الأربعاء، 8 يوليو، 2015

Rhino Season

كتب : فراس محمد

التقييم : 3.5/5

بطولة : بهروز وثوقي ، مونيكا بيلوتشي
إخراج : بهمن قوبادي (2012)

كنت اتوقعه أن يكون اكتر خصوصية , مع الموضوع المطروح , كنت أتوقعه اكثر انتماء لأدب السجون , ولكنه كان اكثر غرقا في الذاتية , مشكلتي مع ذاتية الشخصية , انها ذاتية غير مؤثرة , وخصوصا على قصة الفلم , وقصة الشخصية ذات نفسها , قوبادي مال بشكل كبير ليمنح ذاتية الشخصية الرئيسية  , بطولة فلم يجب أن تكون فيه ثانوية , وهذا السبب الرئيسي الذي جعل امر البحث عن معاني الرموز المرتبطة بها مطلوبة كي يزيل المُشاهد شعور الفراغ أو عدم الاقتناع التي تكون ثقيلة اغلب فترات الفلم  , لذلك بدا مع غموض بعض الرموز أن التصوير و سينماتوغرافيا الفلم هي البطل الرئيسي وهي بوابة شرح الفلم  , المقصود ان البطولة وهمية صنعت فجوة بالفلم دون ايجاد بديل , قادر على سد الثغرة .

مع دقائق الفلم التسعين , لم استطع اغفال فكرة , ان معالجة الفلم , بهذه الطريقة  , ليست اسلوب قوبادي , هذا الشعور لا يشعر به إلا من كان يعرف قوبادي جيداً , قوبادي مخرج قادر أن يوازن بين استخدامه للرمز بالقصة , ورواية القصة ذات نفسها , معالجة قوبادي للفلم جردته من حلاوة قراءة القصة , ومن فعالية الرمز , نقطتين برأيي اصيبتا بالخلل , وخصوصا بالنسبة للمشاهد يعرف قوبادي , وخصوصاً اكثر لمشاهدٍ معجب بقوبادي .

لنتكلم عن قصة الفلم , بعيدا عن الرمز , ثم , سأحاول حسب رؤيتي الشخصية  اسقاط الرموز عليها , لنعرف معانيها , شاعر ايراني , كتب مجموعة من القصائد التي بسببها دخل السجن بعد انتصار الثورة الاسلامية , وزوجته كانت متورطة معه بسبب تعاونها , تعرضت زوجته للاغتصاب من السائق الذي  كان يحبها و الذي اكتسب بعد انتصار الثورة مكانة معينة ,
قوبادي رفض شرحها لنا - وهذا خلل ببناء القصة وروايتها برأيي وان قوبادي بإغفاله هذه التفاصيل ما زال مصراً على منح الفلم لون ذاتي بحت  - عكل حال انجبت منه طفلين اثنين .. بعد خروجها من السجن , ابلغوها ان زوجها قد مات ودلوها على قبر وهمي , وعاشت على ذكراه عن طريق نقش الوشوم , بقصائد زوجها .

وبالمناسبة هناك نوع من الالتباس اعتقد انه من المفروض ان يوضح  , فممارسة الجنس مع الفتاة صاحبة التاتو , لم تكن ممارسة للجنس مع ابنته , كما اشارت الفتاة الاخرى التي تتكلم الانكليزية المكسرة والتي تلعب دور القواد , ولا اعرف صراحة السبب من خلق هذا الالتباس من قبل قوبادي , كونها جزئية لا تخدم أي محاور الفلم  , هنا قوبادي كان  يصنع فجوة , بين المُشاهد والاحداث , هذا الشك هنا مضر , وسلبي جدا , لكن قوبادي لا يغير عاداته , انه مخرج متطرف في جرح المشاعر, هذا الشيء لم استطع تجاوز ههنا كما تجاوزته في افلام قوبادي الاخرى A Time for Drunken Horses Turtles Can Fly , لان المعالجة والموضوع هنا لا تسمح , خصوصاً ان قوبادي افتقد هنا نقطة قوة اساسية ترتكز عليها جزئيته هذه , ان ابطاله هذه المرة ليسوا صغاراً .

مينا  زوجة الشاعر والتي لعب دورها الممثلة الايطالية الحسناء
مونيكا بيلوتشي  طلبت من السائق ان تهرب لأوروبا , فاستغلها , وتبرأ من اولاده , واعطاها جوازات السفر , وفي نهاية الفلم , نرى انها تمكنت من الهرب عن طريق السفينة , بينما زوجها كان بأرض قاحلة جدا , ارض ملحية .

أين الرموز اللتي من ممكن أن تخدم هالسرد , باعتقادي , ان كتير من مشاهد الفلم التي ظهرت خارج نطاق سرد القصة , تخضع لذاتية الشخصية , التي تكلمنا عنها في البداية , والتي هدفها أن توصل حالة التشويش , والحزن , او نوستالوجيا الشخصية بشكل عام , مشاهد السلاحف مثلا او مشهد الحصان , المشهدين لا يخدمان الحدث او الفكرة , بقدر خدمتها لنوستالجيا الشخصية وتضخيمها – واعتقد ان هذين المشهدين فيهما اشارة لفلمي قوبادي الابرز في مسيرته السينمائية ,
زمن الاحصنة السكارى و السلاحف تستطيع ان تطير – وكونهما رمزان ذاتيي الاستخدام فمن الواضح ان للفلم بشكل عام ارتباط عضوي وشخصي مع شخصية المخرج وافكاره كفنان .

الرمز الذي يخدم القصة برأيي , هو وحيد القرن الذي شاهدناه بلقطتين , اول لقطة حينما يدهسه ساحل بسيارته , ننظر عبر المرآة السيارة الوسطى نراه ميتا , المشهد الثاني , هو المشهد قبل الاخير حينما نرى وحيد القرن راسا على عقب غرقا في الماء , وميت ايضا .

وحيد القرن هنا لا نستطيع تناوله كرمز بمعزل عن مقاطع وابيات الشعر التي رافقت المشهد , وارتباط هذه المقاطع بمشهد حساس ومهم , هو مشهد رسم التاتو على ظهر ساحل والذي يقول فيه  فقط الحي الذي على الحدود سوف يخلق ارضاً  في اشارة واضحة لكل من اجبر على ترك بلده ومغادرتها نتيجة راي سياسي أو وضع اقتصادي سيء.. ثم المقطع الثاني المرافق لمشهد وحيد القرن الذي يتحدث فيه الشعر عن لعق وحيد القرن للأرض الملحية .

هذه المقاطع قد تحمل شيئا من الازدواجية في المعنى , فأنا ان تكون دلالة عن الاستسلام للأمر الواقع , بحيث يشير نص الشاعر لضرورة البحث عن الحياة بعيدا عن الوطن , أو تكون تحمل دلالة معاكسة , وهي ان الارض فقط لمن هم خارجها ومن خرجوا بدافع سياسي , وفي كلا الحالتين النص يحمل سلبية وتطرف بارزين تصل مع
قوبادي برايي لأوجها , وخصوصا مع اقتحام مشهد السفينة المغادرة وعلى متنها مينا زوجة ساحل , وابنتها اللي كسبت المال عن طريق بيع الهوى , سلبية خطيرة من قوبادي , لا يمكن سوى ان تكون غارقة في الذاتية والشخصنة , قوبادي اعتاد ان يضع افكاره حول الوطن في افلامه كمسلمات دون مناقشتها , نقاشه يتحول لأجزاء واحداث اخرى .

بالعودة لوحيد القرن , وارتباطه بهذه السلبية ,  وحيد القرن يرمز بالضرورة  للشخص اللي اغتصب زوجة ساحل وانجب منها طفلين , والارض الملحية هي ايران الارض التي لم تعد تصلح سوى لحيوان ملحي ذو جلد سميك وقادر على التأقلم مع الجفاف خصوصا اذا كان هو سبب من اسباب الجفاف , خصوصا إن كان الوشم الذي على ظهره يرمز للهرب , للبحث عن الحياة خارج ايران , رغم قتل وحيد القرن , غرقا بالماء , وهو ما يعاكس الجفاف , إلا ان الجفاف ما زال موجود بموت وحيد القرن , قد يبدو في الامر فقدان حقيقي للأمل , لم استطع التأقلم معها بالمطلق .

في ناحية رمزية بالفلم , فيما يتعلق بشخصياته , شخصية السائق بتمثل ايران بعد الثورة , هنا قوبادي لجأ لمنح الرمز هوية دينية , او طائفية , رغم اني لم أتأقلم مع هذا الامر , ولست معجبا به ايضا , ولكن حينما يلجأ اي مخرج لهذه النوعية من طرح الافكار يجب أن يبحث عن التوازن , و قوبادي نجح بأخر مشهد من الفلم بصنع هذا التوازن , حينما قرر الشاعر أن يقتل السائق , كان مضطراً ينتحر , ركبا السيارة معاً وغرقا معاً , وماتا معاً , تبع ذلك مشهد حاسم ومفصلي , مشهد وحيد القرن الغارق راساً على عقب مع مشهد سير الشاعر على الارض القاحلة , هنا المخرج كان يبحث عن انتصار الفكرة التي مثلها الشاعر ومات من اجلها لذلك كان حيا نهاية الفلم بالمعنى المجازي وليس الجسدي للكلمة  , رغم ذلك الارض ظلت قاحلة .

بخصوص الشق التقني بالفلم , التصوير الفوتوغرافي , لا انكر انه عظيم , لكنه ليس مريح , وهنا الفرق بين المخرج على صنع فلم بصري عظيم , وقادر على صنع تباين لوني , ومزج لوني , وكوادر حساسة , وبين المخرج الذي يجرب ,
قوبادي كان يجرب هنا , رغم انه التصوير بهذه الطريقة له ضرورة درامية وداعمة لفكر منح ذاتية الشخصية بطولة الفلم  , ولكن لإعادة المقارنة لنصابها الصحيح  , يجب ان نشاهد أفلام لمخرجين متمردين على الصورة , وقادرين على صنع توازن بين المشهد والدراما واللون , وانطباع اللون , ومزاجية المشهد , وحساسية الضوء , يجب ان يُشاهد بالضبط افلام لمخرجين استخدموا ذات التقنية اللي استخدمها قوبادي , نوري بيلجي جيلان , سميح قابلان اوغلو , و ريها ارديم , ايرماك , هؤلاء قادرين على صنع توازن بصري , مفقود بصورة قوبادي الجميلة .