الخميس، 4 أغسطس، 2016

Kes

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : ديفيد برادلي
إخراج : كين لوتش (1969)

الفلم الروائي الاول للمخرج الانكليزي كين لوتش ، يُشعرك أنك أمام مخرج محنك مُسيطر اشد درجات السيطرة على أدواته ، بارع في التقاط سحر الحياة ووضعها على الشاشة ، وفي عزف انغام حياتية تبدو لا تحتاج للإنصات كي تتفاعل معها وبنفس الوقت لا تسيطر بدراميتها على المشهد ، كونها دراما حياتية مستخلصة بذكاء عالي ، هو محنك ، ويعطيك احساس الخبرة في التعامل مع ما يجري في الكادر ، ولكنه في نفس الوقت يعطيك احساس نوستالجيا شابة غضة حيوية ، حركة مستمرة تشعر بها داخليا قبل ان تنعكس داخل الاطار ، عن شخصيات تقليدية بالمعنى الانكليزي تغلفها القسوة وتسارع الحياة بينما أكتفى لوتش بأن يشرّحها دون مبضع ، دون نزف او فتح جروح ، أكتفى بالتخدير وتركها تتداعى أمام الكاميرا لتكشف ليونتها وسهولة معشرها وتكوينها البسيط الذي لا تعكسه لا الحواجب المعقودة ، ولا الاظافر الملوثة ، ولا السحنات الباردة التي تعجز عن التعبير الصريح ، فذهب لوتش من ناحية التعبير عن حالة من تلقاء نفسها ومن داخلها ،  لا للحديث عنها ، حالة متشربة بما يجري خلال اليوم بسحر من نوع نادر ، سحر أتت قيمته من سلاسة تنفيذ المشهد ، من سلاسة معالجة الشخصية ، من سهولة التقاط البيئة الريفية وتغلغلها في شخوصه ، في ألا يجري ما يزلزل او يعقّد او يصنع تغييراً جذرياً ، بل كان كل شيء في الفلم ينسل لما تحت الجلد ، يمكن تشربه دون غصات ، يمكن التفاعل معه دون ذروات حقيقية ، يمكن التعاطف مع جميع شخصياته دون ان تنهار ، دون ان ننشحن تجاهها بشكل صادم ، دون أن تصرخ ، لا صراخ ابداً في الفلم ، الفلم مجرد تعريف أمثل للحياة داخل السينما ، أكتفى كين لوتش بأن يسرقنا بإرادة كلية منا ، دون جر و دون سحب ، دون اجبار أول اعتقال ، دون لف أو دوران ، في فلم تستطيع ان تعظّم تأثيره باستخدام الكثير من كلمة "دون" .

فلم يعتمد اعتماد شبه كلي على احساسك بصيرورة الحياة ، إن سبق لك ان احسست بها داخليا وانسجمت معها فستستمتع بالزمن داخل الفلم ، حيث لا حدث ، بل استعراض ليوميات طفل على هامش قرية ، اراد ان يُربي نسراً ، طفل اختفت جل ملامح طفولته ، ولكنها بالمضمون هي البارزة ، ليس بالشخص الأليف ، كما طائره الجارح ، انتهى دوره مبكراً ، هو طفل غلب عليه احساس الحاجة للاتكاء على شيء لا يقل وحشية عنه ، لا يقل غريزية منه ، ولا يقل احساساً بالحياة منه ، النسر في هذا الفلم كان معادلا حقيقياً وذكياً للتعريف بطفل اعتاد القيود ، فمنحه كل ما خسره ، هو عن الانسانية البحتة التي تظهر في أكثر الاماكن بدائية ووحشية ، هي عن ما يكتمل لحظة النقص ، عن الشخصيات الثانوية التي تُمارس طيبتها بقسوة ، تمارس واجبها بصرامة ، تمارس انسانيتها بوحشية .

تمكن كين لوتش من ان يصنع فلما يستطيع من بعده ان يعتزل ، فقد قدم تلك النوعية من الافلام التي تملك داخلها كل خصائص العيش في الذاكرة ، الذاكرة السينمائية باعتباره فلما عرف كيف يتسلل بين العاطفة والبلادة ، يتسلل بين الطفولة والبلوغ ، بين الانسانية وانعدامها ، بين روتين الحياة اليومية وما تكتنزه من سحر غير مرئي ، كما في الذاكرة الانسانية ، حيث الحياة تستطيع ان تتحول بمجرد ان تتواجد كاميرا لمادة تملك من التناقضات ما يجعل الحكم عليها محيراً ، هل الحياة قادرة على صنع السينما دون مؤثرات او مكياج او بهارات .

ديفيد بريدلي الطفل في هذا الفلم قدم برأيي واحدا من اعظم الاداءات التي قدمها طفل في السينما ، الاحساس بغياب تام للكاميرا ، كان دافع للسؤال حقاً ، هل يعلم انه أمام كاميرا ، ام ان كين لوتش يوثق يوميات هذا الطفل دون معرفته ، وباستخدام غير استعراضي للكاميرا التي استطاعت ان تلاحقه بالشكل السهل الممتنع ، حقق الطفل والكاميرا معادلة برأيي هي الاصعب في السينما ، حيث لا يمكنك الاحساس بالحياة داخل الشاشة سوى انها حياة حقيقية يتم رصدها ، ديفيد بريدلي قدم بعد هذا الفلم ما يقارب ال ٢٦ فلم ، كان نجاحه الاهم في الفلم الاول هذا حيث نال عنه بافتا افضل ممثل واعد .