كتب
: فراس محمد
التقييم : 5/5
بطولة :
ديفيد برادلي
إخراج :
كين لوتش (1969)
الفلم الروائي الاول للمخرج الانكليزي كين
لوتش ، يُشعرك أنك أمام
مخرج محنك مُسيطر اشد درجات السيطرة على أدواته ، بارع في التقاط سحر الحياة ووضعها
على الشاشة ، وفي عزف انغام حياتية تبدو لا تحتاج للإنصات كي تتفاعل معها وبنفس الوقت
لا تسيطر بدراميتها على المشهد ، كونها دراما حياتية مستخلصة بذكاء عالي ، هو محنك
، ويعطيك احساس الخبرة في التعامل مع ما يجري في الكادر ، ولكنه في نفس الوقت يعطيك
احساس نوستالجيا شابة غضة حيوية ، حركة مستمرة تشعر بها داخليا قبل ان تنعكس داخل الاطار
، عن شخصيات تقليدية بالمعنى الانكليزي تغلفها القسوة وتسارع الحياة بينما أكتفى لوتش بأن يشرّحها دون مبضع ، دون نزف او فتح جروح ، أكتفى بالتخدير
وتركها تتداعى أمام الكاميرا لتكشف ليونتها وسهولة معشرها وتكوينها البسيط الذي لا
تعكسه لا الحواجب المعقودة ، ولا الاظافر الملوثة ، ولا السحنات الباردة التي تعجز
عن التعبير الصريح ، فذهب لوتش من ناحية التعبير
عن حالة من تلقاء نفسها ومن داخلها ، لا للحديث
عنها ، حالة متشربة بما يجري خلال اليوم بسحر من نوع نادر ، سحر أتت قيمته من سلاسة
تنفيذ المشهد ، من سلاسة معالجة الشخصية ، من سهولة التقاط البيئة الريفية وتغلغلها
في شخوصه ، في ألا يجري ما يزلزل او يعقّد او يصنع تغييراً جذرياً ، بل كان كل شيء
في الفلم ينسل لما تحت الجلد ، يمكن تشربه دون غصات ، يمكن التفاعل معه دون ذروات حقيقية
، يمكن التعاطف مع جميع شخصياته دون ان تنهار ، دون ان ننشحن تجاهها بشكل صادم ، دون
أن تصرخ ، لا صراخ ابداً في الفلم ، الفلم مجرد تعريف أمثل للحياة داخل السينما ، أكتفى
كين لوتش بأن يسرقنا بإرادة
كلية منا ، دون جر و دون سحب ، دون اجبار أول اعتقال ، دون لف أو دوران ، في فلم تستطيع
ان تعظّم تأثيره باستخدام الكثير من كلمة "دون" .
فلم يعتمد اعتماد شبه كلي على احساسك بصيرورة الحياة ، إن
سبق لك ان احسست بها داخليا وانسجمت معها فستستمتع بالزمن داخل الفلم ، حيث لا حدث
، بل استعراض ليوميات طفل على هامش قرية ، اراد ان يُربي نسراً ، طفل اختفت جل ملامح
طفولته ، ولكنها بالمضمون هي البارزة ، ليس بالشخص الأليف ، كما طائره الجارح ، انتهى
دوره مبكراً ، هو طفل غلب عليه احساس الحاجة للاتكاء على شيء لا يقل وحشية عنه ، لا
يقل غريزية منه ، ولا يقل احساساً بالحياة منه ، النسر في هذا الفلم كان معادلا حقيقياً
وذكياً للتعريف بطفل اعتاد القيود ، فمنحه كل ما خسره ، هو عن الانسانية البحتة التي
تظهر في أكثر الاماكن بدائية ووحشية ، هي عن ما يكتمل لحظة النقص ، عن الشخصيات الثانوية
التي تُمارس طيبتها بقسوة ، تمارس واجبها بصرامة ، تمارس انسانيتها بوحشية .
تمكن كين لوتش من ان يصنع فلما يستطيع من بعده ان يعتزل ، فقد قدم تلك
النوعية من الافلام التي تملك داخلها كل خصائص العيش في الذاكرة ، الذاكرة السينمائية
باعتباره فلما عرف كيف يتسلل بين العاطفة والبلادة ، يتسلل بين الطفولة والبلوغ ، بين
الانسانية وانعدامها ، بين روتين الحياة اليومية وما تكتنزه من سحر غير مرئي ، كما
في الذاكرة الانسانية ، حيث الحياة تستطيع ان تتحول بمجرد ان تتواجد كاميرا لمادة تملك
من التناقضات ما يجعل الحكم عليها محيراً ، هل الحياة قادرة على صنع السينما دون مؤثرات
او مكياج او بهارات .
ديفيد
بريدلي الطفل في هذا الفلم
قدم برأيي واحدا من اعظم الاداءات التي قدمها طفل في السينما ، الاحساس بغياب تام للكاميرا
، كان دافع للسؤال حقاً ، هل يعلم انه أمام كاميرا ، ام ان كين
لوتش يوثق يوميات هذا الطفل
دون معرفته ، وباستخدام غير استعراضي للكاميرا التي استطاعت ان تلاحقه بالشكل السهل
الممتنع ، حقق الطفل والكاميرا معادلة برأيي هي الاصعب في السينما ، حيث لا يمكنك الاحساس
بالحياة داخل الشاشة سوى انها حياة حقيقية يتم رصدها ، ديفيد
بريدلي قدم بعد هذا الفلم
ما يقارب ال ٢٦ فلم ، كان نجاحه الاهم في الفلم الاول هذا حيث نال عنه بافتا افضل ممثل
واعد .
ألم يحن موعد عودة مراجعاتكم الجميلة؟
ردحذفكم أتمنى ذلك ياصديقي
حذف