الجمعة، 1 يوليو، 2016

إشاعة حب

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : عمر الشريف ، سعاد حسني ، يوسف وهبي
إخراج : فطين عبد الوهاب (1960)

يُمثل هذا الفيلم كوكتيلاً أنيقاً لما يُمكن أن تقدمه الكوميديا كفن ليس من السهل تقديمه بمزاج كما يعتقد البعض ، لدينا هنا كل شيء : قصة بسيطة جميلة تتصاعد فيها الأحداث بشكل سلس و تلقائي ، مواقف كوميدية مكتوبة بإحكام و بمزاج عالٍ جداً ، مزيج ممتع من الكوميديا و الرومانسية مع خلفية مكانية فيها من روح الصيف و البحر ما يجعل الفيلم مرتبطاً بأجواء الصيف بشكل حميمي جميل ، ممثلون يتحركون في أدوارهم بكل خفة و حيوية و تمّ تسكين بعضهم في أدوار بعيدة عن النمط الذى كانوا يقدمونه فى ذلك الوقت مثل عمر الشريف في دور الشاب الخجول الغشيم معدوم الخبرات في التعامل مع النساء ، و يوسف وهبي في دور العم العجوز المتصابي زير النساء الذى على أتمّ استعداد أن يفعل أي شيء من أجل إنجاح خطته حتى و إن كان سيضع أحمر شفاه ! ، وراء كل هذا يقف فطين عبدالوهاب كصاحب بصمة مميزة جداً في تاريخنا السينمائي ، و تتويجه ملكاً لفن الكوميديا لم يكن من فراغ ، الرجل صال و جال كيفما شاء في كل أشكال الكوميديا ؛ السياسية و الاجتماعية و الساخرة ، وقف أمام كاميرته ممثلين كُثر ؛ ممن احترفوا الكوميديا و ممن كانوا بُعاد عنها ، فى إشاعة حب تتجلى بصمته كأفضل ما يكون ، كل ما كان يقدمه الرجل موجود هنا ما يجعلني أضع هذا الفيلم و بضمير مرتاح كأفضل فيلم كوميدي في تاريخنا السينمائي و من أفضل الكوميديات التي قدمتها السينما عموماً .

ما يثير انتباهي في هذا الفيلم في كل مشاهداتي له - التي تخطت حاجز العشرين مُشاهدة مثلاً - أن فطين بعيداً عن بصمته الواضحة و المميزة في البناء الكوميدي للفيلم أن هناك عنصر مهم قدمه الرجل بشكل مميز جداً و لم يلفت الانتباه كثيراً ، الرجل هنا كمن يرسم خطة جريمة - جريمة كوميدية - يشترك فيها كل أبطال الفيلم بشكل مباشر أو غير مباشر ، كذبة صغيرة تحولت مع قليل من الوقت و المجهود و الصدفة المُدبرة و الغير مُدبرة إلى حديث المدينة بأكملها ، يلعب فطين هنا بالصوت ، يُخبرنا مُبكراً بشكل غير مباشر ربما من سيشترك في الخطة و من ستنطلي عليه الكذبة ، صوت كل شخصية من شخصيات الفيلم يسبق دائماً ظهورها أمامنا على الشاشة ، تلك التفصيلة هى مدخل جميل و سريع للتعريف بالشخصيات ، تظهر شخصية محروس - التي يؤديها الكبير عبدالمنعم إبراهيم بخفة ظل و رشاقة اعتدناها منه - في أول مشهد و هو يقلد صوت يوسف وهبي ، هذه بداية تعارفنا على شخصية عبدالقادر النشاشجى ، لماذا يقلد صوته عبدالمنعم إبراهيم ؟ لا نعرف بعد ، تقليد الصوت يخبرنا و يخبر زوجته بأنه مشغول جداً فى عمله ، تنتهى المكالمة و يظهر عبدالقادر النشاشجى ؛ سكّير ، عائد إلى منزله فى وقت متأخر يمسح أحمر الشفاه من على شفتيه و وجهه ، هذا التناقض بين ما يقوله التقليد و بين ما يحدث فعلاً هو حقيقة الشخصية ، فى صباح اليوم التالي على مائدة الفطور يتكلمون عن حسين الذى سينزل إلى الفطور بعد 3 دقائق بالضبط فتتأفف زوجة العم من الحديث عنه ، ثم نسمع صوت حسين العالي الذى يتجادل مع شخصية عبدالمنعم إبراهيم ، نفهم من الكلام أنه شخصية لا تعرف الكذب ، و لن يكذب من أجل أحد ، ثم يظهر حسين بهيئته المحافظة و نظارته الواسعة و ربطة عنقه الضيقة و شاربه الكلاسيكي جداً ، ثم يظهر صوت شخصية سميحة عبر التليفون و لكننا لا نسمعه ، هنا فطين يبنى خطوط قصته ، تتحدث سميحة عبر التليفون فتقترب الكاميرا من وجه حسين مع انطلاق موسيقى رومانسية حزينة بعض الشيء على شريط الصوت ، خطوط القصة و ملامح الشخصيات تم تقديمها في ثلاث مشاهد ، رشاقة يتحرك بها فطين عبدالوهاب بدون رغى و بدون حشر مواقف لا طائل منها ، في الثلاث مشاهد تفجرت كمية ضحكات معقولة جداً ، مُقدمة بتوازن جميل .

عندما تتطور القصة بعد ذلك و يبدأ عبدالقادر و حسين و محروس في تنفيذ خطتهما الصغيرة لإيقاع سميحة في حب حسين نكون نحن كمُشاهدين على وعى تام بالدور الذى ستلعبه كل شخصية ، ليُفجر فطين كل ذلك في مشهد كوميدي عبقري تؤدى فيه الشخصيات الدور الذى لمّح له فطين من البداية من خلال طريقة ظهور أصواتهم ؛ مشهد اكتشاف صورة هند رستم ، عبدالقادر يتلاعب بحقيقة التظاهر التي يجيدها ، يتظاهر بعدم معرفته أي شيء و يستغل فطين هنا قدرات يوسف وهبي المسرحية الكبيرة و يمنح الممثل الفرصة للإلقاء و الزعيق بما يتناسب مع الدور الذى يلعبه من ادعاء جهل و عدم معرفة ، شخصية حسين التي لا تعرف الكذب كاد أن يعترف أمام الجميع بالكذبة المُتفق عليها لكن عبدالقادر يمنعه برد فعل كوميدي جميل ، سميحة البريئة الجميلة تنخدع كلياً بما حدث ، ثم يأتي صوت محروس عبر الهاتف مُقلداً صوت هند رستم في لقطة كوميدية عظيمة ، هذه المرة الأولى التي سنسمع فيها صوت هند رستم التي تظهر بشخصيتها الحقيقية في نهاية الفيلم في دور قصير و بإطلالة و حضور طاغي جداً ، طريقة تقديم الصوت / الشخصية توحى بذكاء لافت بالدور الذى ستلعبه الشخصية ، الشخصية تم توريطها لتحقيق هدفاً معيناً لكن حجم التوريطة كان أكبر مما تخيله الجميع ، الشخصية نفسها ستلعب دور هام بعد ذلك في تضخيم حجم التوريطة أو الكذبة ثم إنهائها بعد ذلك ، كأنّ ظهور صوت هند رستم أول مرة بهذه الطريقة يُخبرنا بأن الشخصية ستتورط في الكذبة بعد ذلك و لكن ليس بالشكل الذى تورطت به باقي الشخصيات ، موهبة فطين عبدالوهاب الكبيرة تظهر جلية واضحة في مشهد اكتشاف صورة هند رستم ، مع مخرج آخر كان من الممكن أن يتحول الأمر إلى فوضى ، لكنه أولاً يستند على سيناريو و حوار مكتوبين بإحكام ، ثانياً يبنى إيقاعاً تصاعدياً كوميدياً جميلاً للمشهد يتحدى فيه نفسه مع كل لقطة جديدة يعلو فيه على كل ضحكة قدمها في كل لقطة ، ثالثاً يستغل ممثليه أفضل استغلال ، كلٌ في مكانه ، و رابعاً هناك أسلوبيته الجميلة في تقديم شخصياته و التي تتضح كُلياً في هذا المشهد حيث الإيحاء الذى وصل إلينا عن كل شخصية في أول ثلاث مشاهد من الفيلم يتم التأكيد عليه و استغلاله أفضل استغلال في هذا المشهد .

أسباب كثيرة تجعل من هذا الفيلم جوهرة حقيقية بين كل ما قدمته السينما من أفلام كوميدية على مر تاريخها ؛ أسباب كثيرة وراءها اسم واحد : فطين عبدالوهاب .