الجمعة، 16 أكتوبر، 2015

Searching for Sugar Man


كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 5/5

إخراج : مالك بن جلول (2012)

في البداية أحب أن أقول أنني أعشق تلك الأفلام التي تجعلني أهتف : "أنا أحب السينما" أكثر من الأفلام التي تشعرني بأنني "أحب هذا الفيلم" أو "أن هذا الفيلم رائع" ويقتصر الأمر على ذلك . روائع عديدة أشعرتني بذلك الإحساس كـ
The Wind Will Carry Us, Once Upon a Time in America, Nostalgia for the Light, Once Upon a Time in Anatolia, Close-Up
، ومنها أيضاً هذا الفيلم.


الفيلم ومنذ بدايته جعلني أهتف من أعماقي أنني أحب السينما، ، منذ حديث "ستيفن سيجرمن" (شوجار) وهو يقود سيارته عن سبب تسميته بهذا الاسم ولماذا يحب رودريجز.

الفيلم يتحدث عن الصدق، عن الصبر، وعن الإيمان بالحياة حتى وإن لم نجد دليل يدل على استمراريتها، رودريجز لم ينتحر كما أشيع لمجرد فشله في أن يكون مطرباً مشهوراً ناجحاً، بل استمر في حياته فقط من خلال طريق آخر، محبيه لم يملوا البحث عنه حتى بعدما فقدوا كل أمل في العثور عليه. هو كان صادقاً حينما غنى، حينما فعل ما يحب، بل وحينما اختار لحياته طريقاً آخر، لذا وصل غناؤه لمكان لم يتوقعه ولم يعرفه هو، وهم كانوا صادقين في بحثهم عنه، في حبهم وإيمانهم بفنه، حتى وجدوه، حتى حققوا ما لم يحلموا به.

الفيلم هو أكبر مثال عرفته مؤخراً عن أثر الفراشة الذي أؤمن به، أنت تفعل شيئاً ولا تعرف نتائجه، بل تؤمن وتوقن وكل الدلائل تؤكد لك أنه ليس له تأثير، أو ربما تأثير صغير قليل يقتصر فقط على نفسك أو على القريبين منك، إلا أن تأثيره يكون أكبر وأبعد مما تعتقد، هو – رودريجز - غنى وتوقف عام 1971 لأنه لم يحقق أي نجاح في بلده وبالتالي في العالم حسب اعتقاد الجميع، إلا أن أغانيه كانت أنشودة لثورة في بلد آخر، وهو لم يعرف ذلك. هناك فتاة أحبت أغانيه فحملتها لبلد آخر لم يكن ليعرف هذا المطرب إلا من خلالها، هناك من أحب أغانيه وقرر أن يكتب مقالة عنه ويؤسس موقع على الانترنت ليبحث عنه ولم يتجاوب معه أحد إلا بعد فترة طويلة ويكون التجاوب من خلال ابنة المطرب الذي كان يعتقد من يبحثون عنه انه ميت، تثير القصة أحد محبي السينما فيصنع عنه فيلما يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي لهذا العام، اليوم أنا في غرفتي الصغيرة هنا في بلد آخر بل وفي قارة أخرى بعيداً عن كل هذا عرفت من خلال فيلم من إنتاج سويدي بريطاني عن مطرب أمريكي مغمور بحث عنه محبوه في جنوب أفريقيا ليعود ويغني أمامهم بعدما اعتقدوا أنه ميت، فيزيد إيماني أكثر بالحياة وبصبر وصدق ما يقدمه الانسان فيها فأكتب هنا ربما ليقرأ أحدهم ما أكتبه هذا في وقت ما في مكان ما لتؤثر فيه بشكل ما لا أعرفه.

"
أَثرُ الفراشة لا يُرَى أُثرُ الفراشة لا يزولُ" - محمود درويش

في النهاية أحب أن أضيف ملحوظتين، الأولى تقنية سينمائية، الفيلم ورغم كل عناصره الرائعة إلا أنه تميز جداً من خلال صورته، سينيماتوجرافي أخاذ بكل ما يحتوي من صور قديمة وجديدة وإضافات من رسم وكتابة عليه، جدير بالذكر أن المخرج نفدت أمواله قبل انتهائه من تصوير الفيلم فاستعان بكاميرا هاتفه وتطبيق آيفون في تصوير المشاهد المتبقية من الفيلم ونجح في ذلك.

الملحوظة الأخيرة، في أحد حوارات عباس كيارستامي يقول تعليقاً على الرقابة والقوانين التي فرضت على السينما في إيران يقول (بأن تلك العقبات والقيود كانت حافزاً لصنع سينما أفضل، والدليل على ذلك أنه بعد قيام الثورة في إيران بقيت السينما بدون قيود لمدة عامين ولم تُنتَج أية أفلام جيدة فيها، وأنه بدون كل القيود والصعوبات في حياتنا ما كان الإنسان ليعمل ويبدع) تذكرت قوله هذا هنا حينما قال أحد الباحثين عن رودريجز عن الصعوبات التي واجهته، قال حرفياً : " Obstacles are inspirational" ، يبدو أنني سأؤمن بهذا ليس فقط في السينما وإنما في الحياة عموماً.