الجمعة، 29 يوليو، 2016

Taste of Cherry

كتب : محمود عياد

التقييم : 4.5/5

بطولة : همايون إرشادي ، عبد الرحمن باقري
إخراج : عباس كيارستمي (1997)






ها غمامُ السماءِ يسكبُ سَكـباً
كالأحبـّا علي قبور الأحبـّا
عَبَراتٍ يزهو بها المرجُ خِصـبا
و كما شاقـنا وراقُ العيـانا
زهرُ روضٍ نرنو إليه الآنـا

ليتَ شِعري إذ نحنُ في الرَّوضِ زهرٌ
أيّ عيـنٍ نروقُهـا إعجـابـا ؟

في تلك الرباعيـّة لعمر الخيّـام - شأنها شأن رباعيّاته الأخرى ، يبدو التذكير بحتمية الموت دائمُ الحضور تحت السطح ، رغم إشارتها المستمرة لجماليات الحياة و دعوتها الحثيثة للتمسُّك بها ، الجمع بين بساطة التكوين و الإيجاز المحكم و الدقة في إيصال الفكرة بأقصر الطرق الممكنة و أكثرها صراحةً و تعبيرا ، ربما هذه البساطة و تلك الصراحة كانتا سبباً مباشراً في تأثيرها الحسي السريع شديد التكثيف ، كان هذا تماماً هو منهج عباس كيروستامي في فيلمه هذا ، قدّم نصاً يتناول ثنائية الحياة و الموت بطريقة مجردة ، بلا أي تفريعات جانبية أو خطوط ثانوية قد تكسر الحالة التي وضع مُشاهده بها من اللحظة الأولي ، نص شديد الكتمان ، مساحات الصمت - التأمليِّ - فيه أكبر من مساحات الكلام ، يطرح سيلاً متتابعاً من الأسئلة المبطّنة ، و لا يقدم دليلاً واحداً علي وجود أيّ إجابةٍ يقينيّة - و لا حتي محتملة - .

مبدأ عدم اليقينيـّة مفعّلٌ هنا من اللقطة الأولي في تتابع الفيلم الافتتاحي - الطويل - ، لدينا رجل - يبدو في العقد الرابع من العمر - يقود سيارته في شوارع المدينة بنوايا غامضة ، يعترضه علي جانبي الطريق مجموعات مختلفة من الرجال في انتظار أيّ فرصة عمل ، لا يُبدي أيّ اهتمامٍ يُذكر ، يبدو أنه يبحث عن شيء محدد ، شخص محدد بتعبيرٍ أدق ، هل للأمر أي منحيً جنسيّ ؟ ، هذا احتمالُ وارد ، سرعان ما يتلاشى سريعاً ، يواصل النص فرض حالة الشك المستمرة تلك بشكل متتابع ، سنضطّر للانتظار لـ ٣ دقائق قبل أن ينطق البطل كلمته الأولي ، ٢٠ دقيقة قبل أول لقطة خارجية لطبيعة البيئة الذي تتحرك فيها سيارته ، ٢٥ دقيقة قبل أن نعرف مبتغاه ، السيد "بادي" يبحث عن شخص ما لمهمة بسيطة للغاية و مدفوعة الأجر أيضاً ، الرجل قرر الانتحار - في ليل هذا اليوم - و اختار مكان دفنه و كل ما يريده أن يأتي الشخص المختار في صبيحة اليوم التالي ليتأكد من موته و يهيل علي جسده التراب ، من هو السيد بادي ؟ ، ما هي دوافعه للانتحار ؟ ، لماذا يرغب في أن يتم الأمر بتلك الطريقة تحديداً ؟ ، لا نعرف أي إجابة لهذه الأسئلة - و لن نعرف - ، يقول كيروستامي أنّه لم يرغب في أي اتصال إنساني قد ينشأ بين بطله و الجمهور ، لذا جرّده من السمات الروتينية لبناء الشخصية السينمائية ، السيد "بادي" لا يعرف المشاهد شيئاً عن ماضيه ، تركيبة شخصيته ، انفعالاته ، طبيعة عمله ، شبكة علاقاته الاجتماعية ؛ لا أهل ، لا أقارب ، لا أصدقاء ، لا زوجة أو أطفال ، لا شيء ، كل ما يُقدّم لنا أنه شخص - مجرد شخص - اتخذ قراراً بأن ينهي حياته ، يقول سيـوران : "مـا أن نرفضَ التعايش مع فكرة الّلاجـدوي حتي نسقطُ في غواية الانتحـارْ" ، كيروستامي هنا يبرز الفكرة علي حساب الشخصية ، بطله هنا مجرد وسيط عاكس لفكرة غياب جدوي كل شيء بما لا يدع باباً واحداً متاحاً للرغبة في البقاء ، قد يكون الأمر علي مستوي أعمق من ذلك ، ربما فكرة الحرية الكاملة في معناها المجرد ، حرية القرار و الفعل ، و لو حتي بلا أسباب منطقية .

يقابل السيد "بادي" ٣ أشخاص في رحلته للبحث عن الرجل المنشود لمهمته ، أولهما مُحارب صغير السن يشعر بالفزع و يهرب لدي سماعه للعرض ، ثانيهما شاب واعظ - في العقد الثالث من العمر - يرفض مساعدة بادي رفضاً قاطعاً و يعطيه درساً دينياً في حرمة الانتحار ، ثالثهما رجلٌ عجوز - يعمل خبيراً في علم تصنيف الحيوانات في متحف - له تجربة مسبقة مع محاولة الانتحار و لم ينقذه من الموت إلا افتتانه في اللحظات الأخيرة بحبات الكرز ، الرجل وافق مضطراً علي أن يقوم بالمهمة المطلوبة لحاجته للمال من أجل علاج ابنه المريض ، اختيار كيروستامي للـ ٣ رجال الذين سيقابلهم بطله في طريقه يبدو في غاية الأهمية ، لدينا العسكري و رجل الدين و رجل عادي من العوام (الثلاث تقسيمات الأكثر وجوداً و تأثيراً في المجتمع الشرقي و الغربي علي حد سواء) ، لدينا أيضاً ٣ أعمار سنية مختلفة ، لدينا المراهق قليل الخبرة و التجريب ، و الرجل البالغ المتحمس لفكرته و المقتنع بصحتها علي الدوام ، و العجوز المُجرب الذي يعرف من أين تؤكل الكتف ، و لدينا ٣ طوائف إثنية مختلفة (الكردي و الباكستاني و التركي) ، كيروستامي هنا يعرض شريحة واسعة من الشخصيات المكوِّنة لطبيعة المجتمع الإيراني علي اختلاف أعراقها الإثنية و أعمارها السنية و كأنما يعرّض بطله للإختبار لمعرفة كيف سيتفاعل مع مجموعة متنوعة من البشر ، ربما كان العكس هو الصحيح ، ربما أراد الرجل أن يختبر ردود أفعالهم هم باختلاف ثقافاتهم و مرجعياتهم علي طلب غريب كهذا ٍ، و ربما كان الأمر - كما ذهب البعض بعيداً في تحليله - أنّ تلك اللقاءات للسيد بادي مع هؤلاء الشخوص لم تحدثْ أبداً في عالم الواقع و إنما هي من صنع خياله فقط .

علي صعيدٍ آخر ، تبدو الخلفية البصرية التي استخدمها كيروستامي هنا ذات مغزيً سردي واضح ، تلك البيئة الصحراوية الجافة ، صناعيـّة الطابع ، بلاستيكية التكوين ، التي تنبض بالقسوة و تقتل أي فرصةٍ للحياة ، اللون الأصفر الأرضي المسيطر علي الأجواء ، كثيف الاستخدام في التراث الأدبي الإيراني تعبيراً عن اليأس و الاكتئاب ، ذلك اللون الرامز لفكرة الدفن ، يبرز هذا بشدة فيه أحد مشاهد الفيلم حيث يقف البطل متأملاً أحد الجبال الرملية بينما يظهر انعكاس ظله علي سطح الجبل يغطيه تماماً ظل الرمال المتساقطة من إحدي الناقلات و كأنما ابتلعه ، من ناحية أخري ، يبدو الفيلم ظاهرياً كواحد من أفلام الطريق و لكنّه يفتقر إلي أيّ تقدمٍ طوليّ ، البطل يدور دائماً في حلقة مفرغة ، يتحرك في طرق دائرية بشكل يجعل الأمر يبدو و كأنه يعود إلي ذات النقطة التي بدأ منها ، يقول كيروستامي أن فكرة الدائرية تشكل جزءاً من رمزية الفيلم ، الحركة في دوائر تعني - حرفياً - الذهاب إلي اللّامكان ، أن تتحرك بلا غاية ، و لا هدف ، لكي تصلَ إلي وجهة ما ، لا بد أن تنتقل من نقطة إلي أخري ، هذا تحديداً هو جوهر هذه الرحلة الدائرية التي ترمز إلي فكرة الجمود ، و ما لا يتحرك لا يمكنه النمو أو التقدم ، يبقي عليلاً محكوماً عليه بالموت المحقق .

يقودنا كل هذا إلي التتابع الختامي ذي النهاية المفتوحة ، حيث يستلقي بادي في حفرته بعد أن حسم أمره ، كيروستامي يبقي الأمر منفتحاً علي الاحتمالين ، هل قرر بادي إنهاء حياته فعلا ؟ ، ربما ، و ربما لم يفعل ، هل يبدو مصيره مهماً حقاً ؟ ، لا أعتقد ، ستمضي دورة الطبيعة علي أيّ حال ، يستلقي بادي في حفرته ناظراً للسماء ثم يحلّ السواد ليغطي كل شيء ، مع أصوات الرعد و الأمطار  في الخلفية كقداسٍ للموت ، يظهر بوق لويس أرمسترونج بعد ذلك عازفاً للحركات الأولي من أغنية "مشفي القديس جيمس" ، التي تحكي عن رجل عسكري أنفق ماله علي الساقطات و مات في ذروة شبابه بمرض جنسيّ ، يتحول قداسه - فجأة - من الحداد إلي الفرح ،حيث يرثيه أصدقاؤه بالغناء فوق جثته ، الحياة دائماً تنبعث من أعماق الموت ، هل تبدو تلك التيمة مألوفة هنا ؟ ، ينتهي الشريط بفيلم تسجيلي مدته دقيقتين - فيلم داخل فيلم - عن كواليس تصوير أحد المشاهد ، حيث يظهر السيد بادي و قد بُعث من بين الأموات ليتبادل السجائر مع السيد كيروستامي بينما يشاهد حركة الجنود المصطفة - بعد أن حل الربيع – التي بدت في حواره مع المحارب الشاب في بداية البداية و كأنّها الذكري الوحيدة التي تحمل سعادةً ما في نفسه .

كيروستامي يقدم هنا نصاً يمتنع تناوله علي أيّ مستويً نفسيّ قد يسطحه ، متخذاً منحي شديد الفلسفية ، هذه مرثية عظيمة عن قيمة الحياة في حد ذاتها ، الوجود البشري نفسه ، في حضورٍ - دائم - للموت مغلفاً لكل شيء ، تماماً كما فعل الخيـّام في أشعاره من عشرة قرون .. كيروستامي الذي - قيل - أنه لم يشاهد أكثر من ٥٠ فيلماً طوال حياته ، المولع بالطرق و السيارات ، تأثر بواقعية دي سيكا و فيليني و عشق صوفيا لورين و كلوديا كاردينالي .. كيروستامي الذي ظل عالقاً بين الفصول لسنوات كقصاصة قش ، جاءت به الرياح في أول أيام الصيف ، و لم تمهله الأقدار أن تحمله الرياح في آخر أيام الخريف - كما تمني - ، عاش حياةً ملؤها كل شيء ، و ذاق طعم الحنْظل مراراً ، ربما لهذا - تحديداً - كان أفضل مَن تذوق طعم الكـرز .

و اضطّراراً قد جئت هذي الديـارا
و سأضطّر للرحـيل اضطـّرارا
و اختياري ان استطعتُ اختيارا
ان أسرّي عن الفؤاد الهمـوما
في حياةٍ ملأي أسيً و غُموما
فأدرْها سـلافةً و اسقنيـها
نعمةً فالوجود كان مُصابـا

"عمر الخيّـام"