الأربعاء، 15 يوليو، 2015

Zorba the Greek

كتب : مصطفى الباجوري

التقييم : 4.5/5

بطولة : أنتوني كوين ، إيرين باباس ، الآن بيتس
إخراج : مايكل كاكويانيس (1964)

لم يرتبط ممثل بشخصية أداها مثل ارتباط أنتوني كوين بشخصية زوربا ولم يرتبط فيلم في الأذهان بفلسفة شخصية من شخصياته عن الحياة والحرية مثل فيلم زوربا اليوناني .

فيلم زوربا اليوناني مقتبس عن رواية شهيرة كتبت في منتصف الأربعينيات للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس وهي من رواياته الأولى وسط مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكتابات الفلسفية والقصصية والشعرية الأخرى . يصوغ نيكوس في هذه الرواية بناء درامي شديد التعقيد والتركيب عبارة عن خليط من الأفكار والرؤى والتساؤلات، الواقعية والرومانسية ، الروحانية والمادية ، الكوميديا والسوداوية ، القوة والضعف ، الحرية والقيود .. امتلاك إرادة الحياة بكل شجاعة وبلا خجل في مواجهة الحقيقة القاسية بدلا من الانزلاق إلى هاوية اليأس أو التعلق بالآمال والعزاءات الكاذبة ، هذا ما يعتصره نيكوس ويستخلصه من كل هذه الأفكار والتجارب والحكايات المتشعبة المليئة بالصراعات والغنية بالتفاصيل .

كاتب شاب من إنجلترا يسافر إلى جزيرة كريت من أجل تشغيل منجم فحم قديم ورثه عن أبيه ويعثر مصادفة على أحد العمال ويقرر الاستعانة به في تشغيل المنجم ، هذا العامل يدعى زوربا وهذا الشاب لا نعرف اسمه إلا أننا نعرف فيما بعد أن هذه الرحلة تمثل بالنسبة له شيئا أكبر بكثير من مجرد الاستثمار والعمل ونعرف أنه وجد ما كان يبحث عنه تحديدا في شخصية زوربا لتصبح العلاقة بينه وبين زوربا هي محور الأحداث الرئيسي في الفيلم .

زوربا من الشخصيات الآسرة التي لا تستطيع الهرب من تأثيرها ولا تستطيع ألا تقع في غرامها ، زوربا يمثل كل ما هو حقيقي وواقعي في الحياة وإذا استمعنا إلى كلماته بعناية سوف نكتفي بأن نملأ بطوننا بالطعام والنبيذ ، بعد ذلك علينا أن نتخلص من هذا الطعام والشراب عن طريق الرقص والعزف على آلة السنتوري المحببة لديه ومصاحبة النساء . عندها فقط سوف نكون جديرين بالحياة كما يتصور زوربا !

زوربا لا يخشى شيئا ولا يؤمن بشيء عدا نفسه ، هو ببساطة صاحب فلسفة خاصة في الخلود الجسدي والروحي في هذا العالم وليس في عالم آخر ، الخلود الذي يتحقق عن طريق الذوبان الكامل في العمل واللهو والحب والرقص حتى أخر ذرة باقية من قوة وآخر لحظة باقية من الحياة .

العلاقة بين الكاتب و زوربا هي كما تبدو علاقة بين عالمين متناقضين ، عالم أكثر قسوة وفوضوية ولكنه عالم حقيقي وواقعي قادر على التشبع بالحياة مثل قلب شاب لا يشيخ وعالم آخر أقل قسوة وأكثر تنظيما تصبح فيه الأحجار والأشجار والأجساد أكثر خفة لكنها تتبخر وتتلاشى أرواحها وتتحول إلى لا شيء كما يقول نيكوس .

لا يسير العمل في المنجم على ما يرام ، يضع زوربا خطة تتضمن شراء أرض الغابة في أعلى الجبل التي يمتلكها الدير المجاور وتثبيت أعمدة متقابلة بدرجة ميل معينة من الغابة إلى المنجم ، يصل بين تلك الأعمدة حبال سميكة تستطيع تحمل أخشاب الأشجار كي يتمكنوا من استخدامها في تثبيت دعائم المنجم وحمايتها من الانهيار . يأخذ زوربا المال اللازم لشراء الحبال من الكاتب وينفق معظمه كما هو متوقع على إحدى العاهرات في المدينة ومع ذلك يعود في النهاية إلى الجزيرة ومعه الحبال ويبدأ في تنفيذ الخطة .

لا يمكن فهم شخصية زوربا بما تمثله من القوة والبهجة والحياة البسيطة بعيدا عن الأحداث التي يتعرض لها مع رئيسه الكاتب في القرية الفقيرة المنعزلة ، زوربا في أحيان كثيرة يبدو كما لو كان انعكاسا لمثل هذه الظروف وهذا الواقع .

الأرملة الجميلة التي مات زوجها وتركها وحيدة ، يتجمع حولها رجال ونساء القرية ويقتلونها لأنها في نظرهم مصدر الشر والإغراء في مجتمع منغلق على نفسه ومحاصر داخل تصوراته العتيقة ، مجموعة من البشر الخائفين من أي شيء خارج عن المألوف حتى لو كانت امرأة وحيدة ويصبح هذا الشيء الغريب مصدر تهديد يتجسد فيه كل مخاوفهم ورغباتهم الخفية والمعلنة وواقعهم البائس .

بوبولينا الغانية العجوز التي جاءت في شبابها مع جنرالات أساطيل الروس والإنجليز والإيطاليين والفرنسيين عندما كانت اليونان محط الأنظار واشترك الجميع مع الكريتين في ثورتهم ضد حكم الأتراك ، ثم رحلت الأساطيل وذهب الجنرالات وتلاشى السحر الذي أحاط بكل شيء واستسلم الشباب أمام الزمن وتحول مجد الأيام الزاخرة بالقوة وحماس الوطنية إلى أشباح وذكريات ماضية ، بقيت بوبولينا وحدها في الجزيرة تدير فندقا لا يرتاده أحد، تعاني من الفقر والعجز والنسيان . زوربا الحر الذي يعيش بكل حواسه في الحاضر مقاوما الزمن غير مكترث بالماضي والذكريات طامحا في الشباب الخالد الذي لا ينهزم و بوبولينا العجوز بعد أن تجردت حياتها من كل شيء ولم يتبق فيها سوى الخواء والقسوة مثل بيتها الذي جرده أهل القرية المعدمون من محتوياته الثمينة وغير الثمينة حتى قبل أن تلفظ بوبولينا أنفاسها الأخيرة .

تنتهي الأحداث نهاية عبثية وتفشل خطة زوربا الساذجة ؛ تنهار الأعمدة وتتطاير الأخشاب في الهواء ويجري العمال والرهبان وجميع من حضروا الحدث من أهل القرية في كل اتجاه ويقفزون في الماء . أما زوربا والكاتب يبقيان معا وعلى شاطئ البحر الهادئ وتحت أشعة الشمس الخافتة التي أوشكت على الرحيل يأكلان اللحم المشوي ويشربان النبيذ ثم يرقصان في واحدة من أشهر اللقطات في تاريخ السينما التي تنتصر لمعنى الحياة بعد أن تحررت من كل شيء ، المخاوف والآمال على حد سواء .

الشيء المؤكد أن فيلم زوربا اليوناني يحمل بداخله أحاسيس كثيرة متداخلة من البهجة والألم والعبث والفرح لا تفقد قوتها وأثرها مهما تكررت المشاهدة.. بالإضافة إلى أداء ساحر من أنتوني كوين أسر فيه روح زوربا الحمقاء الجميلة وموسيقى مرحة مستوحاة من الفلكلور اليوناني لميكيس ثيودوراكيس وصورة بديعة تفيض بجمال وقسوة مجتمع محلي ضارب بجذوره في الأرض والزمان كافية وحدها ،مهما تكن أفكار وتساؤلات نيكوس كازانتزاكيس، أن تثير خيال طفل صغير لم يعرف شيئا عن الحياة بعد .