الاثنين، 6 يوليو، 2015

M

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : بيتر لوري ، إيلن ويدمان
إخراج : فريتز لانغ (1931)

"بالنسبة لي السينما خطيئة، خطيئة أحبها بحميمية." – لانج

يعتقد المخرج الأسطوري فريتز لانج أن فيلم M هو أفضل أعماله، بالنسبة لي فيلمهMetropolis  هو الأجمل بدون تفكير، لكن ما لا خلاف كبير عليه أن الفيلمين على مسافة ليست بالبسيطة مع باقي أفلام الرجل، أفلامه التي انجزها في ألمانيا تملك شيء ينقص أفلامه الهوليودية، أغلب الظن أن الشيء الناقص هو زوجته السابقة (فون هاربو)، التي ساعدته في أعماله الألمانية، ولم تهرب معه إلى أمريكا، بقيت وأصبحت نازية مخلصة.

الفيلم هو أول أفلام لانج الناطقة، عمل أعتقد أنه سيظل جدير بالإعجاب إلى ما لا نهاية، فالفيلم لا يكتفي فقط بكونه فعلها قبل الجميع، بتقديمه للسينما النموذج المثالي لفيلم الجريمة والتحقيقات البوليسي، لكنه أيضاً جعل الجريمة حيلة حتى يكشف لنا الحالة النفسية للمجتمع الألماني في حينه، الأمر الذي لم يغفله ديفيد فينشر في  Zodiac، بالنظر إلى فيلم M اليوم، سنجد أنه أيضاً لم يكتفي بكشف مجتمع على مشارف الفاشية، لكنه يكشف أيضاً شيئاً عن كل المجتمعات الحديثة، فيلم لانج – من جديد – لم يكتفي بذلك، فوضع أمامنا أول فيلم يتناولحقاً – قاتل متسلسل، أو على الأقل أول فيلم جدير بالثناء، الفيلم كذلك يناقش عقوبة الإعدام، المزايا والعيوب، ربما ينتصر للعيوب، ربما يكون عاملاً مؤثراً على فيلم كيشلوفيسكي القصير عن القتل.

كل هذا جعل فيلم لانج فيلم جامع عظيم، فيلم خرجت منه أفلام أخرى عظيمة، أحياناً تلك النوعية من الأفلام المؤسِّسة تكون مصدر إحباط كبير، عند التعامل معها منفردة بعزل تأثيرها على الأفلام اللاحقة، M بالتأكيد ليس كذلك، فإن تم عزله، بل حتى لو تجاهلنا الخلفية التاريخية لبداية الأفلام الناطقة، والخلفية السياسية قبل هيمنة الرايخ الثالث، سيظل الفيلم آسراً، سيظل يدفعنا للتساؤل هل كنا نحتاج حقاً لأغلب تلك الأفلام التي تلته، طالما استطاع أحدهم أن يصل إلى هذا الكمال؟ حسناً ربما نحتاج، لكن يمكننا دائماً الاكتفاء بفيلم  M.

يبدأ الفيلم بالمرأة التي تمنع الأطفال من ترديد الأغنية "السيئة" عن السفاح الذي يُرهِب المدينة ويقتل الأطفال، الأطفال يتجاهلون نهي المرأة، ويستمرون في ترديد الأغنية، لانج لا يلوم الأطفال، فكما سيعرض فيلمه، سنجد المجتمع شديد التعلق بالعنف والجريمة، من السهل دائماً لوم الإعلام، فهذا أسهل كثيراً من لوم الجانب الأسود من الطبيعة البشرية، لكن في الفيلم الصحافة لا تؤجج شغف الإنسان بالجريمة، فقط تطمح في الاشباع المؤقت لغرائز المجتمع، المجتمع سيدين القاتل الذي كان مثلهم لا حيلة له، فقط يُشْبِع غرائزه.

القاتل تم تقديمه أولاً كفكرة عن طريق المعلومة، ثم تم تقديمه كشخص عن طريق الظل، الظل بمثابة تجسيد لأسطورية قاتل يخيم على مدينة مصابة بجنون الارتياب، الجريمة الفردية تصبح صورة ذاتية للمجتمع، نجد لانج مولعاً برصد تفاصيل توضح قبح المجتمع، لا يهتم كثيراً بتفاصيل الجريمة أو القاتل نفسه، المخرج رفض الخضوع لتوقع المشاهد، لم يوفر للمشاهد حتى لغز التعرف على القاتل، فقدم القاتل في البداية كظل فقط، لكنه سرعان ما أرانا أياه وعرفنا عليه، بالقدر الضئيل الذي يرغب به طبعاً، بعض تلميح، لا تصريح، ففي النهاية على المخرج أن يُبْقى غموضاً كافياً لجعل الفيلم مشوق.
فيلم الجريمة يُغري دائماً بوجود شخصية رئيسية، هذا لم يحدث هنا، القاتل والمحقق يظلا شخصيات فرعية في مقابل الخلفية التي تصبح البطل الرئيس، الجريمة لا تحدث أبداً أمام الشاشة، على المشاهد أن يستخدم خياله، وعلى المخرج – مجدداً – أن ينشد غموض فيلمه، لانج استخدم نفس أسلوبه البصري الصامت في أول أفلامه الناطقة، بقليل من الجهد يمكن حذف الصوت، وضع بعض العناوين التوضيحية، ليصبح الفيلم صامتاً، وإن كان سيحرمنا هذا من بعض جمال في مشهد المحاكمة وأداء بيتر لوري المدهش، كما سيحرمنا من صفير القاتل وهو خارج الكادر، الصفير كان اكتشاف شديد الذكاء من لانج ، عن طريق الدرجات المتفاوتة من الصفير يمكنه التحكم في معدل الإثارة، بدون الحاجة لوجود القاتل في الصورة، جدير بالذكر أن لوري لم يكن يجيد الصفير، بعض المصادر قالت أن الصفير يعود لزوجة لانج ، البعض الآخر رجّح لانج نفسه.

تعامل لانج مع الصوت كان شديد الحرص، على عكس السائد أثناء بدايات الفيلم الناطق، كان الجميع يريد سد كل منفذ داخل الفيلم بالصوت، الكلام والموسيقى، الشيء الذي جعل كثير من الأفلام مسرحية الطابع، لانج لم يجد غضاضة في ترك الفيلم جافاً بدون موسيقى، فالموسيقى في النهاية وسيلة تساعد المخرجين على توليد شعور ما، تجنب الفيلم للموسيقى حقق الغرض بنجاح، فالأقل دائماً ما يكون أكثر.

عملية البحث عن القاتل داخل المبني صارت أشبه بمحاولة اصطياد فأر، المحاكمة الشعبية للقاتل صارت مرداف لمجتمع يرغب في كبش فداء، يرغب في وصم أي شخص بالجريمة وبسرعة، للحصول على بعض راحة نفسية تمنعه من التفكير في النزعة الشريرة داخل كل فرد، لانج يذهب بالأمور بعيداً حتى يكون الوصم مادياً، كحرف M على سترة القاتل. الفيلم صوّر مجتمع الشرطة بالتوازي مع مجتمع الجريمة، القاتل جعل الحياة صعبة بالنسبة للفريقين، لذا أصبح لديهم هدف مشترك، لانج لجأ إلى القطع المتوازي بين اجتماع الشرطة والمجرمين، الفيلم جعل السلطة إجرامية، تملك نفس مستوى ذكاء المجرمين، لكنها تظل قليلة الحيلة مقارنة بمجتمع الليل.

تم تصوير الفيلم في ستة أسابيع فقط، وسط ممانعة قبل البداية من قبل النازيين، من تعرف على قاتل الأطفال في النهاية كان شحاذاً أعمى، هل هناك سياسة في ذلك؟ ربما. المخرج المتطرف استخدم مجرمين حقيقيين أثناء الفيلم، بعضهم تم إلقاء القبض عليه خلال التصوير، التصوير كان في الغالب ليلي ضروري للمناخ النفسي للفيلم، الفيلم كان في أغلبه بسيطاً شديد التكثيف، كل مشهد ولقطة تخدم الفيلم، استخدام اللقطات بحسب الغرض، كاللقطة الطويلة التي تعرض مجتمع الشحاذين، لقطة سرعان ما صارت أيقونية. أورسن ويلز لم يعترف بتأثره بزوايا لانج ، كان هذا مصدر إزعاج للألماني، للأسف لا يوجد ما يثبت هذا التأثر، إلا أفلام ويلز طبعاً.

"دائماً ما شعرت بأن أحداً يتبعني، لكنه كان أنا، أتعقب نفسي، أردت الجري، لكني لم أتمكن من الهرب من نفسي"