الجمعة، 21 أغسطس، 2015

The African Queen

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : همفري بوغارت ، كاثرين هيبورن
إخراج : جون هيوستن (1951)

في بداية الفيلم تستنكر الآنسة روز علي أخيها خروجه من المنزل بدون قبعته ، بعد ذلك هي و السيد أولنت ينجحان في تجاوز منحدرات صخرية خطيرة ظهرت أمامهما في النهر ، تقفز هي من السعادة لأنها لأول مرة تجرب طعم المغامرة و في فورة حماسها تخلع قبعتها ، بعد هروبهما من الألمان و مواجهتهما لخطر أكبر يدب الحماس في الاثنين ، يحتضنها و يخلع قبعتها و يلقيها في النهر إلى الأبد .

يحكي الفيلم عن تشارلي - عامل في أحد المناجم في وسط أفريقيا - و روز - سيدة إنجليزية تعمل في أحد الحملات التبشيرية في افريقيا أثناء الحرب العالمية الأولى - ، يهجم الألمان علي أفريقيا و يموت أخوها مما يدفعها إلى الهروب مع تشارلي في مغامرة خطيرة علي ظهر المركب "الملكة الأفريقية" في وسط أدغال أفريقيا ..

يُعطينا الفيلم في البداية تفاصيل كثيرة ، خلفيات تاريخية و اجتماعية و نفسية كثيرة ، ثم بعد حوالي 20 دقيقة يتحول إلى رحلة هروب شخصين مختلفي الطباع ؛ رحلة محفوفة بالمخاطر من كل جانب ، الرحلة نفسها تتحول بعد ذلك إلى تشكيل علاقة حب بين هذين الشخصين ، رويداً رويداً تسقط كل التفاصيل و يختفي إيقاع الرحلة الخطير في سبيل قصة الحب التي نراها تتشكل أمامنا ، روعة النص هنا أنه لم يُعطينا في البداية إيحاءاً بأن الأحداث ستأخذ هذا المسار ، حملات تبشيرية و حرب عالمية و هجوم ألماني علي المنطقة ثم مغامرة كبيرة للهروب من جحيم ما يحدث ، صحيح أن الفيلم من البداية يؤسس لطبيعة الاختلافات النفسية و الشكلية بين تشارلي و روز لكنه بطبيعة الحال لم يُعطي أي أشارة بأن علاقة حب ما ستتكون بينهما ، النص استسلم تماماً لطبيعة المغامرة ، طبيعة شخصيتين متناقضتين في الشكل و الطباع جمعتهما الظروف معاً ، هي سيدة قوية و مثقفة يستسلم هو أمام رأيها و حجتها القوية ، تُقنعه بأنهما يجب أن يدمرا أكبر سفينة ألمانية حتي أنها تخبره بالطريقة ، دافعها في ذلك هو حسها الوطني المتصلب ، تنبهر هي بروح المغامرة التي يخوضونها نظراً لأنها تفتقد في حياتها الروتينية ذلك الإحساس ، نُلاحظ مثلاً بعد نجاحهما في عبور أول منحدرات صخرية ظهرت لهما أنها كادت أن تقفز من السعادة مع إصرار علي الاستمرار في المخاطرة التي اتفقا علي القيام بها بينما هو كان يتوقع منها خوفاً و تراجعاً عما كانت تنوي القيام به ، مع سيناريو مثل هذا يتحول إيقاعه و شكله مع الوقت يجلس المُشاهد مُنتظراً ما يحدث لا مُشاركاً ، جزء من عظمة السيناريو بالنسبة لي أنه أعطاني المساحة الكافية كي أتوقع مثلاً رد فعل روز بعد إهانة تشارلي لها و هو تحت تأثير الخمر ، تشارلي تفاجأ من رد فعلها بعد عبور المنحدرات الصخرية ، في المشهد التالي مُباشرة يشرب كثيراُ و يُهينها ، هنا توقعت أنها سترمي كل زجاجات الخمر في النهر ، لا يُفاجئني السيناريو بعكس ذلك ، في المشهد التالي مُباشرة يستيقظ تشارلي ليجدها تُلقي بكل زجاجات الخمر في النهر و صُداع ما بعد الشرب يمنعه من منعها ، ما فائدة تفصيلة مثل تلك ؟ ما أهمية أن أتوقع رد فعل و أراه يحدث ؟ ما جدوى أن أتوقع أساساً و أنا أشاهد الفيلم ؟ .. هنا أتحول أنا كمُشاهد من مُتابع إلى شخص يشهد قصة حب تولد أمامه ، قصة الحب نفسها تأخذ من البدايات عفويتها و تأخذ من طبيعة الشخصيتين نضجها ، الفيلم ليس عن المغامرة و ليس عن الحرب ، الفيلم عن قصة حب "تتشكل" أمام أعيننا - و أحياناً بدون أن نُلاحظ - ، قصة الحب و المغامرة نستطيع أن نقول أنهما وجهان لعملة واحدة ، يتصاعد إيقاع المغامرة و في نفس الوقت تتشكل العلاقة رويداً رويداً حتي يمتزجا في إيقاع رومانسي شيق ساحر .

شريط الصوت هنا هو جزء من الحكاية ، جزء من الشخصيات و مما يحدث بينهم ، تتحرك الكاميرا في البداية وسط أدغال أفريقيا ، لا نسمع إلا أصوات الغابة و حيواناتها ، ثم يخترق ذلك ترتيلات دينية تقودها روز و أخوها ، ثم تخترق الترتيلات صوت صافرة مركب "الملكة الأفريقية" ، تمهيدة سريعة و عبقرية لأجواء الفيلم ، الطبيعة التي تدور علي خلفيتها الأحداث و طبيعة شخصيتين سيلازمانا طيلة الأحداث ، في مشهد اعتذار تشارلي لروز بعد إهانته لها و هو تحت تأثير الخمر شريط الصوت في الخلفية يعود لأصوات الأدغال و لكنه يختار منها أصوات الوحوش و قليلاً من أصوات الطيور ، روز صامتة و تشارلي يعتذر و يتحدث إلى نفسه ، نبرة الحوار نفسها تتزاوج مع خلفية شريط الصوت ، تشارلي في نبرة كلامه يحاول أن يحافظ علي خشونته و رجولته علي الرغم من يقينه بخطأه ، و صمت روز يُزيد من توتره و استرساله في الحديث .. مشهد آخر في مرحلة أخرى من علاقتهما عندما كانت تُزيل شوكة ما من قدمه يعود شريط الصوت ثانية للأدغال لكنه هذه المرة يختار فقط أصوات الطيور ، زقزقة العصافير ، هنا المشهد له تأثير ساحر ، نظراتهما لبعضهما ، الهدوء المُسيطر علي المشهد ، شكل العلاقة بينهما ، و شريط الصوت بالطبع .

الفيلم ليس عن الحرب و لا عن المغامرة ، الفيلم هو مزيج من المغامرة و الكوميديا و بعض الخلفيات التاريخية لتقديم شكل ناضج و ساحر لعلاقة رومانسية من نوع خاص يُحافظ فيها جون هيوستن علي إيقاع يجذب المشاهد و يتابع المغامرة كما يتعايش قصة الحب ، و يخدم كل ذلك بالتأكيد الكيمياء الجميلة جداً بين هيمفري بوجارت و كاترين هيبورن .