الاثنين، 13 يونيو، 2016

In the Mood for Love

كتب : محمود عياد

 التقييم : 5/5

بطولة : توني ليونغ ، ماغي تشانغ
إخراج : وونغ كارواي (2000)

"انه يتذكر تلك السنوات المنصرمة .
كما لو أنه ينظر إليها من خلال لوح زجاج مترب .
إن الماضي شيء يمكن أن يرى لكن لا يمس .
وكل شيء يرى بصورة مشوشة و غامضة . "
 
يمكن اعتبار In The Mood for Love  نقطة تحول جذرية في مسيرة وونج كار واي سواء علي صعيد الشكل البصري أو المضمون السردي ، فيلم كار واي السابع - الذي لحق بركب المنافسين في كان بشق الانفس في اليوم قبل الأخير - يتناول تيمة ستينيات هونغ كونغ المحببة لكار واي و لكن من زاوية مختلفة عن فيلمه الذي تناول نفس الحقبة Days of Being Wild ، ببساطة يمكن تشبيه الفارق بالتباين بين نظرة رجل ناضج مجرب للعالم ، و نظرة طفل لم يتعد عمره الـ ٥ سنوات ، هنا كار واي أكثر نضجاً ، يتجاوز فكرة الحب بمعناها المجرد ليقدم تشريحاً مبطناً لطبيعة تكوين مجتمع المهاجرين في هونغ كونغ في تلك الفترة من الزمن ، تأثير المكان هنا حاضر بقوة ، في فيلمه السابق  Happy Together، قدم واي قصة حب مثلية تدور أحداثها في الأرجنتين ، اختيار المكان هناك يحمل مغزىً شديد الرمزية ، هذا مجتمع غريب تماماً علي الابطال ، لا وجود لأي وجه من أوجه التفاعل معه ، لا خوف من التضييق المجتمعي و لا حضور لقيمة المكان علي اي وجه ، و بالتالي يتلاشى كل شيء لتتصدر قصة الحب المجردة تلك المشهد تماماً بلا اي تفريعات جانبية و كأنك تشاهدها فقط بنظارة مكبرة و لا تري شيئاً حولها ، هنا الأمر مختلف كلياً ، قيمة المكان حاضرة في كل لقطة ، ضيق الحيز و حصار المجتمع الزائف يحيط بالأبطال من كل جانب ، يشارك بفعالية في معضلتهم و يضيّق عليهم الخناق بما لا يجعل لهم مجالاً للهروب .

لدينا شو مو هان - صحفي مقيم في هونغ كونغ - و سو لي زين - مهاجرة من شانجهاي تعمل سكرتيرة في إحدي شركات الشحن - ينتقلان مصادفة في نفس اليوم إلي حجرتين متجاورتين في إحدي المساكن المكتظة بالمهاجرين الصينيين ، كل منهما في انتظار قدوم قرينه ، بعد فترة ليست بالطويلة يكتشف كلٌ من مو هان و لي زين أن هناك علاقة عاطفية تجمع بين زوجيهما ، الزوجان غائبان و حاضران دائماً ، يتعمد كار واي ألا تظهر وجوههما علي مدار الأحداث ، نسمع اصواتهما و لا نراهما ، الحقيقة ان هناك عبقرية شديدة هنا في استغلال المساحات خارج نطاق الكادر ، في عديد اللقطات يتسع الكادر إلى أكبر من المساحة الفعلية للشاشة ، نسمع اصواتاً و نستشف أحداثاً لا نراها أمامنا ، الأمر الذي يستحث ذهن المتلقي في تخيل شكل الصورة الغير مرئية .

 نتيجة للخيانة ، يحدث تجاذباً من نوع ما بين الزوجين المخدوعين ، تتطور الأمور تدريجياً لعلاقة حب ، علاقة مذعورة شديدة الحساسية ، مليئة بالهواجس ، من ناحية ، رغبة كلا الطرفين في ألا يصبحا كما أزواجهما الخائنين ، ربما كان هذا سبباً في الا تتطور الأمور بينهما أبداً إلي علاقة جسدية ، و من ناحية أخري ، رغبة كليهما في الحفاظ علي صورة الزوج المخلص في مقابل مجتمع منافق مهووس بالمظاهر ، لم يكن كار واي هنا مهتماً بشكل أساسي في أن يصنع فيلماً حول تلك العلاقة الرومانسية التي تولدت بين زوجين مغدورين ، بقدر ما كانت التيمة التي كان مهووساً بها من البداية هي النظر إلي الحكاية من منظور الماضي ، التغيير الذي طرأ علي كلا الحبيبين بفعل سريان الزمن ، السر الذي حملاه إلي الأعماق علي مدار السنين .

بصرياً ، يتفوق الفيلم تفوقاً كاسحاً ، يمكن وصفه ببساطة بالقصيدة البصرية ، كاميرا كار واي هنا - ليست محمولة كما في أفلامه السابقة - شديدة الديناميكية ، كاميرا ناطقة ، يمكن اعتبارها ثالث الأبطال في الحكاية، تكمل حواراتهما المسكوت عنها ، تحاصر الجميع ، و لا تترك خياراً سوي محاولة الهروب ، هذا أول عمل لوونج لا تكون صورته خاضعة بالكامل تحت سيطرة مدير تصويره الأثير - الذي يفهمه بمجرد الإشارة - كريستوفر دويل ، الأمر الذي اضطر وونج اعطاء اهتمام اكبر للصورة عن أفلامه السابقة ، و حسناً فعل .

يبدو التأثر بأنتونيوني هنا من الناحية البصرية واضحاً جداً ، العديد من اللقطات الثابتة - علي غير عادة وونج - ليد إمرأة تمسك بمقبض باب أو تتحرك علي درابزين سلم ، في لقطة رحيل لي زين من غرفة الفندق بعد لقائها بمو هان تتحرك أطراف رداؤها الأحمر مع حركة الستائر الحمراء التي تغطي الزجاج علي جانبي الرواق ، يتكرر الأمر مرة أخري لاحقاً في لقطة مغادرة موهان الغرفة بعد ظنه أنها لن تأتي ، هنا إحالة واضحة للقطة الفندق الشهيرة في مغامرة أنتونيوني ، يتجلي الأمر بشكل أكثر وضوحاً في مشاهد لقاء الأحبة المسروقة في الأزقة الضيقة بعيداً عن الأعين حيث تتابع الكاميرا بتركيز دائماً الجزء الأوسط من جسديهما بدلاً من أن ترتفع بأسرع ما يمكن لوجوههما بطريقة أنتونيونية للغاية ، وونج يفسر لجوؤه لهذا الأسلوب في رغبته في تصوير الأشياء دائماً من منظور ذاتي لطفل في الخامسة لا يمكن أن يصل نظره لأعلي من ذلك ، ربما أعطي ذلك أيضاً تأثيراً حسياً بطريقة ما في مداعبة رغبة المتلقي المستمرة في معرفة المزيد ، في رؤية انفعالات الوجه في تلك العلاقة غير الصريحة ، في معرفة ما يمكن أن يظهر من المستور ، وونج يجعل تلك الرغبة مستحيلة الحدوث كما هي العلاقة بين البطلين مستحيلة النجاح أيضاً .

فيلم كار واي العظيم يمكن تشبيهه برقصة فالس حزينة بطريقة بالغة الشاعرية ، تطوِّق قيم الإخلاص و الأمانة المرتبطة بالعلاقات من كل جانب ، ثم سرعان ما تتحول إلي ترتيلة من ترتيلات الموتي عن الزمن الضائع و الفرص التي ضاعت معه و الأثمان التي دُفعت جراء ضياع تلك الفرص .