الجمعة، 17 يونيو، 2016

Son of Saul

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : غيزا روريغ
إخراج : لازلو نمس (2015)

الرجل الذي اعتاد ان يكون مساعداً في اخراج بعض افلام الظاهرة المجرية بيلا تار ، يبدو انه خرج من أكثر العباءات خصوصية وأشتغل على خلق نمط لا يقل خصوصية في فلمه الطويل الأول وإن كان التضاد بين ما سبق ان قدمه مع بيلا تار وبين هذا الفلم واضحاً لكل من شاهد افلام تار بالتحديد The Man from London.

الشق التقني في هذا الفلم تم توظيفه بمنتهى البراعة والحرفية للدرجة التي كان فيه السيناريو الحقيقي في الفلم مكتوباً بالكاميرا ، لزلو نمس باستخدامه للعدسات الطويلة والتعامل مع الفارق في الوضوح بين المقدمة والعمق في الكادر سمح للفلم كي يتسرب بقسوة للمشاهد تقصد فيها ليزلو ان يرفع جرعة القسوة والاختناق لدى مشاهديه ليضعهم في عمق وصميم الحالة الشعورية لشخصيته الرئيسية شاؤول ، مانعاً اياه كما المشاهدين من التنفس ، الجزء الغير واضح من الكادر "كل ما عدا شخصيته التي احتلت مركز تسعين بالمئة من مدة الفلم" ترك للمُشاهد مساحة عاتمة جدا للتنبؤ بما يحصل ، وما يحصل لم يكن لطيفاً ابداً ، اتكأ الفلم على قدرة العنف على تحريض خيال المُشاهد ، ونجح بالنسبة العظمى ، لن تتمكن من تحسس اللون الاصفر كثيراً بعد انتهاء الفلم ، فأسلوبيته الاخراجية تركت اللون يتغلغل في كل دلالات العنف والقبح والقسوة وخدش الروح ، دون ان يلجأ لإفراز المشاهد التي تتعامل مع عاطفة المُشاهد بسذاجة ، فهذا الفلم ليس هولوكوستياً تقليدياً ، الفلم يتحدث عن أكثر ما يمكن خسارته بالمقابل أقل ما يمكن اكتسابه ، الميزان في هذا الفلم كان متخلخلاً بشدة بين الرغبة في التعامل مع الموت وبين التعامل مع قسوة البقاء على قيد الحياة ، ومن هنا نفهم رغبة مخرجه في بتر الجماليات المجانية ، فأي جمال سيُلغي قسوة النزاع بين خيارات مُدمرة ومهشمة للروح ، ولكن الفلم أساساً استند على تقاليد دينية يهودية ، تُصبح فيها الممارسة الدينية نوع من انواع الاخذ بالثأر ، وقد استطاع الفلم ان يمنحنا نوعاً غير تقليدي من الاحساس بلذة الثأر ، تجعل ابتسامة شأوول في النهاية ، مع تغيير نوعية العدسات المستخدمة التي تعطي الوضوح لكل أجزاء الكادر ، تركت خليطاً غريباً من المشاعر ، بين الحزن والقسوة والراحة وأخذ النفس .

الفلم مسحوب الاوكسجين ، لا يسمح لنا بتنبؤ ذروة ايجابية قدر الاحساس أننا نغوص في مستنقع من الجثث ، الفلم تدور كل احداثه خلال عملية قتل جماعية وحرق للجثث ، جعل خلفية كل المشاهد ممجوجة باللحم الميت ورماد الموتى والانفاس المقطوعة ، بحركة كاميرا مهتزة نفهم عن اي شخصيات يتحدث ليزلو نمس ، شخصية توالفت مع الموت لدرجة الحاجة لتحسس موتٍ أقل ألماً ، العاطفة في هذا الفلم تركزت عند جسد ميت ،التعلق بجسد لفظ انفاسه ، بينما كانت هناك روح تهيم ، تتقمص جسداً آخر مع كل جسد يُحرق ، الحاجة لطبيعية الموت ، ولطبيعية تقاليده ، خصوصاً على الصعيد الديني ، حيث حضرت هنا اغلب دوافع الفلم وشخصيته الرئيسية ، بينما كان اغلب صراعات الفلم محصورة بين يهودي ويهودي ، تخلل الفلم سلسلة غير مُنتهية من أوامر الانتقال ، تعددت الأمكنة فيها والخوف واحد ، الشخصيات واحدة ، اللون و الاحساس بالاختناق واحد ، موت الملامح واحد ، الاحساس ان الاجساد المتناثرة على الارض لا تقل موتا عن الشخصيات المتحركة ، الفرق الوحيد ان المتحركين أكثر اعتياداً على الموت ، أكثر نفاقاً وخوفاً وتلبداً للمشاعر .

في الختام الممثل المجري غيزا روريغ قدم أداءًا يجعلك تشعر بالسخرية من فوز ليوناردو دي كابريو بالاوسكار ، رجل تحركه دوافع داخلية شديدة العمق التحم فيها الممثل بشخصيته وعاشها للدرجة التي تترك تساؤلاً لدي ، هل استطاع الخروج منها ، موت حاد للانفعال وتداعي شديد للأحداث لا تترك وقتاً لرد فعل منطقي اعتيادي ، استطاع روريغ ان يمتزج باللون الابيض للجثث واللون الاصفر لأفران الموت ، وحينما ابتسم ، صنع ألواناً غير مرئية ، تشعر بها قد أدخلت اوكسجيناً لكل الكادرات.