الاثنين، 26 أكتوبر، 2015

Like Someone in Love

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4/5

بطولة : رين تاكاناشي ، تاداشي أوكونو
إخراج : عباس كيارستامي (2012)

الحاجة إلى الأنس البشري، إلى الدفء، و إلى حقوق حرمك منها الآخرون يتحدث كياروستامي هذه المرة في آخر فيلم أخرجه. Like someone in love وهو الاسم الذي اقتبسه من أغنية لـ إيلا فيتزجيرالد.

الفيلم هذه المرة في اليابان، وهو ثان فيلم يخرجه كايروستامي خارج إيران بعد فيلم Certified Copy مع جولييت بينوش في إيطاليا، ولكن هذه المرة كنت أبحث عن كياروستامي أكثر من ذي قبل، ربما لاختلاف البيئة، ربما لم أستسغ في البداية هذا الجمع الياباني الإيراني، ولكنني سرعان ما وجدته، هو يقول ها أنذا منذ أول الفيلم، عندما نستمع إلى صوت الفتاة وهي تتحدث قبل أن نراها، في الكاميرا التي تشاهد ما تشاهده الفتاة، وفي التنقل الطويل للسيارة، وفي الفراغات الكثيرة، وفي حركة الكاميرا البطيئة واللقطات الطويلة، وفي باقي تفاصيل الفيلم التي سأتحدث عنها لاحقا.

في الفيلم هنا كياروستامي كعادته يترك لك مساحات فارغة لتفكر فيها.. تستنج، يصر على خلق العلاقة بين فيلمه ومشاهديه، تفكر لماذا ستذهب الفتاة منذ البداية؟ تفكر من هو هذا الرجل المهم؟ تفكر ما الذي سيحدث بينهما طوال حديثهما في بداية لقاءهما؟ ثم تفكر ما الذي حدث بعدما تشاهدهما في الصباح؟ ماذا سيحدث لاحقا؟ ولماذا يحتاج كل منهما للآخر أصلاً؟ .. ولكن كايروستامي يأبى إلا أن يضع لك تفاصيل كاملة حتى وإن لم تلتقطها (عليك بالدقة لا الوضوح .. بول فاليري) مثال على ذلك عندما يعود الرجل إلى بيته ويرتب غطاء نومه على كنبة الصالة فنعرف أنه لم يقض الليلة في سريره، أهل الفتاة وحالتهم الفقيرة كما حكت فيما بعد بأن جدها صياد، وبأن جدتها هي الوحيدة التي تعوله كما قالت في أول الفيلم.

وكعادة كايروستامي والتي وجدناها مثلا في فيلميه The Taste of Cherry و  The Wind Will Carry Us وغيرها من أفلامه نجده لا يجعل من الحدث الرئيسي محورا للفيلم، وإنما فقط ركيزة تلتف حولها الحوارات والأسئلة والانفعالات ولكن كلٌ في فلكها الخاص بعيدا عن محورها الرئيسي.

أيضا نجد اهتمامه الدائم بأنسنة الشخصيات بإثرائها بالتفاصيل، صوت جدة الفتاة والذي يتغير حسب الموقف مع كل رسالة مسجلة، صور زوجة وابنة الرجل والتي تنتشر في شقته، حوار الرجل والفتاة حول اللوحة المعلقة وهو حوار غير نمطي تماما فيه إشارة لأشياء كثيرة، أولا اليابان بحضارتها الكبيرة، ربما كان هذا المشهد تقديرا من كايروستامي للبلد نفسها وثانيا الوجه للآخر للإنسان، مَن كان يتوقع أن يُخلق هذا الحوار بكل ما فيه من صدق وتفاصيل كثيرة في هذا الظرف بالتحديد؟! . أيضاً دفء شقة الرجل والذي لم يغنه عن حاجته للدفء الانساني، غناء الرجل ليهدئ الفتاة، ومشهد الفتاة وهي تدور حول جدتها.

سنجد أيضاً اهتمام خاص من كياروستامي بشخصيات جانبية ليصف لنا الحياة كما هي، فهي لا تقتصر فقط على الأبطال محور القصة، ولكن هناك دوما من ترتبط الحياة والأقدار بهم دون أن نلتفت إليه، جارة الرجل على سبيل المثال، أخوها المعاق، هناك مشهد سريع حينما يخرج الرجل بسيارته بالخلف مسرعاً ويكاد أن يصطدم بأم وطفليها. لولا أنها التفتت للخلف لكاد أن يدهسها، ثم تكتشف هنا كيف نجت هي وأبنائها من الاصطدام بالصدفة، كل هذا والرجل لا يلتفت للأمر تماماً.

نهاية الفيلم هنا تختلف عن نهايات أفلام كياروستامي بشكل ظاهري ولكنها تتفق معها جوهريا، فالاختلاف الظاهري نجده في افتقاد النهاية هذه المرة للهدوء والسلام الذي وجدته في نهايات أفلامه التي شاهدتها من قبل، ولكن التشابه الجوهري نجده في أنها ككل نهايات أفلامه مفتوحة، تحتمل احتمالات كثيرة كالحياة نفسها. وأهم من ذلك حقيقية نابعة من الفيلم ليس فيها أي "تويست" أو مفاجئة، كياروستامي أصلاً لا يهتم بالنهايات وهذا ما استنتجته من أفلامه، الحياة عنده مستمرة مفتوحة تحتمل الكثير، ولأنه يحاكي الحياة بأفلامه فتكون نهاياتها كذلك، الفيلم عنده ليس بداية وتصاعد للأحداث ثم ختام لها، وإنما حالة شعرية خاصة يتنقل فيها بين دواخل النفس وتفاصيل الحياة بكل ما فيها من تناقض وحيرة وحقيقية وجمال. أو كما يقول هو في أحد حواراته : "الرحلة تشكل جزء من ثقافتي (...) بالنسبة لي ما هو مهم حقاً ليس الهدف الذي ترغب في الوصول إليه وتحقيقه وإنما الطريق الذي تسلكه للوصول هناك هو ما يهم."

في الحقيقة وجدت في اختيار كياروستامي اليابان هذه المرة لتكون مكانا لفيلمه تحد كبير ، إلا أنه نجح فيه، في أن يُوجِد حالته وشعريته الخاصة هناك. ربما أراد أن يثبت لنا أنه يتحدث عن الانسان أيا كان مكانه وجنسيته، وأنه ليس في ابتعاده عن إيران بعدا عن الانسان الذي لطالما حكى عنه فيها.