الاثنين، 24 أغسطس، 2015

Alexander Nevsky

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : نيكولاي تشيرساكوف ، نيكولاي أوخلابوكوف
إخراج : سيرجي آيزنشتاين (1938)

"اللغة أقرب للفيلم من الرسم." – آيزنشتاين

بعد أن اكتشف الأب الأول جريفيث اللغة السينمائية، جاء الأب الثاني سيرجي آيزنشتاين ليضع القواعد، بعض المخرجين الكبار وضعوا النقاط على الحروف، البعض صنع لوحات زيتية وشعر بصري، الجميع – على أي حال – يدين بالفضل لهؤلاء الآباء، آيزنشتاين ظل عشر سنوات بدون أن يصنع فيلماً واحداً، تجربة لم تكتمل في المكسيك، زيارة للولايات المتحدة، تعنت رقابة الدولة الشمولية، أخيراً تم إسناد فيلم له، الدولة تحتاج فيلماً لدغدغة المشاعر القومية والفخر الوطني بعد توتر العلاقة مع ألمانيا، بين الشخصيات المتاحة اختار آيزنشتاين شخصية الأمير ألكسندر نيفيسكي ، الأخير بطل قومي، محبوب الشعب، سطع أثناء فترة حرجة في التاريخ الروسي، انتصر على السويديين والألمان، تجنب الحرب مع التتار، بعد وفاته أُعتُبر قديساً.

الحقيقة التاريخية ربما تجعل الأمور صعبة على آيزنشتاين، لكن هذا مخرج يعرف كيف يحقق ما هو أبعد من الصعب، بدأ الفيلم بصور قوية لضحايا الحروب السابقة، بعد قليل سنجد بعض المشاهد الأكثر قسوة، رمي الأطفال الرُضّع داخل النيران على سبيل المثال، على الرغم من تلك الصور القوية، أثناء المعركة الطاحنة التي استمرت قرابة النصف ساعة لا يمكننا أبداً إيجاد قليل من دماء ! ، آيزنشتاين لا يخشى أن يصدم، كذلك لا يصدم من أجل الصدمة، كل شيء لدى الرجل محسوب، كل زاوية، كل مكوِّن، كل نقطة داخل الكادر لها دلالة وغرض، هذا الرجل استخدم هيروغليفية بصرية داخل أفلامه، لا مزاح إذاً.

يلجأ الفيلم لتمجيد الأمير ألكسندر باستخدام زوايا تنظر من أسفل على الرجل، في مقابل تتري سمين قصير يرتدي غطاء رأس يشبه أذني ميكي ماوس ، كان توظيف الممثل الرئيس شيركاسوف ضروري لبنيته العريضة، وصوته العريض كذلك، رغم أنه كان ممثلاً كوميدياً قبل الفيلم، آيزنشتاين سيعطيه دور مهم آخر في فيلميه عن إيفان الرهيب. المشهد كذلك يعرض الأمير يعمل بيديه كصياد، في مقابل التتري الذي يمتطي ظهر جندي لديه حتى لا تتسخ قدماه، تلك التفاصيل تلعب بصورة مزدوجة على كراهية البرجوازية وتعزيز الإيمان بالقائد، أي قائد في تلك الفترة هو ستالين بشكل أو بآخر. لم نرى الكثير من الشخصية أثناء الفيلم، نرى لحظات اتخاذ القرار فقط، بعض اللحظات الأخرى تكشف الجوانب الحميدة لدى القائد، لا يظهر الأمير في أغلب الفيلم ليعزز أسطوريته، القائد يُشعر بوجوده ولا يُرى. يمكننا فهم لِمَ حاربت السلطات الروسية الفيلم شديد الجمال Andrei Rublev، فما صنعه تاركوفيسكي بالبطل القومي لم يكن أبداً بالمستوى "البطولي" التي تنشده السلطة.

طلب ستالين رؤية الفيلم، بسبب الرعب تم نسيان إحدى بكرات الفيلم، كذلك لم يتم إيقاظ مخرجه!  ، شاهد ستالين الفيلم ومنحه الإذن، لم يجرؤ أحد على إضافة البكرة الناقصة بعد موافقة الرجل الكبير، رواية أخرى تقول أن ستالين شاهد الفيلم كامل وحذف جزء بنفسه، على أي حال الجزء المحذوف لم ينجو بالطبع.

تم تخصيص مساعدين للمخرج بحيث تكون مهمتهم الأساسية منع آيزنشتاين من تأخر إنجاز الفيلم، ومنعه كذلك من الانغماس المتوقع في الجانب الشكلي للفيلم، لذا كان الفيلم ربما يحمل الصورة الأقل تجريبية للمخرج الثوري، لكن الفيلم كان الأكثر نجاحاً لدى الجماهير، أعتقد أن المساعدين – بلا شك – أصحاب فكرة العلاقة الغرامية بين اثنين من الجنود الروس وفتاة محلية، علاقة ساذجة طفولية بلا عمق، الفتاة اخبرتهما بأنها ستتزوج الأكثر شجاعة، الشيء الظريف أن التحدي كان من قِبل الفتاة، فأصبح مع الوقت لبعضهم البعض، هذا يعني أن روسيا – في النهاية – هي الأهم وليست الفتاة.

الفيلم كان سلاحاً للبروباجاندا الشيوعية ضد النازية، حقق بالفعل مشاهدات كبيرة داخل الاتحاد السوفيتي، لكن سرعان ما تم توقيع معاهدة عدم الاعتداء بين البلدين، أصبح من الضروري سحب الفيلم من الشاشات، بالفعل ظل الفيلم ممنوع من العرض، إلا أن تم الغزو النازي للأراضي السوفيتية، فعاد الفيلم من جديد إلى الشاشة، بمعنى أن الألمان هم من تسببوا في صنع الفيلم، عرضه، منعه من العرض، ثم عرضه من جديد.

استغل آيزنشتاين الموروث الشعبي الغنائي، وقام بدمجه مع موسيقى الفيلم، الأغاني تم توظيفها لبث بعض الحماس داخل الفيلم، الموسيقى هي أكثر ما يُذكر كلما ذكر الفيلم، هذا أمر مختلف بالنسبة لرجل من البديهي اقتران اسمه بالمونتاج، عبقرية الفيلم الحقيقية كانت في تناغم الموسيقى والمونتاج، لا يمكن التأكد إن كانت الموسيقى كُتبت لتناسب القطع أم العكس، هذا التناغم ظل المثال السينمائي الأعظم لكيفية التكامل بين الموسيقى والمونتاج، الموسيقى كانت فلكلورية مع لمسة خفيفة للموسيقى الكلاسيكية، الأمر الذي جعلها غريبة على الأذن، في بعض الأجزاء أثناء المعركة كانت كأنها موسيقى كوميدية. وودي آلان استخدم موسيقى الفيلم داخل فيلمه Love and Death خلال مشهد المعركة.

في أغلب الوقت كانت السماء لا تظهر فوق رأس ألكسندر، ضمن محاولات الفيلم لتحييد الدين بالنسبة للجانب الروسي، وإبراز دوره بشدة بالنسبة للألمان، الفيلم صوّر جيوش الأعداء وحوش بلا وجه، بينما الروس بشر يفيضون بالإنسانية، آيزنشتاين كذلك جعل الألمان منظمين في مقابل عشوائية الروس، حتى يكون الألمان أشبه بالآلات، ويُزيد من بشرية الروس. أغلب مشاهد الفيلم مشاهد خارجية، لتعزيز العلاقة الوطنية بالأرض والوحدة بين الجميع، اللقطات تنوعت بين الطويل والقصير، اللقطات التمهيدية كانت الأطول، لقطات الحرب الأقصر.

درس كبير قدمه آيزنشتاين لكل المخرجين بعده، أصبح فيلم ألكسندر نيفيسكي النموذج العملي لأفلام حروب الخير والشر، الأمثلة كثيرة مثل (سيد الخواتم) و (حرب النجوم) الذي استعار كذلك معركة الجليد، الشيء الفريد بخصوص فيلم آيزنشتاين كان الاختيار اللوني، فملابس الألمان بيضاء بينما ملابس الروس قاتمة، الأمر الذي ظن صناع الأفلام فيما بعد أنه معقد بالنسبة لعقل مشاهد يجب أن يربط بين الأبيض والخير، الأسود والشر.

ملحمة آيزنشتاين كأي فيلم شيوعي مخلص لم ينس مهاجمة الرأسمالية والبرجوازية، في مقابل تعظيم دور العوام من الرجال والنساء، المرأة الروسية اشتركت في الحرب روحاً وجسداً، بينما يبدو الألمان ذكوريين أكثر من اللازم، بالطبع كذلك لم يغفل الفيلم رجال الدين، الأمر كان غاية في البساطة، الكاثوليكية تدعم الألمان إذاً هي شر كبير، الأرثوذكسية لا تدعم الروس، إذا هي غير موجودة بالأساس، الفيلم استخدم الصليب المعقوف على أزياء الجنود الألمان، حتى ينتبه المشاهد الغافل للمقصود من الفيلم!

"إن لم يمثل العمل الفني تجسيداً لفكرة أصلية، لن نحصل أبداً على عمل فني يصل للذروة." – آيزنشتاين