السبت، 12 سبتمبر، 2015

Birdman

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

بطولة : مايكل كيتن ، إدوارد نورتن ، إيما ستون
إخراج : أليخاندرو غوانزاليس إينياريتو (2014)

"ايناريتو يحصد اوسكارا بإعلانه الخروج من جلده .. نجاحه من فشل شخصيته"

قدم المخرج المكسيكي المعروف أليخاندو غونزاليس ايناريتو منذ عام الـ 2000 فلمه Amores Perros الذي افتتح فيه بنك افلامه ليترك بصمة لها رنين خاص ارتبطت بلغته السينمائية ذات الايقاع السريع الذي يحفر بصخب في شخصيات تكاد تختصر المجتمع او أحد طبقاته , مستخدما طريقة مونتاجية ساهمت إلى حد ما مع تطور تعاطيه معها في ان تربط ما لا يبدو ظاهريا قابلا للربط , سواءً ابتدأ من محور شبيه بحدث كما في حادث السيارة الذي جذب اطراف فلمه المكسيكي الأول Amores Perros او اطلاق النار في تحفته Babel , او من شخصية كالشخصية التي قدمها شون بين في فلمه 21 Grams .. وذلك بتعاونه مع الكاتب الممدوح غليرمو اريغا والذي يعتبر افضل كاتب مصائر (إن صح التعبير) تبعاً للقدرية من جهة , او للصدف والارتباطات الزمنية من جهة اخرى , تعاون ايناريتو / اريغا قدم مجموعة من التحف توقفت عند Babel , وبعدها بدأت بالنسبة لكليهما مرحلة الخروج من الجلد , ايناريتو لجأ لكتابة أفلامه مبتدأ بفلمه Biutiful ترك انطباعاً بخلوه من بهارات اريغا , واريغا بدوره حاول (وإن لم تكن محاولة فاشلة) ان يقدم فلمه The Burning Plain سارقاً دور ايناريتو في معالجة نصوصه بصرياً .

ما الذي حدث في بيردمان , أو الفضيلة الغير متوقعة للجهل , ما حدث ان ايناريتو فهم تماماً كيف يعني التخلي عن الجلد والانسلاخ عنه , شخصيته كانت تعيش ماضيها بجلد لامع جداً وقاسي جداً , لكنه لم يمنحها الدفء , فحاولت طيلة دقائق الفلم المئة أن تتناساه حتى وإن بدت في بعض مشاهد الفلم عارية , بمسدس بلاستيكي لا يمكن له ان يخيف احداً , ولكن الاصرار الممزوج بالخوف من الفشل ظل الهاجس المرافق لها , عين على مستقبل تريد بناءه اثباتاً للذات , وعين على ماضي جلدي قاسي معجون بالهتافات والتصفيق الذي ما ان ينتهي العرض حتى يغلبه الصمت لكن كما يقال , الحنين لأمجاد الماضي تقوّيها عقبات الحاضر , ايناريتو إن نجح بشيء بشكل كامل في هذا الفلم هو انه تمكن من ان يتعامل بأفضل شكل ممكن مع فكرة الحنين لماضي بهذه الهشاشة , ماضي قادر على رفع وتضخيم الأنا للحد الاعظم سمح لشخصيته بالطيران حينا وبالتوهم احياناً اخرى , وذلك من خلال إعادته المستمرة للواقع , لفكرة انه يجب ان يكون شيئاً خارج هذا الجلد المسامي السميك , هو صراع وجود حقيقي بالمعنى الفني للكلمة , أكون أو لا أكون بلسان الرجل الطائر الذي قُصت جناحاه قصراً .

ايناريتو بذات المعنى تقريباً يشابه شخصيته , الرجل الذي يكاد يستخدم القطع والانتقال الزماني المكاني بشكل كبير في افلامه السابقة جاء لكواليس مسرح الرجل الطائر بمشاهد طويلة توحي باللقطة الواحدة طيلة مدة الفلم , بشخصية غالباً كانت خلف الكاميرا او امامها وكل شيء في تلك الكواليس يدور في فلكها , ويبدو ان خروج ايناريتو من جلده كانت نتيجتها أكثر ايجابية من خروج شخصيته في الفلم , الرجل اصبح ثاني مخرج مكسيكي يحصل على اوسكار افضل مخرج بعد مواطنه الفونسو غوارون الذي نالها عام 2013 عن فلمه Gravity , وبنفس الوقت حصد فلمه جائزة افضل فلم ليكون تعبيراً مهماً من الأكاديمية عن فهمها لما جاء بالفلم من تشريح للمفهوم الهوليودي للسينما , من قبولها به ربما , ومن العجز الذي من الممكن ان تحققه أمام هذا الكم الكبير من المراجعات , مراجعات ذاتية واخلاقية وفكرية كافية لإعادة تحليل السينما وبناءه بمنظور جديد تختفي فيه الحدود بين الفكري والفلسفي والسينمائي , ايناريتو الذي سمح لنفسه بالجرح , تمكن من إعطاء الدواء , فالحلم البريء للسينما قادر على صنع شخصيات بتعقيد الرجل الطائر , والمُشاهد الذي كان قد اعتبر الرجل الطائر بطلاً , لن يترك ذلك في ذاكرته إلا النشوة الافتتاحية للعرض , ولكن ما الذي من الممكن ان يكون خالداً , ماهي الفضيلة الغير متوقعة للجهل , جهل ماذا بالضبط , الجهل بقدرة الفشل على الخلق , الجهل بقدرة النجاح على الاستمرار , الجهل بالفارق بين النجاح الشخصي والنجاح النقدي والنجاح الجماهيري , أم يكون الجهل بفهم معنى التحليق عالياً وعن اي جناحين يتحدث .

الفلم كان افتتاحا لمهرجان فينيسيا الماضي الذي نال عنه المخرج السويدي الكبير روي اندرسون اسده الذهبي عن فلم A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence ولكن ايناريتو حقق حضوراً كبيراً في كل المهرجانات والحفلات التكريمية التي شارك فيها الفلم ضمن موسم 2014 السينمائي , ولم يكن ينقص الفلم تكريماً سوى ان يحصد مايكل كيتن اوسكار أفضل ممثل الذي خسرها لصالح فلم The Theory of Everything في الحفل الختامي للموسم  .