الثلاثاء، 14 يوليو، 2015

Make Way for Tomorrow

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : فيكتور مور ، بيولا بوندي
إخراج : ليو مكاري (1937)

"كل عائلة سعيدة تشبه سعادتها سعادة غيرها، لكن كل عائلة تَعسة تختلف تعاستها عن الأخرى." – تولستوى

هناك ثلاثة أشياء لابد أن تقال كلما يُذكر هذا الفيلم، الأول أن مخرجه ليو مكاري أثناء تسلمه أوسكار أفضل مخرج عن عمله الثاني في نفس العام The Awful Truth ، شكر اللجنة وأخبرهم أنهم يمنحوه الجائزة عن الفيلم الخطأ، المخرج الأمريكي اعتبر فيلمه (افسح المجال للغد) أفضل أعماله على الإطلاق، الفيلم الذي كان تكريماً لوالده الراحل، يقول مكاري : "لو أن لي موهبة، هنا ظهرت."

الأمر الثاني هو شهادة أورسن ويلز بأن الفيلم هو "الفيلم الأكثر تعاسة عبر العصور، بإمكانه جعل الحجر يبكي"، نفس الشيء الذي أكده إيرول موريس مع إضافة أن الفيلم "يوفر الاطمئنان بأن كل شيء حتماً سينتهي بصورة سيئة"، إذاً هو فيلم يصعب ضمه إلى أعمال مكاري مع الثنائي لوريل وهاردي ، أو مع حساء بط الأخوة ماركس ، العديد من المخرجين الكبار الآخرين تأثروا به وأعجبوا به، أسماء ثقيلة سينمائياً مثل رينوار ، لوبيتش ، فورد ، كابرا الذي بعث "خطاب معجبين" لمخرج الفيلم.

الثالث أن كاتب السيناريو كوجو نودا أُعجب كثيراً بالفيلم، حتى أصبح مصدر إلهام له ولشريكه المخرج الأسطوري ياسوجيرو أوزو ، وبالتالي خرج سيناريو Tokyo Story ، أحد أجمل أفلام السينما وأكثرها تأثيراً، مؤكداً بهاء وجه جميل للسينما؛ كيف يمكن لفيلم عظيم أن يؤثر على آخر.

يبدأ الفيلم مع دفء عائلي وروح فكاهة طاغية، لا يوجد ما يُنبأ بما نحن بصدده، مكاري هنا تجلت أستاذيته في الانتقال السلس بين الكوميديا والدراما، كما زميله لوبيتش سيد الانتقال بين الكوميديا والرومانسية، انتقال مكاري هادئ، لكنه انتقال سريع ويظل يحدث معظم الوقت، سينما الرجل أنيقة، إن لم تكن دائماً أنيقة المظهر، تظل أنيقة الطابع والإيقاع.

الفيلم عرض بصورة موجزة العصر والمدينة، رغبة من مخرجه ربما في تعميم المكان والزمان مع عدم إهمال الأثر، عرض كذلك عالم يزداد رفاهية وينقص رحمة، المعاناة الاقتصادية الناتجة من الكساد الكبير كانت في الخلفية، كما كان الفيلم ذكياً في البعد عن الخطاب السياسي، كان ذكياً في البعد عن الخصائص الميلودرامية كذلك، فأصبح – مثل أعمال أوزو – شديد التأثير جالب للدموع، مع ذلك يصعب حقاً تصنيفه كفيلم ميلودراما،  مكاري مثلاً تجنب اللقطات المقربة للوجوه، تجنب جعل شخصياته ضعيفة أمامنا، جعل المؤلم هو تصور ما يحدث داخل قلوبهم، ماذا يحمل لهم المستقبل، المؤلم كان الباطني الخفي، ليس الظاهر المعلوم، هذا ما يجعل هذا الفيلم الكئيب عظيماً بحق.

المخرج كذلك هرب من الشكل الخطابي التقليدي، لو كان حذف كذلك المقدمة الوعظية النصية لكان ربما أفضل، مكاري جعل شخصياته قابلة للتصديق، جعل من شخصية الأب والأم شخصيات محببة، مزج بذكاء بين النزعة الميلودرامية لدى الأم والنزعة الكوميدية لدى الأب، مزيج يجمع ما بين التوازن والتوازي، الابنة الخامسة لم تظهر قط طوال الفيلم، مشهد لم شمل الأب والأم لم نره، الإضمار الذي طالما استخدمه أوزو ، مكاري حذف أيضاً مشهد انتقال الأب والأم للعيش مع أبنائهم، وترك مشهد الانتقال الآخير، ليساعد على التصاعد المكثف للشعور.

المخرج جعل هؤلاء العجائز يقلقون راحة الأبناء وأصدقائهم، على المستوى الظاهري بحركة الآباء البطيئة وتعليقاتهم المفتقرة للذكاء الاجتماعي الآني، في العمق سنجد مصدر الإزعاج الحقيقي، علاقة الحب الجميلة قليلة الحيلة بين الأب والأم، الأمر الكفيل بإشعار الأبناء – بالإشتراك مع المشاهدين – بالخجل من عدم توافر نفس العلاقة، من عدم القدرة على المساعدة، تمكن مكاري من أدواته يظهر أثناء مكالمة الهاتف الساحرة بين الأم والأب، حيث لا نرى قطع يرينا صورة الأب، لا نسمع صوته حتى من الهاتف، لحظات صمت تجعل المشاهد يشارك الاثنين الشعور، الأبناء والأصدقاء الذين يستمعون كذلك ويشعرون بالحرج، حيث الشكل الاجتماعي السائد هو الأهم، في المقابل المخرج جعل الغرباء أكثر لطفاً من الأقارب، سمسار السيارات الذي كان سعيداً بتوصيلهما، مدير الفندق الذي عاملهما كابن بار، قائد الفرقة الموسيقية الذي توقف عن اللحن السريع، ليتمكنا مع الرقص على لحن مناسب لهما.

الأداء التمثيلي مدهش، شخصيات طبيعية بلا افتعال، الأب والأم تم إسناد شخصيتهما لممثلين اعتادوا لعب الأدوار الثانوية، مكاري رفض الأسماء الكبيرة لرغبته أن يكون التركيز على الشخصيات، لا النجوم، العاملون بالفيلم تأثروا كثيراً أثناء التصوير، بعثوا خطابات للآباء والأمهات وتحدثوا هاتفياً، كان هناك الكثير من البكاء أثناء التصوير. أستوديو بارامونت كان يرغب بنهاية سعيدة، مكاري رفض، الأستوديو بعقل التاجر يعرف جيداً أن الجمهور لم يعتد الخيبة في الأفلام، إن وجدها لن يسامح من صنعها، الأستوديو كان محقاً، الفيلم لم يحقق نجاحاً جماهيرياً، أصبح التعاون الأخير مع للمخرج، على الجانب الآخر المخرج بإحساس الفنان يعرف كيف يصنع فيلم صادقاً مؤثراً، دون الهوس برأي المشاهدين والنقاد، المخرج كذلك كان محقاً، الفيلم أصبح كلاسيكية يمكنها أن تُبْكي اليوم مثلما ابكت في الثلاثينات.

"أعتقد أن الأطفال لابد ألا يكبروا أكثر من السن الذي عليك أن تحملهم إلى الفراش."