروح ، بونمي مؤمن بتناسخ الأرواح ، الفيلم يرحب بشغف بالغرائب (طبقاً لنا) / المعتقدات (طبقاً لهم) ، فيتعامل مع تناسخ الأرواح وظهور الأشباح تعامل الحقيقة المعتادة ، في بداية الفيلم يمكننا أن نرى طاولة يجلس عليها بونمي وأخت زوجته وشبح زوجته الميتة وابنه المفقود الذي تحول إلى كائن يشبه الغوريلا صاحب عيون حمراء ، لا يبدو أن هناك أحد من عالمنا – داخل الفيلم – مندهش من هذا الحضور ، أو حتى لديه أي أسئلة.

يؤمن بونمي بأنه كان يعيش بهيئات مختلفة في حيواته السابقة ، فيقول في بداية الفيلم "في مواجهة الغابة .. السهول .. الوديان ، حيواتي السابقة كحيوان ومخلوقات أخري تظهر أمامي" ، يخشى بونمي من الكارما التي تعاقبه أخلاقياً على ما فعله في حياته الحالية ، في شبابه قتل العديد من الشيوعيين ، فهو يعتقد أن بسبب فعله السيء في الماضي قد أشتد به ألم المرض ، يخشى كذلك على حياته اللاحقة من أثر أفعاله السابقة ، تخبره أخت زوجته بأنه طالما قتلهم من أجل الوطن فلا عاقبة ستقع عليه في حياته اللاحقة ، بونمي لا يبادلها نفس الرأي.

شبح الزوجة يكون أكثر مادية مما عهدناه في الأفلام السابقة ، فنرى شبح الزوجة يساعد بونمي أثناء عملية الغسيل الكلوي ، كما أنها تحتضن الزوج في مشهد بمثابة صورة جميلة ، شبح القرد – كائن شبيه بالغوريلا وله عينان حمراوتان – كان ظهوره بديعاً في بداية الفيلم خلال الظلام ، لكني أعتقد أن المخرج قد كسر جزء من السحر بعرضه للكائن جالساً على المائدة ، وإن كان الدافع لذلك واضح بكون المخرج يؤكد على أن الغرائب جزء لا ينفصل عن الواقع داخل الفيلم ، فكرة الكائن استعارها المخرج من عروض التلفاز القديمة حيث كان المنتجين لا يستطيعون تحمل تكاليف صنع أزياء مُكلِّفة ، فكانوا يتحايلون على هذا بأن يكون الوحوش متشحين بالسواد وعيونهم حمراء في إطار خلفية مظلمة.

عروض التلفاز القديمة بالإضافة إلى الطبيعة الخلابة المهددة بالإنقراض ، شغلت جزء كبير من تفكير المخرج أثناء صناعته للفيلم ، يقول المخرج : "أريد أن أُثمِّنهم ، وأن أقول لهم وداعاً ، فهم يحتضرون مثل العم بونمي".

فيلم ويراسيتاكول تأملي صاحب إيقاع بطيء ، فيلم يتطلب مقدار لا بأس به من الصبر وكذلك التواضع ، فكما يقول المخرج أن أحياناً لا يكون عليك أن تفهم شيئاً ، فإن قمت باجتياز التجربة ستجدها تجربة غنية جداً كعادة الأفلام البطيئة المتأملة.
هذا الفيلم واحد من الأجمل في هذا النوع ، التركيز عند التيلاندي على الشعور والجانب الحسي ، كمقدمة للإدراك فوق الحسي المنشود.

يقول المخرج أن الفيلم يتكون من مراحل مختلفة لأنواع سينمائية مختلفة ، هناك السينما القديمة صاحبة التمثيل الخشن كما يسميه ، وهناك جزء حيث الأسلوب والطابع الوثائقي ، جزء يعتمد على دراما الملابس والأزياء المصنوعة ، وبالطبع نوع المخرج الشخصي حيث لقطات طويلة لقيادة السيارات ولقطات طويلة للحيوانات والطبيعة.

أسلوب المخرج اعتمد على ما قد سبق واعتاد عليه من ثبات للكاميرا في مواجهة الطبيعة ، لكنه اضطر في أحد المشاهد لجعل كاميرته محمولة مهتزة ، كان المشهد لاستحضار بونمي ماضيه بذهابه مع أقاربه إلى الكهف الذي وُلد فيه ، الكهف نفسه قد يكون مجازاً بمثابة الرحم الذي جاء منه إلى العالم ، الممثل الذي قام بدور بونمي كان ممثل غير محترف وهذا الأمر ساهم في تأصيل الملمح الوثائقي من الفيلم.

على الرغم من صورة الجيش داخل الفيلم ، وتعرضه للحملة التي شنها الجيش التيلاندي على الشيوعيين في ستينات القرن الماضي ، لكن ويراسيتاكول يقول أن الفيلم ليس فيلماً سياسياً وإنما يوميات شخصية ، أعتقد إني أوافقه الرأي فالفيلم بأكمله رؤية شخصية شديدة الخصوصية بلا شك ، والد المخرج كان مصاباً بالفشل الكلوي والأدوات المستخدمة في الفيلم لغسيل كلى بونمي كانت تعود إلى والد المخرج الراحل.

العديد من الصور والتراكيب المستغربة كذلك لتوحي بتراجع الجانب الروحي في مقابل الجانب المادي ، فنرى راهب بزي الرهبان البوذي التقليدي يحمل هاتف محمول ، النعش الذي كان يرقد فيه جثمان بونمي كانت تغطيه زينة كهربية كأنها مناسبة للاحتفال.

التقدير النقدي كان متفاوت ما بين الشعور بالإعجاب والشعور بالملل ، المخرج يري أن أي فيلم جيد عليه ألا يكون للجميع ، ليست نظرة فنية متعالية وإنما نتيجة في الغالب حتمية لعدم قبول الفنان بالدخول في مساومات بغية إرضاء جمهور محتمل ، الفيلم أصبح أول فيلم من تايلاند يحصد سعفة كان .

ما يقدمه الفنان التيلاندي يتم تسميته بالفن البدائي ، لا تجعل المصطلح يوحي لك بأنه فن أدنى ! ، فهو فن بديع يحمل صور برية رائعة ويحمل حنيناً إلى طبيعة ما قبل الحداثة ، طبيعة لم تُكتشف بالكامل ، وإنسان يُفترض ألا يحمل الكثير من التعقيدات بداخله ، لذا فمن المنطقي أن يكون اللون الأخضر هو السيد عند ويراسيتاكول ، في الفيلم يرعى فكرة الموت كظل أسود يحيط بالبشر ، بينما الطبيعة الخضراء تتضمن الحياة والنضارة.

تقول زوجة بونمي أن الأشباح لا يرتبطون بالمكان كما أعتاد البشر التصور ، لكنهم يرتبطون بالأشخاص ، تلك فكرة رومانسية محببة ، نظرياً ينتمي الفيلم إلى سينما الأحلام ، لكن الأسلوب الوثائقي لا يدعم تلك الفرضية كلياً ، واحد من المشاهد الشهيرة في الفيلم لأميرة عجوز ، تنظر إلى صورتها في الماء فتجد نفسها صغيرة حسناء ، تخاطب ما يبدو أنه أحد آلهة الماء المتمثل في صورة سمكة ، ترجوه أن يجعلها مثل تلك الصورة الشابة ، يحدث المشهد العجيب لما يبدو بأنه علاقة جسدية بين الأميرة والسمكة ، لا نعرف إن كان بونمي هو الأميرة في حياة سابقة أم هو السمكة ، لكن هل هذا مهم حقاً ؟

المشهد الأخير في الفيلم يأتي لتدشين الجانب الغرائبي منه ، أخت زوجة بونمي وبنتها وراهب بوذي جالسين جميعاً يشاهدون التلفاز ، بينما – على ما يبدو – أخت الزوجة والراهب قد خرجا من جسديهما وذهبا إلى أحد أندية الكاريوكي ، لا نعرف أي الوجودين حقيقة وأيهما خيال ، أين الجسد وأين الروح ؟ لكن – من جديد – هل هذا مهم حقاً ؟
"عندما تصنع فيلماً عن الذكرى والموت ، تلاحظ أن السينما نفسها تواجه خطر الموت ، العم بونمي هو من أواخر الأفلام التي يتم تصويرها على شريط سينمائي ، الآن الجميع يصور أفلامه بالتقنية الرقمية ، هذا هو رثائي الشخصي للسينما" - أبيشاتبونج ويراسيتاكول