الأربعاء، 2 سبتمبر، 2015

The Cameraman

كتب : خالد إبراهيم

التقييم :  4.5/5

بطولة : باستر كيتون ، مارسيلين داي
إخراج : باستر كيتون ، إدوارد سيجويك (1928)

"لقد أكلنا ، نمنا ، حلمنا بأفلامنا." – باستر كيتون

لماذا نحب باستر؟ يُقال أن شابلن أراد أن يحبه المشاهد، بينما كيتون لم يكترث، يعتقد إيبرت أن باستر كان يكترث بالفعل لكن كبرياءه منعه من إظهار ذلك، باستر دائماً كان غريباً، شخصياته بعيدة عن مجتمعها، لكنها تظل قريبة من كل شخص، كل أفلامه هي نفس الفيلم، لا تجعل المقولة تخدعك فتلك سمة المخرجين العظام، في أفلام كيتون تحدث سلسلة من الفوضى الشخصية تنقلب إلى فوضى عامة، مصاعب لا حصر لها بالنسبة له، ثم تكون المعاناة الجماعية، الكل يصبح في أزمة، يصبح باستر البطل، ففي النهاية أزمة الآخرين مؤقتة، بينما تكون لا شيء جديد بالنسبة له، هو الذي يحيا مع المصاعب كل يوم ومع كل شيء، لذا يكون هو الوحيد المُؤهَّل والمستحق للنجاة.

الجميع حذر كيتون من الانتقال إلى مترو جولدوين ماير ، شابلن أخبره أنهم سيهلكونه بداعي مساعدته، سيتحايلون على حكمه وتقديره للأمور الفنية، وفي النهاية سيصاب بالتعب من مناقشتهم حول ما يعتقده بأنه الأصوب، شابلن كان محقاً، ففي النهاية هي نفس الشركة التي دمرت للأبد تحفة فون ستروهايم Greed ، وتسببت في تدمير مسيرة النمساوي كصانع أفلام عظيم، بالفعل كانت بداية النهاية بالنسبة للوجه الحجري العظيم باستر كيتون ، وإن ظل الفيلم أحد أهم وأجمل أعماله، الفيلم تم اعتباره مفقوداً لفترة، حتى عام 1968 حيث تم العثور على نسخة في باريس، ثم تم اكتشاف نسخة أفضل عام 1991 لكن ينقصها بعض المشاهد، تم استكمال النسخة الجيدة من النسخة الباريسية لتكون النسخة الوحيدة المتاحة حالياً.

الأستوديو كان يعي جيداً أن إيرادات أفلام باستر السابقة بالكاد تعوض تكاليف الإنتاج الضخمة، لذا رفض أن يكون باستر مخرجاً للفيلم، تقول الأسطورة أن باستر في البداية كان يتصرف – مثلما اعتاد – وكأنه المخرج، ثم ذكَّره الأستوديو بأنهم قد وظفوا مخرجاً بالفعل، إدوارد سيدويك ، لكن الرجل بعد بعض الحيرة والتخبط، أعاد زمام الأمور إلى باستر من جديد، لم يُنسَب إلي الأخير فضل الإخراج.

زاد الأمر تعقيداً أن الأستوديو أراد نهاية يبتسم فيها باستر – الوجه الحجري العظيم – إلى المشاهدين لأول مرة، تم تصويره تلك النهاية بالفعل وعرضها على جمهور استطلاعي، لم يستحسن الجمهور ذلك – لحسن الحظ – فتم تغيير النهاية، كان للأستوديو كذلك بعض الأفكار السيئة لكن باستر استطاع تحويل تلك الأفكار إلى شيء جدير بالاهتمام، باستر لاحقاً اعترف إلى الانتقال إلى (مترو) كان أسوأ قرار اتخذته، كان بمثابة تنازل عن استقلاله الفني، خلال أكثر مَشاهد الفيلم جمالاً نرى كادر داخل الكادر، القرد المصاحب لشخصية باستر يقوم بالتصوير، بعد أن كسب باستر تعاطفنا قبلها، القرد داخل الفيلم كان فكرة الأستوديو، لإعتقادهم أن الكوميديا التي ستتولد بين باستر والقرد قادرة على جذب مشاهدين أكثر، باستر – بالطبع – لم يلجأ لهذا النوع من الكوميديا، فكانت نهاية المشهد الأيقوني رسالة تفيد بأنه من الأفضل ترك باستر يفعل ما يجيد فعله أمام الكاميرا، ويمكن لأي قرد أن يكون خلف الكاميرا، كما أن في نفس المشهد تحصل شخصية ثانوية على فضل لا تستحقه، بينما الفضل يعود إلى شخصية باستر، الأمر الذي يتوازي مع الفضل الإخراجي للفيلم، ربما الأمر الأول غرضه كوميدي بحت، والثاني له غرض رومانسي فقط، لكني – على أي حال –  لا يمكنني أخذ هذا المشهد بحسن نية.

"الممثل الكوميدي يقوم بفعل أمور طريفة، الممثل الكوميدي الجيد يجعل ما يقوم به طريفاً." – باستر كيتون

كيتون لا يُذْكر بدون ذِكر لقطاته الخطيرة ولياقته المذهلة التي اكتسبها من عمله في السيرك، حتى أن اسمه الأول المستعار باستر يًشاع أن هوديني أول من اسماه به، بالإضافة إلى وجه كيتون المرهق العجوز الخالي من التعبير، حتى يمكن اعتباره الممثل الأكثر صمتاً، الأمر الذي زاد شخصياته حزناً وزاد تعلق المشاهدين به، فلا كوميديا حقيقية بدون أسى، خصائص كيتون هي من جعلت القصة البسيطة المعتادة تبدو أكثر مما تحتمل، بالإضافة إلى استخدام بعض التفاصيل المحببة، مثل وقوع الشخصية في الحب عن طريق حاسة الشم، أو استخدام حركة الكاميرا بغرض كوميدي، في أحد المشاهد ينتظر باستر مكالمة من الفتاة، الكاميرا داخل مصعد تتبعه بين الطوابق صعوداً وهبوطاً، الفضل لتلك اللقطة يعود بالطبع إلى مورناو و The Last Laugh .

الفيلم كذلك يعرض في العشرينات كيف لابد أن يكون المراسل الصحفي شجاعاً! ربما هي الشخصية الأقرب لكيتون ، فهي شخصية مثله لا تخاف، لا أمام الكاميرا ولا خلفها، الشخصية ظهرت أمام كاميراتها الخاصة مرتين، المرة الأولى كانت أثناء معايشته الوهمية بمفرده لمبارة بيزبول، حيث يشغل بنفسه كل المراكز، والمرة الثانية أثناء إنقاذه للفتاة، المرة الأولى كبطل متخيل والثانية كبطل حقيقي، مداعبة قوية لمشاعر المشاهد، خاصة أن مشهد ملعب البيزبول الخالي كان مرتجلاً، كذلك مشهد تغيير الملابس الشهير، أحد أظرف مشاهد كيتون، مشهد تم إنجازه بدون قطع على غرار فقرات السيرك، به شخصية كيتون وشخصية أخرى غير محترفة من طاقم العمل، اختاره كيتون لضخامة جسده ووجهه الجاد.

خلال مشهد آخر تختلس الفتاة قبلة من رجل الكاميرا، يتعجب باستر غير مصدق، بينما تذهب الفتاة بعيداً، يتحسس وجنته اليمنى، ينظر إلى الكاميرا صوبنا متسائلاً إن كان حقاً حدثت القبلة، هذا هو أقصى تفاعل قد يحدث بين كيتون والمشاهد، لكنه بالغ الأثر، قبل إعادة اختراع العجلة، واكتشاف أن الأقل يعطى الأكثر، كان كيتون مثالاً فريداً لذلك، لم يُبشِّر بالفكرة، مارسها، بتلك الطريقة يقوم باستر بتوريط المشاهد، لذا سيقبل منه المشاهد أي شيء، كالشيء المتكرر في كل أفلامه، الفتاة الجميلة تحبه، وهو صاحب وجه عجوز وفي الأغلب يمر بأزمات مالية، قد لا يبدو الأمر حقيقي، لكن من يجرؤ على طلب الواقعية من باستر؟

"دائماً ما أردت الجمهور جعل الجمهور يخمن ما سأقوم به، ثم أخدعهم." – باستر كيتون