الأربعاء، 29 يونيو، 2016

The Tales of Hoffmann

كتب : محمود عياد

التقييم : 5/5

بطولة : روبرت هيلبمان ، مويرا شيرر ، ليونيد ماسيني
إخراج : مايكل باول ، إيميريك بريسبيرغر (1951)

ينتمي حكايات هوفمان تاريخياً إلي أفلام مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في السينما البريطانية ، و بالتحديد سينما باول و بريسبيرجر ، ذلك الثنائي التاريخي الذي لم يحظى بالقدر المناسب أبداً على أي مستوي من الاحتفاء او حتي الجماهيرية التي يستحقها ، تلك الشراكة التي بدأت من عمق المعمعة ، في ظل سكرة الحرب و انخفاض المعنويات الحاد في المجتمع البريطاني عموماً ، و بعد عدة أفلام ارتكزت موضوعياً حول الحرب و قيمة الأرض و اتسمت بالصوت الإنجليزي الجهوري و الصبغة الدعائية بطريقة أو بأخري ممّا كان مفهوماً جداً في غمار حرب كادت تفتك بإنجلترا تماماً في مرحلة ما ، اتجه الثنائي بعد أن وضعت الحرب أوزارها إلي صناعة أفلام مختلفة شكلاً و مضموناً ، الحقيقة ان طبيعة السينما البريطانية عموماً اختلفت بعد الحرب ، و لكن يبدو التغيير بالنسبة لـ The Archers واضحاً إلي حد كبير ، يمكن القول أنهما قدما أفلاماً تتناول بشكل أوضح الجانب الرومانسي للسينما ، تبرز الفن باعتباره قيمة عظمي و هدف حياتي عالمي في حد ذاته بعيداً عن النظرة البرجوازية له باعتباره رفاهية للطبقات الغنية ، بشكل أكثر توضيحاً ، يبدو أن سينما الحرب التي سيطرت علي انتاجات الثنائي لسنوات - قسراً - كانت تخفي تحت أنقاضها نظرة أكثر شمولية للسينما باعتبارها نوع الفنون الجامع لكل أشكال الفنون .

في أواخر اربعينيات القرن الماضي كان لدي الثنائي رغبة في صناعة ما أَطلق عليه باول Composed Movie  أو ما يمكن تسميته بالفيلم المؤلَّف كقطعة موسيقية ، ذلك المسمي لم يكن لباول في الأساس بل اقتبسه من منتج سويسري الجنسية - لم يذكر اسمه أبداً - أنتج ما قبل الحرب فيلماً أسماه سيمفونية السارق يعتمد بالأساس على الإيقاع الموسيقي كعامل خالق للإيقاع البصري الذي ستنتهجه الكاميرا و الحركي للأبطال ، بمعنى أدق الموسيقى هنا تأتي قبل الصورة في أسبقية الوجود و تُبني كل العناصر اعتماداً عليها ، تعود بدايات الأمر للتتابع الختامي في فيلم باول و بريسبيرجر الأثير Black Narcissus ، هنا تُلعب في الخلفية مقطوعة أوبرالية تظهر للمرة الأولى في الفيلم ، تلك المقطوعة كانت الأساس الذي بُني عليه إيقاع المشهد بالكامل ، تتصاعد وتيرة الأحداث مع تصاعد ريتم المقطوعة و تصل للذروة مع ذروتها و يتداعى الإيقاع تماماً في الهبوط الختامي مع تداعي إيقاعها ، تتحكم انحناءاتها في كل شيء بما فيه القطع المونتاجي الذي تمسك بزمام التحكم في سرعته ، يظهر الأمر بصورة أكثر وضوحاً في تتابع رقصة الباليه في فيلمهما اللاحق و الأشهر The Red Shoes ، ثم تتضح معالمه تماماً و بصورة مكتملة و أكثر تعظيماً في فيلمهما هذا ، هنا تم تسجيل مقطوعة الأوبرا التي ألفها جاك أوفينباخ بالكامل قبل البدء في تصوير الفيلم ، و بالتالي بدى الفيلم أثناء تصويره و كأنه فيلمٌ صامت ، الحقيقة أنه كان صامتاً فعلاً ، أعطى ذلك باول و بريسبرجر الحرية الكاملة في الاستعانة بعدد كبير من الراقصين المحترفين مع اغفال قدرتهم على الغناء من عدمها ، يكفي العلم أنه من بين كل من مثل في هذا الفيلم ، لم يجمع بين الأداء الحركي و الغناء سوي روبرت رونسفيل في دور هوفمان و آن إيرز في دور أنتونيا ، العبقرية هنا تكمن في أن باول و بريسبيرجر صنعا فيلماً كاملاً مدته ساعتين و ربع تقريباً يعتمد في بناءه السردي و البصري و إيقاعه الحركي و حتى استقباله الحسي للمتلقي اعتماداً كاملاً علي الوجود الموسيقيِ الموجِّه للجميع ، خرجا تماماً عن مفهوم الخلفية الموسيقية التي قد يكون لها دور سردي او تساهم في خلق حالة حسية ما ، و قدما مفهوماً جديداً عن الفيلم السينمائي الذي يلعب فيه النص الموسيقي دور القائد الذي يصدر أوامره لباقي العناصر الفنية الأخرى أو بمعني أدق "الفيلم المُلحَّن كقطعة موسيقية".

نص الفيلم مقتبس من مسرحية أوبرالية للفرنسي جول باربييه عن ٣ قصص قصيرة يحكيها ارنست هوفمان ، الفيلم هنا كعادة أفلام The Archers لا يخرج عن البناء السردي الكلاسيكي ، مبدأ الـ ٣ حركات مُفعل بشكل واضح ، يبدأ النص بحدث أول يمهد لعلاقة حب في الأفق بين هوفمان البطل الرئيسي هنا و ستيلا - سوبرانو موزارت الشهيرة تظهر في دور باليرينا هنا - ، يجلس هوفمان بين الجمهور يتابعها في أحد عروضها ، بينما ترسل له رسالة مكتوبة تحدد فيها مكاناً للقاء ، تظهر نقطة التحول الأولي هنا عندما يعترض غريمه في المنافسة علي قلب ستيلا "ليندورف" الرسالة قبل أن تصل إليه ، بينما يذهب هوفمان خلف الكواليس ليجلس مع مجموعة من الأصدقاء و يشرع في حكاية قصته مع ٣ نساء أحبهم في السابق و خسرهم جميعاً ، ثم يأخذنا النص في فلاش باك عن حكايات هوفمان الثلاث اللواتي تمثلن مجتمعاتٍ الحركة الثانية في النص ، ثم يعود هوفمان بعد انتهائه من سرد حكاياته مخموراً عاجزاً لتبدأ الحركة الثالثة و تراه ستيلا في هذا الحال قبل أن تمضي مع غريمه ليندروف معلناً انتصاره عليه ، في ذات الوقت كل قصة من القصص الثلاث تحمل في ذاتها منفردة نفس الشكل السردي المتمثل في الثلاث حركات ، الأمر يشبه ٣ دوائر صغيرة تتشابه في تكوينها تندمج لتكون دائرة واحدة كبيرة .

بصرياً ، يقدم الفيلم مجموعة من التشكيلات البصرية شديدة التكثيف ، بتكوينات كادر - أو ما يعرف بالميزانسين - خيالية الطابع و غنية بالتفاصيل ، لا بد من الإشادة هنا بالدور العظيم الذي قام به هين هيكروث مصمم الديكورات و الأزياء الأثير لباول و بريسبيرجر ، الذي شاركهم سابقاً - و لاحقاً - في عديد الأفلام ، التوظيف اللوني هنا له مغزي سردي بديع ، يقول جيل دولوز : "لون مثل الأحمر ، قيمة كاللمعان ، قوة كالخداع ، خاصية كالصلابة أو قابلية الكسر ، يمثلون بالدرجة الأولي مناقب إيجابية" ، في حكاية "أوليمبيا" ، الأحداث تدور في عالم من الدمي ، ديناميكي الحركة ، سريع المونتاج ، عالم يغلب عليه الطابع الهزلي المبهج ، و بالتالي كان اختيار اللون الأصفر بدرجاته في محله تماماً ، ينطبق الأمر بشكل واضح علي الاختيارات اللونية في الحكايتين التاليتين ، مزيج الأخضر و الأرجواني في عالم "جولييتا" الشيطاني ، الذي يغلب عليه الإيحاء الجنسي ، الأزرق بدرجاته في عالم "أنتونيا" الحزين ، على صعيد آخر ، يقدم الفيلم بشكل غير مباشر تيمات على مستوي النص و الشكل البصري ألهمت العديد من صناع السينما لاحقاً ، صناعة الرعب تحديداً ، الدمية الراقصة ذات الهيئة البشرية ، سارق الأرواح ، انعكاس الصور علي الزجاج المكسور ، يقول ماستر الرعب جورج روميرو عن روبرت هيلبمان أنه أعظم دراكولا شاهده في حياته لم يجسد دراكولا أبداً .

يقول دولوز أن الصوت له قوة أكثر تأثيراً من الصورة ، له قدرة على التحلل و التفاعل مع أي وسيط آخر بطريقة ميكانيكية ، ما أسماه هو بالـ Deterritorialization أو القدرة على الخروج من الحيز التأثيري و استيعاب أشكال تأثيرية متعددة ، باول و بريسبرجر هنا يثبتان صحة فكرة دولوز - باختراعهم - فكرة الفيلم المؤلَف كالموسيقي ، يقدمان شيئاً فريداً من نوعه لا حدود فاصلة فيه بين الواقع و الخيال ، يدمج العديد من صنوف الفن المختلفة تحت إدارة الموسيقي في ملحمة نصية و بصرية ملهمة لا نظير لها في تاريخ السينما عموماً .