الخميس، 27 أغسطس، 2015

Performance

كتب : عماد العذري

التقييم : 4/5

بطولة : جيمس فوكس ، ميك جاغر
إخراج : دونالد كاميل ، نيكولاس روج (1970)

من النادر أن يقوم أحد الأستوديوهات الكبيرة في هوليوود بإنتاجٍ فيلمٍ من هذا النوع ، في الواقع كانت وورنر براذرز تراهن في مغامرتها هذه أواخر الستينيات على إسم ميك جاغر نجم الرولينغ ستونز ، كانت تطمح من خلاله لشيءٍ يضاهي فيلم البيتلز A Hard Day Night في ذروة بريق موجة الشباب الغاضب البريطانية .

وورنر براذرز صدمت بالنتيجة طبعاً ، كان فيلماً خارج توقعاتها و كانت مغامرتها ستكتمل لو استمرت في دعم الفيلم كي يخرج للنور خصوصاً بعد الردود السلبية جداً التي تلقاها في عرضه الأولي ، لذلك بقي حبيس أدراجها لعامين كاملين قبل أن يقرر مخرجه دونالد كاميل رفقة المونتير فرانك ماتزولا إعادة تحريره بصورةٍ مختلفة ، كان نيكولاس روج قد ذهب وقتها لتصوير فيلمه الثاني Walkabout ، النتيجة الجديدة احتاجت لتغيير إدارة وورنر براذرز بمجملها مطلع السبعينيات كي يحصل على فرصة اطلاقه مع كثيرٍ من ردود الفعل السلبية ، بالرغم من ذلك تكفلت مسيرة نيكولاس روج البراقة حتى منتصف الثمانينيات و انتحار دونالد كاميل المباغت عام 1996 بإعادة هذا الفيلم للواجهة كعملٍ مهمٍ .

تشاز ، رجلٌ عصابةٍ لندنية ، قاسٍ و عصبي و لا يرحم ، لكنه سرعان ما يصير نصير المشاهد عندما يصبح مطارداً من قبل أفراد عصابته بعد تجاوزه حدود عمله ، يفر من عالمه ليجد نفسه في عالم تيرنر ، مغني الروك المحاط بحسناوتيه فيربر و لوسي و بعالمٍ من المخدرات و عقاقير الهلوسة و الجنس الجماعي و متاهة الغرائز و الرغبات المكبوتة ، بما فيها الرغبة الأم في إدراك الذات .

من الصعب اليوم أن تخطيء العين و هي تقرأ أسماء مخرجي الفيلم و تشاهده أن يغيب عنها إدراك أن دونالد كاميل هو من يكتب النص هنا و أن نيكولاس روج هو من يدير العملية الاخراجية ، صحيح أن الفضل في التصميم البديع للعالمين يعود لدونالد كاميل ، إلا أننا من اللقطة الأولى نستطيع التماس كاميرا و فلسفة نيكولاس روج الاخراجية ، يفتتح الفيلم على طائرةٍ تراقب سيارةً على الطريق العام ، سرعة الحدث ، و تتاليه ، و شريط الصوت ، و موسيقى جاك نيتشه ، و تقطيع الفيلم الذي يحصل أحياناً على مستوى الإطار الواحد ، ثم صورة رجلٍ يمارس الجنس و هو ينظر لنفسه في المرآة ، روج و كاميل يضعاننا مباشرةً في عالم بطلهما تشاز ، يعيش حياةً فخمة ، يمارس الجنس بعنف ، و لا تخفي عنا الصورة مسحة النرجسية الواضحة التي يؤكد عليها القطع المتكرر على المرايا المحيطة بتشاز قبل أن يشير إليها تيرنر بشكلٍ مباشر لاحقاً ، الصورة تتآلف هنا من خلال الإنقسام ، إنقسام المكان إلى قطعتين أو تقسيمه من خلال المرايا ، تشاز في أحد المشاهد ينظر – خارج سياق الحدث – في مرآة رئيس عصابته ليتأكد من مظهره ، نرجسيته هذه كما يبدو انعكاسٌ معقد لطبيعة عمله ولماذا يقوم بهذا العمل ، لاحقاً سنعرف أن عنوان الفيلم يأتي من طبيعة عمليات جباية الأموال التي ينفذها تشاز لرئيسه ، كل عملية هي (أداءٌ) بالنسبة له ، يمزج المخرجان بإرباك بين أداءات تشاز و محاكمةٍ يريد فيها المحامي الزج برئيس تشاز في السجن قبل أن تتلاقى الحكايتان لاحقاً ، النصف الأول من الفيلم حيوي جداً إلى درجة الإرباك ، يصنع لنا صورةً مختلفةً للعالم السفلي لمدينة لندن في الستينيات ، شيءٌ مختلفٌ عما يمكن أن نشاهده في Blow-Up أو أعمال الموجة البريطانية ، نقطة التحول في الحكاية – سواءً على مستوى الحدث أو العمق – هي مهمةٌ تأديب تريدها العصابة لجوي مادوك أحد المتعاملين معها ، تشاز يريدها لنفسه بينما يعترض رئيسه و يوكلها لسواه ، جوي مادوك كان الصديق المقرب لتشاز ذات يوم ، و على ما يبدو فالعلاقة كانت أعقد من علاقة صديقين ببعضهما كما يلمح رئيس العصابة ، للمرة الأولى في الفيلم نرى تشاز ضعيفاً و مشوشاً عند ذكر ذلك ، ينكر عليه رئيسه الخلط الدائم بين عمله و عاطفته ، حتى عنفه يبدو مبالغاً به قياساً لـ (الأداءات) المطلوبة منه ، نزعة سلوكية ارتدادية تجاه الماضي و محاولة ظهورٍ بصورة الرجل الجلف الفظ الذي لا يرحم ، هذه التفاصيل تتسرب في الفيلم و لا يبوح بها في حواراته كي يستثمرها لاحقاً و هذا شيءٌ من جماله .

عندما يظهر تيرنر لأول مرة في النصف الأول - و لأسبابٍ إنتاجيةٍ على ما يبدو – يحدث ذلك بعد 25 دقيقة ، ربما أدرك كاميل أن الجمهور ذاهبٌ لمشاهدة ميك جاغر و لن ينتظر ساعةً كاملةً كما يريد النص ، ماتزولا – في عملٍ مونتاجيٍ رائد و غير متوقع من مونتيرٍ في فيلمه الأول – يظهر تيرنر للمرة الأولى في ذروة ضعف تشاز أثناء تعذيبه في النصف الأول من قبل مادوك ، القطع في الفيلم مربك جداً قياساً لعصره ، لكنه بليغٌ جداً في توقيته و قيمته التعبيرية ، يعطي اللقطة معانٍ أعمق مما تبدو عليه ، أحد رجال مادوك يمازحه كي يمنح قبلة الحياة لتشاز فيغضب ، تيرنر يعود للظهور مجدداً – بلقطةٍ من الخلف – عندما ينتقم تشاز من مادوك ، ينتقم من ماضيه و من علاقته بمادوك و يفر من عالمه إلى عالم تيرنر ، بمجرد وصوله يعزل كاميل و روج عالم تيرنر بالكامل و هو شيءٌ مقدرٌ فعلاً و ليس سهلاً قياساً لما شاهدنا في النصف الأول ، عالم تيرنر مكتوم ، فيه بلاطٌ مزخرف ، و مرايا ، و ستائر ، و شموع ، و ملابس شرقية و موسيقى شرقية ، كاميرا نيكولاس روج عظيمةٌ كما سنعرفها لاحقاً ، حساسةٌ جداً هنا في التقاط التفاصيل التي قد تضيع مع فلسفةٍ مونتاجيةٍ كهذه ، لكن روج يتجاوز ذلك من خلال خلق تباينٍ واضحٍ جداً للعين بين العالمين ، في النصف الثاني تصبح الكاميرا أقرب للشخصيات و أكثر حميميةً و استثماراً للإضاءة الخافتة ، نراها في حفلة الجنس الجماعية جزءاً من الحفلة ذاتها ، مرميةً على السرير تشاركهم رغباتهم ، معها يصبح مونتاج ماتزولا أكثر نعوماً و لقطاته أكثر طولاً و تدفقاً ، أثر الرجل على كوانتن تارانتينو و غاي ريتشي لا يمكن انكاره .

في غمار التفاصيل نلحظ التباين الجسدي الواضح بين فتاتي تيرنر ، و الطريقة التي يدير تيرنر بها عالمه ، تؤكد الصورة على الثنائية الجنسية لدى الشخصيات دون الحاجة لكلمات ، أحياناً يستخدم كاميل و روج الرمزية الواضحة للإشارة لذلك (مقابس كهربائية ، سكاكين) ، حتى الطفلة التي تقوم بالخدمة مع والدتها في المنزل تبدو أقرب إلى الشكل الذكوري ، أكثر ما يثيرني هنا في النقلة البصرية البديعة بين النصفين أن الفيلم بقدر ما يهدف في الأساس لجعل موضوع الازدواج و انقسام الشخصية محوراً له بقدر ما يحقق ذلك بصرياً بصورةٍ عمليةٍ صارخة و ربما هي أكثر ما يثير المشاهد سواءً أحب الفيلم أم لا ، الفيلم مشطورٌ جداً ، جزءه الأول قطعةٌ تنتمي بشدة الى عالم العصابات ، نصفه الثاني رحلةٌ في عالم الهلوسة و الادمان يلقي فيه البطل نظرةً على الجزء المرفوض منه ، عندما يلتقي تشاز بتيرنر لأول مرة يحدث ذلك في (منتصف) الفيلم تماماً ، في احدى اللقطات ينصّف روج الكادر و يضعهما على جانبي ستار ، يوغل في رسم حدود ما يجمعهما و يفرقهما ، كلا الشخصين كان (يؤدي) ، و كلاهما أفسد (أداءاته) ، أحدهما يواجه الواقع ، و آخر يهرب منه ، تيرنر أكثر إدراكاً لذاته و أقل إدراكاً لواقعه ، تنسّك و عاش على ذكرى (شيطانه) الذي فقده ، تشاز أقل إدراكاً لذاته لكنه أكثر ادراكاً لواقعه ، كلاهما وجد في الآخر الشيء الذي يكمله ، و الذي هو أيضاً : الشيء الذي يخافه ، فيربر تقول ذلك صراحةً لتيرنر ، تيرنر تصالح مع ثنائيته الجنسية و ينكر ذلك على تشاز لكنه ربما في الوقت ذاته يحسده على قدرته على التعامل مع واقعه ، مع ذلك قوة تشاز ظاهرية ، هو في الأخير مجرد هارب ، عمل لسنوات على (إخافة) الآخرين ، و أصبح الآن مطارداً بخوفه .

عندما يتناول تشاز فطر الهلوسة يحاول تيرنر استكشاف ذلك الجزء المختبىء في تشاز ، الشيء الغير مريح هنا تحديداً أن كاميل و روج يحولان (التعقيد) في ثنائية الشخصية / الجنس هذه إلى هدفٍ لذاته في الوقت الذي يكون المراد منها واضحاً ، و ربما يكون التعقيد هنا و الصورة غير المريحة (وهي هدفٌ كما يقول كاميل ذاته) وسيلةً لتغليف الإنسيابية الناقصة (جداً) في إنغمار تشاز في عالم تيرنر ، من خلالها يخدران المشاهد كيلا يشعر بنقصها ، هذا التعقيد يقوم على محاولة استغلال تيرنر لحالة تشاز بعد معرفته بتاريخه و بإضطراره للبقاء في منزله بإنتظار جواز سفره ، لكنه في الوقت ذاته يعتمد على المباشرة في طرح تساؤلاته الوجودية حوارياً ، و المباشرة قد لا تكون شيئاً مرضياً في أعمالٍ تتناول البحث عن الذات و استكشافها ، الإنقسام هنا صارخ ، و هو لا يحتاج لأي شكلٍ من أشكال المباشرة في الحوار أو التعقيد في الحدث التي ينهجها كاميل ، بعضها يفلح (مثل قصة حسن الصبّاح مؤسس فرقة الحشاشين أو أغنية ميك جاغر التي نسمعها من أذن تشاز عندما يضع تيرنر نفسه في عالمه) ، لكن معظمها يصبح فائضاً و تلقينياً و كأنما لا يثق بالصورة وحدها لخلق ذلك العمق عن رجلٍ يتمسك بماضيه و يتصالح مع طبيعته و آخر يهرب من ماضيه و ينكر طبيعته ، في النهاية يحرر النص العلاقة من بعدها الهلوسي من خلال علاقتين جنسيتين سويتين ، يقتل تشاز تيرنر عندما يشك بوشايته ، و يذهب إلى ماضيه رفقة زملائه في العصابة ، تلتقطه الكاميرا في السيارة على هيئة تيرنر هذه المرة .

مشكلة هذا الفيلم أنه بقدر ما يحاول تحقيق شيءٍ صعبٍ جداً لا يسلك أسهل الطرق لتحقيقه ، لكنه بالمقابل يظهر لنا كم كان البريطانيون في ذروة عصر الموجة البريطانية في الستينيات قادرين على التجريب و المغامرة عندما لم تكن سينما هوليوود قادرةً على إيجاد هويةٍ حقيقيةٍ لها .