الأربعاء، 14 أكتوبر، 2015

The Passion of Joan of Arc

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : ماريا فاكونيتي
إخراج : كارل تيودور دراير (1928)

يقول عماد العُذري في حديثه عن فيلم Ordet ان درايير أستاذ في فن التخدير ، وهذا ما حدث معي بالضبط ، منحت العمَل اعادة مُشاهدة قبل الشروق ، ولم اتحرّك طوال ثمانين دقيقة مُدّة عرضه ، الفيلم فقدت نسخته الأصلية ثم تم ايجادها في مصحّة عقلية في الثمانينات ونسخته الأصلية بدون موسيقي تصويريّة ، وهي النسخة التي شاهدتها ، أما الموسيقي الموجودة في أغلب النسخ هي لريتشارد انهورن وهي التي لم يرضَ درايير عنها .

يحكي الفيلم قصّة مُحاكمة شابة فرنسيّة تُدعي جان دارك - قادت بلادها للثورة ضد الاحتلال الانجليزي في القرن الخامس عشر - وذلك بسبب اتّهامها بالهرطقة وادعاءها للنبوّة . عظمة هذا الفيلم وريادته في رأيي تأتي علي مستويين ، الأوّل هو تفرُّد صنفه والثاني هو تصوّر درايير البصري لشكل الحكاية والصنف الذي يحكيه ، تفرّد صنفه بمعني أن العمل لا يذهب بعيداً في سياقه "التاريخي" او حتّى في تفاصيل "المحاكمة" ، هو فقط يكتفي بذكر أهمية الحدث التاريخيّة ولا ينجرف وراء المزاعم أو الحقيقة والكذب ، لكنه يركز بشكل أكثر علي مشاعر بطلته عن طريق ملامح وجهها وحركات العين ويستخدم في ذلك الكثير من اللقطات القريبة التي تملأ أكثر من نصف الشاشة تقريباً .

السيناريو يقترب كثيراً من جان دارك ويلعب علي وتر المُشاهدة والمُعايشة فقط دون الدخول في تفاصيل ، حتّى في حالات التعذيب لا يدرس وسائل التعذيب ، وانما يهتم بشعور جان دارك وخوفها وترقُّبها ، بالشكل الذي يجعَل المُشاهد بعد سنوات عديدة قد لا يتذكّر شيئاً باستثناء وجه جان دارك .

اما بالنسبة للتصوّر البصري ، اللون الأسود الداكن علي أطراف العدسة ، يعطي الشعور للمُشاهد بأنه طرف في ما يحدث ومراقباً له ، ديكورات الفيلم مثلاً زاهدة تماماً لتتماهي مع السيناريو في تقديمه لشخصيّة بطلته ، هذا التقشّف ساعده بشدّة في الخروج من بوتقة المسرح المونتاج الغير مُتّسق الذي قدّمه درايير متأثراً بنظرية المونتاج ، هذا التدفق غير المتسلسل للكادرات منح الفيلم حالة أشبه بالضياع وهو ما يتماس بشدّة مع حالة بطلته وموقفها الحرِج ، هذا التصوّر البصري سينمائي جداً وربّما واحد من أعظم التجارب البصريّة التي عايشتها علي الاطلاق ، وقد يبدو الحديث في النهاية عن أداء ماريا فالكونيتي شيء من العبث ، هذا الأداء للمُشاهدة والتأمُّل والدراسة .

يقول درايير : "لا شيء في العالم يمكن مقارنته بالوجه البشري ، هي أرض لا يمكن أن يتعب المرء من اكتشافها ، في الاستوديو لا توجد تجربة أعظم من أن تشهد تعبير على وجه مرهف تحت تأثير القوى الغامضة للإلهام".