السبت، 25 يونيو، 2016

Francisca

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : تيريزا مينزيس ، ديوغو دوريا
إخراج : مانويل دي أوليفيرا (1981)

يقول مانويل دي أوليفيرا أن المرء عندما يكون يائساً حقاً يبحث عن ملجأ في كل مكان، في بيته، في مكانه المنعزل الخاص، وكل تلك بدائل ناقصة لرحم الأم، حيث تم خلق الإنسان في سلام، فالإنسان يبحث طوال حياته عن العودة إلى الوطن، لكنه يضل الطريق كثيراً، حسناً هذا كلام البرتغالي.

هو ثاني أكبر مخرج مُعمِّر في تاريخ السينما، الأول من حيث السنوات النشطة، الوحيد الذي عمل منذ الأفلام الناطقة إلى العصر الرقمي، العجوز الطفل الذي مات ولديه أفلام مستقبلية يحلم بإتمامها، عمل كرجل صناعة ورجل عائلة، لم يتفرغ للإخراج حقاً سوى بعد السبعين، السن التي ينزوي فيها أغلب المخرجين حيث من الصعب إنجاز تحفة جديدة، لكن تحف البرتغالي لم تأت غير بعد تلك السن، جدير بالذكر أن السلطة بدورها لعبت دور في إعاقة وتأخير أعمال الرجل، حيث لم يجد متنفس سوى بعد سقوط نظام سالازار.

في فيلم فرانشيسكا يلجأ البرتغالي – للمرة الأولى – إلى رواية أوجستينا بيسا لويس الكاتبة التي سيستعين بإنتاجها في سبع أفلام لاحقة منهم تحفته الأخرى Abraham's Valley ، تزعم الكاتبة أن القصة حقيقية، لكن الفيلم بالتأكيد ينتمي للبرتغالي الكبير ولا ينتمي للواقعية مطلقاً، هناك مشكلة أبدية عند تحويل اللغة الأدبية إلى لغة بصرية، منذ فجر السينما كان الاهتمام أولاً بسير القصة والتركيز على الأحداث، بريسون أعلن الحرب على ذلك، كذلك أوليفيرا ، وإن كان الاثنان يختلفان حول كيفية تنفيذ البديل، كيف يتحول الأسلوب الأدبي إلى أسلوب سينمائي، اللغة المقروءة إلى بصرية.

ما يُذكر دائماً أن البرتغالي شديد الولع بالمسرح وأن سينماه امتداد للمسرح، الأمر الذي أحسبه خاطئاً، فعند أوليفيرا الفن لا يقلد الحياة إنما العكس، فالحياة هي من نجدها تقلد المسرح داخل أفلام الرجل، لا يعني هذا أن فيلم الرجل واقعي، فنمط الفيلم مسرحي هادئ لكن لا مكان للتمثيل المسرحي، يشترك في هذا مع الفرنسي بريسون فلا نجد لأبطاله شعوراً ظاهرياً، الطريف أننا لا نجد شعوراً بالمرة لدى شخصياته، شخصيات جافة ترادف حواراتها البليغة لكنها حوارات ميتة كذلك، نجد أوليفيرا يُعيد نفس المشهد أكثر من مرة حتى يثبت وجهة نظره، أحياناً تبتعد الكاميرا عن شخصياته بينما يظل صوتهم يتردد، هو يبتعد عن سطحية شخصياته بالأحرى، ثم يعود لها من جديد حتى يؤكد تلك السطحية، علينا بالصبر عند التعامل مع أفلام قائد سيارات السباق السابق، وهو صبر له مكافأته.

فرانشيسكا من أوائل أفلام أوليفيرا الذي يحصل على تمويل جيد، لكنه بالطبع لم يحصل على إيراد في شباك التذاكر، الفيلم كان لديه كل شيء، ملابس العصر الفيكتوري، جمال النص الأدبي والتراكيب اللغوية، لا تمثيل يُذكر، البرتغالي يُفضل الوضع الثابت للكاميرا مما يعزز النزعة المسرحية، المشاهد الطويلة تبدأ بالصمت كذلك، أحياناً تتحرك الكاميرا إجبارياً حتى تتبع الممثلين، ثبات الكاميرا والتمثيل الجاف يوحي بأن لا شيء يحدث مطلقاً، بينما يحدث الكثير بالفعل، فهناك قصة عاطفية ومثلث حب ملتهب نجح الفيلم في تحويله إلى تشريح ساخر، الكوميديا المبطنة الذكية نجحت في السخرية من الطبقة الاجتماعية والثقافية، لدينا شخص يتجول بالحصان داخل غرفة المعيشة على سبيل المثال، اقترب أوليفيرا من معلم آخر هو بونويل في رؤيتهما الأخلاقية للكاثوليكية، رابطاً التداعيات السياسية في قرن ماضي بواقع حاضر.

اللقطات جاءت في الغالب متوسطة، قليل منها بعيد، بينما اللافت للنظر أنه لا توجد لقطات قريبة أبداً، الأمر الذي أصبح نقطة قوية ينطلق منها الفيلم ليجعل من الصعب التعلق بالشخصيات أو الوقوع في حبها، لكن من الجائز جداً التعلق بالفيلم نفسه وحبه، صوت الممثلين جاء من الحلق، كأنهم يتلون النص دون معرفة معناه، في أحد المشاهد يغضب الصديق من صديقه فنرى جسده غاضباً لكن صوته ووجهه مثل شخص استيقظ تواً، من جديد كان هذا محاولة أوليفيرا للتلاعب بالمشاهد حتى يري شخصيات شديدة السطحية لا تعش ما هو باطني أو سطحي حتى من الحياة، الموسيقى كذلك جاءت مزعجة بالنسبة لفيلم هادئ ظاهرياً.

يرثي أوليفيرا الشباب عن طريق الشباب، فنجد شباب هوائي يبحث عن ما وصفه الرجل بالملجأ، فيتخبط في الطريق، الفيلم جعل الموت نهاية لكل شيء، الموت بمعناه المادي والحسي، ترك الفيلم التساؤل حول كيفية الموت، هل المرء يختار كيف يحيا أم كيف يموت، أو ربما الاثنان هما نفس السؤال.

"حب الجار هو شيء هين يلهينا عن الأمور المخيفة، الشغف واحد من تلك الأمور، ليس شغف المجد أو حب امرأة، لكن ربما هو عواقب نقص الخلود."