السبت، 11 يوليو، 2015

Killer of Sheep

كتب : عماد العذري

التقييم : 4/5

بطولة : هنري جي ساندرز ، كايسي مور
إخراج : تشارلز بيرنيت (1977)

كان تشارلز بيرنيت مجرد طالب سينما في جامعة كاليفورنيا عندما أخرج فيلمه هذا الذي استغرق تصويره ثلاثة أعوام بسبب ميزانيته التي لم تتجاوز عشرة آلاف دولار ، عندما عرضه عام ١٩٧٧ تعرض لإجهاضٍ قانونيٍ بسبب حقوق القطع الموسيقية التي استخدمها فيه ، بعد اربعة أعوام منح جائزة النقاد في برلين ، لكنه احتاج لثلاثة عقود كي يبصر النور .

عام ١٩٧٧ ربما كان عام المشاريع الدراسية ، في العام ذاته أطلق ديفيد لينش مشروعه الدراسي Eraserhead الذي قوبل بحفاوةٍ بالغةٍ حُرم منها فيلم بيرنيت ، كان ذلك كفيلاً بالقضاء على مسيرة مخرجٍ شاب لولا أنه استمر في تقديم أعمالٍ أخرى ، مع ذلك بقي هذا الفيلم أشبه بلعنة مزدوجة : أعيق اطلاقه أولاً  ، ثم أعاق مسيرة مخرجه التي ارتبطت به بشكلٍ كليٍ بعد ذلك .

في الفيلم هناك ستان ، رب أسرةٍ أسود يعمل طوال الأسبوع في مسلخٍ في احدى ضواحي لوس أنجلوس و يعيش حياةً متواضعةً و رتيبةً مع زوجته و ولديه ، نراه وهو يرفض الاشتراك في جريمة ، يتلقى عرضاً بالعمل في متجر ، يحاول شراء محرك سيارة ، و يعمل جاهداً على قتل الأرق و تلمس اسباب الفجوة العاطفية التي يعيشها مع زوجته .

الفيلم لا يعتمد على براعة السرد ، يمكن وضعه بسهولة ضمن تلك النوعية التي تسمى ضمنياً (أفلاماً غير سردية) ، مشكلة المشاهد التقليدية معه هي تسليم الحدث و تدفقه و هي مشكلة لا أراها منطقية ، الحدث لا يتدفق هنا لأنه غير موجود ، ما نراه كـ (حدث) على الشاشة يكون مهماً للشخصيات وحدها و ليس لنا كمشاهدين ، النص صادقٌ جداً مع شخصياته و يمكننا من خلاله بسهولة تلمس أنهم كانوا يعيشون فعلاً قبل (الحدث) و سيستمرون في العيش بعده ، و الجزء الذي نراه نحن من الحدث يعنيهم وحدهم ، غاية النص هنا هي خلق صورةٍ غير اعتيادية لـ (الحياة) دون وضعها في قالبها السينمائي (بالمعنى المادي للعبارة) ، لذلك لا توجد هنا دراسة حقيقية للشخصيات أو تطور مكتمل لحبكة أو حتى صورة براقة لخلق نوعٍ من التعويض البصري ، يضع بيرنيت القالب السينمائي جانباً و يلجأ للتجريد ، ينظر للأشياء كما هي حرفياً وهو شيءٌ غير اعتياديٍ لدى المشاهد و من البديهي أن يصيبه بنوعٍ من الملل و الاعياء و فقدان الحماس تجاه ما يشاهده و هو برأيي انعكاسٌ بديعٌ لحياة شخصياته ، شخصيات الفيلم تعيش على هامش كل شيء ، تسير (الحكاية) معهم طالما هم يسيرون ، تتقدم طالما هناك مسعى و تنتهي عندما يفشل ذلك المسعى ، ثم تبدأ مساراً جديداً عندما يبدأون في مسارٍ جديد ، لوهلة سنبحث عن خط الحكاية ثم سنكتشف أنه لا وجود له ، الحكاية هنا هي حياتهم ذاتها .

الأكثر قيمة من هذا الشكل (غير السينمائي) للسرد هو القالب الذي يضعه فيه تشارلز بيرنيت ، قالبٌ أصيلٌ جداً لا يمكن انكار أصالته مهما اختلف رأينا في الفيلم ، بيرنيت على خلاف ما يفعله المخرجون السود عادةً ينأى بنفسه عن التعامل مع المواضيع الساخنة و الكبيرة عن مجتمع السود ، أزمته هنا هي الإنسان ذاته عندما يعيش على الهامش في بيئةٍ تعزله - شاء أو أبى - مكانياً و مادياً و روحياً ، لا يمكن أن تشعر في فيلمٍ سينمائي بأن الحياة قاسيةٌ على أناسٍ (يحيونها بشكلٍ طبيعي) كما يمكن أن تشعر هنا ، في الحكايات السينمائية تتكفل (ظروف الحدث) و حبكات (الصراع) و (المواجهة) بجعل الحياة قاسيةً على الشخصيات ، هنا لا يوجد شيءٌ من ذلك و مع ذلك فالحياة قاسية و بصورةٍ مقنعة ، لا وجود لسببٍ عنصريٍ أو ماديٍ أو اخلاقي ، بطلنا هنا انسانٌ مكافحٌ يحبه الآخرون ، لديه رادعٌ اخلاقي يمنعه من الاشتراك في جريمة ، لا يعاني مشاكل عنصرية و الرجل الابيض ذاته لا نكاد نراه على الشاشة ، و لا يعتبر أنه شخصٌ فقير أو بحاجةٍ للمال (تبرع لجيش الخلاص كما يقول و هذا ما لا يفعله الفقراء) ، مأساة ستان بنظرةٍ تجريدية (و شخصيات الفيلم ككل) هي أنها (تعيش) ، هكذا بكل بساطة ، حياتها دوامةٌ سيزيفيةٌ تتوارثها الأجيال ، يفتتح بيرنيت فيلمه بوالدٍ يؤنب ولده و يختمه بإمرأةٍ تكتشف أنها حامل ، كنايةٌ واضحةٌ عن شيءٍ يستمر و يستمر ، كفاح الشخصيات الحقيقي ليس استبكائياً لأنها تقوم به كل يوم و بصورةٍ مستمرة ، كفاحها يأخذ من عنوان الفيلم معنىً ثلاثياً : خراف ستان في المسلخ ، و خراف العهد القديم التي تسير في درب الظلال ، و خراف ستان التي يعدها في السرير كي ينعم ببعض النوم ، بيرنيت يتعامل هنا مع أشياء أبعد من الصورة النمطية للأفلام التي تناولت السود ، يسبر العزلة ، و الأرق ، و العواطف المكبوتة ، و خيبات الأمل المتكررة في هذه البيئة حيث الحياة تكون سوداء أكثر من لون البشرة ، احساس بيرنيت بتفاصيلها عالٍ جداً ، عندما نشاهده وهو يراقب ألعاب الصغار يبدو و كأنما يشاركهم اياها ، نشعر بالضرب و الأتربة و الزجاج و الحجارة ، نشعر (دون مبالغة) بالحر و رطوبة الجو و العرق و الملابس المتسخة ، عمله مزيجٌ (غريبٌ بالفعل) من واقعية الطليان (بصورة اكثر تجريدية) و شاعرية رينوار (التي تقوم على العاطفة المتولدة من الحالة الانسانية و ليس من الحبكة أو الشخصيات) طبعاً مع مسحة توثيقٍ تذكرني بـ On the Bowery ، سلاحه في ذلك استخدامٌ مكثف للقطات القريبة و المتوسطة القريبة ، و تصوير بأبيض و أسود غير مشبع ، و مقطوعات موسيقية غير اعتيادية فيها الجاز و البلوز و الكلاسيك ، سيسيل غرانت و إيرث ويند أند فاير و دينا واشنطون و ليتل والتر و لويس آرمسترونغ و حتى راخمانينوف ، بيرنيت يخلق تغييراً جذرياً ملفتاً في شكل (أفلام السود) لا يشبه أي شيءٍ آخر جاء قبله أو بعده ، يجعله برأيي أكثرها شخصية على الإطلاق .

مع ذلك لا يخلو العمل من مشاكل ، لقطاته الخارجية الواسعة و الجميلة جداً تقل قيمتها مع التعامل مع لقطاتٍ داخلية قريبة و متوسطة في بيئةٍ مكانيةٍ فقيرة بصرياً تعطي الفيلم مسحةً تلفيزيونيةً رديئة لا تخدمه على عكس استخدامها في بيئةٍ أغنى بصرياً (مشاهد المسلخ مثلاً) ، علاوةً على أن استخدامها يدفع بيرنيت في أكثر من مشهد للتعويض من خلال الإستعراض حيث تتعدد الكادرات و الزوايا دون مردودٍ جمالي حقيقي (كما هو الحال في مشاهد المطبخ) و لن تستطيع مراوغة الشعور بـ (طالب السينما الذي يجرب) يجلس هناك وراء الكاميرا ، هناك أيضاً سوء توظيفٍ للمساحات الصوتية ، لحظات الصمت هنا بالرغم من جدواها أحياناً على الورق لكنها مع أداءاتٍ متواضعة من ممثليه (غير المحترفين كما يظهر تكرار اسماء العائلات في تترات الختام) تبدو هنا أشبه بمساحةٍ لهم لإستذكار سطورهم أو الردود المفترضة من أجسادهم ، و الملفت أن هذا التوقيت الرديء في كثيرٍ من المشاهد لا يترافق مع مونتاجٍ يخفف من سوءه الذي يسرق - بوضوح - شيئاً من قيمة الفيلم ككل .

الفيلم قطعاً أجمل في مشاهدةٍ تالية ، مسحة الشاعرية فيه تصبح أكثر وضوحاً و ايقاعه الداخلي يصبح أكثر اتزاناً و أسرع ، من الجيد أن شخصاً ما في هذا العالم وجد الجرأة لينفق ١٥٠ الف دولار كي يمنح الفيلم حقوق مقطوعاته الموسيقية و يحرره من سجنه بعد ثلاثة عقود ، و من الجيد أنه استطاع أن يثبت قيمته و شخصيته النادرة ، هذا ليس فيلماً عن السود ، هذا فيلمٌ أسود .