الأحد، 5 يوليو، 2015

Lonesome

كتب : ياسر ريحاوي

التقييم : 5/5

بطولة : باربرا كنت ، غلن تريون
إخراج : بول فيجو (1928)

الوحدة وانعدام التواصل والعزلة في المدينة الكبيرة, من أكثر المواضيع التي تناولتها السينما وربما أفضل الأمثلة وأكثرها تكراراً في قوائم النقاد هما فيلمي مورناو Sunrise و فايدور The Crowd ، فيلم بول فيجو Lonesome لا يقل أبداً عن مستوى الفيلمين السابقين المشابه لهما وإن كان فيلماً مجهولاً تم نسيانه مقارنةً بشهرة تحفتي مورناو و فايدور, بالنسبة لي الفيلم ربما يتفوق أيضاً على الفيلمين السابقين في بعض الجوانب, فيجو الهنغاري الأصل والذي قام بإخراج الفيلم بعد عثوره بالصدقة على قصة قصيرة في إحدى أقبية استديو باراماونت هو من أكثر المخرجين المميزين والمجهولين والعثور على أفلامه أمر في غاية الصعوبة, الرجل الذي درس الطب ثم أخرج عدة أفلام سينمائية واتجه بعدها إلى علم الأنثروبولوجيا يستحق أن يصنف إلى جانب أسماء كبيرة مثل مورناو و فايدور.

 يبدأ الفيلم بالجولة عبر شوارع مدينة نيويورك النابضة بالحياة, الحياة الآلية كما وصفتها إحدى العبارات التي تظهر أمامنا, القطارات, السيارات, ناطحات السحاب, وعجلة حياة لا تتوقف تلتقطها عين فيجو بأسلوبية تدمج التعبيرية الألمانية بالمونتاج السريع والمتقطع للأفلام الروسية المميزة لتلك الفترة, ننتقل بعدها إلى أحد أهم مشاهد الفيلم, فكرياً وأسلوبياً, مشهد يظهر لنا الشخصيتين الرئيسيتين في روتينهما اليومي, يركضان في محاولة دائمة لمسابقة عقارب الساعة وظروف العمل التي لا ترحم, فيجو قال أنه أراد أن يصور مدينة يبقى الجميع فيها في عجلة من أمره حتى في أوقات الفراغ التي تصبح مسابقة أخرى في محاولة الركوب في المترو, هذا المشهد العظيم يهيئ الجو العام ويضعنا في صلب مشكلة شخصيتي الفيلم الرئيسية, الوحدة والروتين اليومي في عجلة حياة مدينة لا تعرف الرحمة ولا تنظر لمواطنيها إلا كآلات في صورة مشابهة أخرى لفيلم صامت خالد هو تحفة فريتز لانغ  Metropolis.

تظهر فسحة من الأمل عندما يلتقي البطلين في كوني آيلاند بحثاً عن المتعة وعن الحب والتواصل فيجدانه ويقوم فيجو هنا بتصوير جمال ومتعة الحب والتواصل البسيط في مشاهد قريبة من القلب, ممتعة, ذكية في كوميديتها وساحرة في أسلوبها البصري كما الفيلم ككل, عظمة الرجل تظهر في تحكمه بالتعبير عن المشاعر المتضادة بنفس القوة الإخراجية, الوحدة والتواصل, الانعزال والحب, في هذه المرحلة من الفيلم تصبح نظرة فيجو للمدينة وتطورها التكنولوجي أكثر تعقيداً مما بدت عليه في البداية, المدينة كمصدر للتسلية والدهشة والجذب والانبهار بتطورها وتقدمها الذي يمحي كل الهموم, أو ربما الحب هو من يجعل كل الأمور الباهتة الآلية تشرق من جديد, في النهاية يفترق الحبيبين ويعودان لوحدة أشد قسوة مما كانا عليه, التمزق والحزن على الحب الضائع في نهاية الفيلم هو أشد إيلاماً من الوحدة والعزلة في المجتمع الحديث التي بدأ فيها فيجو قصته, الوحدة والحب والافتراق هي مشاعر جعلت الفيلم خالداً أيضاً بغض النظر عن مواضيع التي تخصصت في نقدها للحداثة والتطور.

الفيلم يحوي عدة مشاهد ناطقة أضيفت لإرضاء الجمهور الذي كان متحمساً في تلك الفترة لسماع الحوارات التي أنهت السينما الصامتة, الصمت هو الفن المفقود العظيم والذي كانت فيه السينما في أكثر أشكالها عذوبيةً وشاعريةً وبطريقة تضع الصور في المرتبة الأولى عند رواية أي حكاية, فيلم بول فيجو هو أحد أهم التحف السينمائية للفن المفقود, ومن وجهة نظري, أسلوبياً وفكرياً هو أحد أهم الأفلام على الإطلاق.