السبت، 11 يوليو، 2015

Au Hasard Balthazar

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : آن فيازمسكي ، والتر غرين
إخراج : روبير بريسون (1966)

*هذا المقال ماهو إلا حديث عن تجربتى الشخصية - التى لم تكتمل بعد - مع سينما روبير بريسون .

نصحنى صديق حكيم بألا أفعل مع بريسون ما فعلته مثلاً مع كيوبريك ، كيوبريك شاهدت أفلامه جميعاً تباعاً حسب ترتيبها الزمنى ، نصحني أن أستثنى بريسون - دوناً عن بقية المخرجين - من تلك القاعدة ، و أخبرني أن نظام القرعة هو أفضل مدخل لسينما الرجل ، نصيحة غريبة و مثيرة و لكن تأكد لي الآن مدى صوابها ، فعشوائياً وقع اختياري على
Pickpocket ليكون باكورة مشاهداتي مع المخرج الكبير ، أعجبني جداً في الفيلم وجهة النظر الذاتية جداً للبطل التي يتبناها المخرج في سرده الدرامي و البصرى ، و لكن لم يعجبني التمثيل إطلاقاً ، الاختيار العشوائي الثاني كان فيلم A Man Escaped أعجبني أكثر من سابقه و بدأ يتضح لي ملامح سينما الفرنسي الكبير من حيث تبنى سرده دائماً وجهة نظر البطل ؛ البطل يروى علينا فى شريط الصوت كل كبيرة و صغيرة يفعلها ، الكاميرا دائماً تلتقط كل تفصيله تخص رحلة البطل نحو الهروب من السجن ، إيقاع يسير بهدوء و رصانة جميلة تُمكّن المُشاهد فى النهاية من التفاعل التام مع البطل و كل ما يحدث حوله ، و مستوى التمثيل هنا كان كسابقه لكن بدأت أتآلف معه خصوصاً أن بريسون - فيما يبدو - لا يرتكن على التمثيل كثيراً ، الاختيار العشوائي الثالث كان Diary Of A Country Priest لكن هذه المرة لم أستطع أن أُكمل الفيلم ، شعرت أنى أشاهد نفس الفيلم مراراً و تكراراً ، نفس أسلوب السرد و نفس الإيقاع الهادئ و نفس مستوى التمثيل ، هنا يجب أن أعترف أنى تجاهلت - عن غير عمد ربما - جزء من نصيحة صديقي الحكيم الذى أخبرني أنه يجب أن أشاهد أفلام بريسون على فترات متباعدة ، مجدداً أقول أنه الآن بعد مشاهدة Au Hasard Balthazar تأكدت كم كانت تلك النصيحة حكيمة بالفعل .

يحكى علينا الفيلم قصة حياة "حمار" من بدايتها إلى نهايتها و معه نتابع حياة من حوله ، قد تبدو الأمور غير جديرة بالاهتمام أو قد تبدو مُفتعلة ، لكن مع بريسون كل شيء صادق و حقيقي و جميل ، أحد مشاكلي مع أفلام بريسون السابقة كانت التمثيل ، هنا تبدو الأمور واضحة تماماً ، البطل حمار فأي تمثيل تنتظره ؟! ، يقول بريسون أنه لا يُريد من المُمثل أن "يُمثل" هو يُريده فقط أن يقوم بالحركات و ينطق بالكلمات ، يُريد للأمور أن تكون أفقية - إن جاز التعبير - قدر الإمكان ، للدرجة أنه كان يُعيد تصوير بعض المشاهد كثيراً إذا أحس أن الممثل "يُمثل" ، حالة من التجريد قد تتنافى مع الصدق الذى ينشده من شخصياته ، بريسون قادر على ملء تلك الصفحات البيضاء بالمشاعر و الأحاسيس ، مفتاحه في ذلك هو "النُبل" الذى يقدم به الشخصيات ، الإخلاص في متابعة ما يحدث لهم ، فى أحد مشاهد الفيلم نرى "الحمار" رافضاً تناول ماء مُلوث يُقَدم له و في المشهد التالي نراه يشرب من ماء المطر الطاهر ، هنا يؤكد بريسون أن الحمار هو شخصية محورية في فيلمه ، و في نفس الوقت يؤكد أنه ليس حماراً خارقاً يتحدث و ينفعل ، لن تنتظر أنت نظرة ما في عينيه أو ضحكة أو شيء من هذا القبيل و مع ذلك يقترب بريسون بكاميرته من وجهه كثيراً ، هنا يتصدر الفعل صدارة المشهد ، الفعل نفسه مع بريسون يكتسب صفة آدمية لديها القدرة على إحداث تأثير و توليد إحساس لدى المُشاهد ، نفس الحال من الممكن تطبيقه مع الممثلين ، تمثيلهم الأفقي يملأه أفعال تلتقطها كاميرا بريسون بنُبل و إخلاص غير عادى ، هل أنت في حاجة إذن إلى تمثيل - بالمفهوم المُتعارف عليه - ؟ ،الشخصية في سينما بريسون لا تحتاج من مؤديها سوى الحركات و النطق بالكلام ، المُمثلون أنفسهم يتفهمون تلك النقطة ، يتركون في أصواتهم و وجوههم المساحات الكافية التي تملأها التفاصيل التي يضخها بريسون فتنساب مشاعرهم و دواخلهم أمامنا .

الجزئية الثانية التي أشعرتني عند مشاهدة
Diary Of A Country Priest أنى أُشاهد نفس الفيلم مراراً و تكراراً هي "الراوي" الذى يحكى كل شيء يحدث أمامنا ، صوت الراوي في أفلام بريسون ما هو إلا جسر تواصل مع ذاتية البطل و التوحد مع كل تفاصيل حياته و تجربته سواء كانت مريرة كالنشال في Pickpocket أو تجربة صعبة نحو الحرية في A Man Escaped ، من المُمكن أن نقول عن بريسون أنه أناني كونه لا يهتم - خصوصاً فى هذين الفيلمين - سوى ببطليه و بالطريقة التي يريا بها الأشياء ، هي أنانية نبيلة متفانية في إخلاصها تجاه التجربة التي ينقلها لنا و بمنظور أوسع و أشمل هي نظرة مخلصة تجاه الحياة نفسها كونها نتاج تراكم تجارب بشرية تُشكل شخصية البشر ، هنا يتخلى بريسون عن "الراوي" فهل لأن البطل حماراً ؟ ، الذى يؤكد لدى أن بريسون صاحب نظرة خاصة جداً تجاه السينما و الحياة هو مفهومه العميق جداً لما هو واضح أمامنا ، نحن هنا نُتابع حياة قرية بأكملها من خلال حياة "حمار" من مهدها إلى لحدها ، ينقل بريسون - صوتياً و بصرياً - تفاصيل تلك القرية ، الحمار موجود تقريباً في كل المشاهد ، يرى ما حوله ، قد يكون لا يعي و تلك الجزئية لا تهم ، بريسون جعلها لا تهم ، نسمع على شريط الصوت كثيراً زقزقة العصافير ، صوت جريان المياه ، أصوات الشخصيات بصخبها و عنفها و انكسارها ، حتى أن موسيقى تتر البداية تنقطع ليظهر على شريط الصوت صوت نهيق الحمار ، نفس الأمر بالنسبة إلى "ماري" - البطلة الآدمية في الفيلم - فماري شخصية هادئة مُنكسرة طوال الوقت مُستسلمة لظاهر الأشياء كثيراً ، تجربتها كبيرة و مؤلمة رغم سطحيتها الظاهرية و لكن بريسون يُصمت الشخصية من الخارج ، قد تسقط دمعة أو تنهيدة أسى لكنها انهيارها داخلي بالأساس - عكس بطلى الفيلمين السابق ذكرهما - لذلك أولاً يُشكل بريسون رابطاً حقيقياً و صادقاً بينها و بين الحمار كونهما دائماً ضحايا لأشخاص لا يُقدرون حقيقتهما ، و ثانياً لا يظهر صوت ماري إلا لنطق كلمات قليلة و موجزة و يتكفل بريسون بكاميرته و شاعريته بالباقي فينتقل إلينا كل ما هو يعتمل بداخلها و كأن مئات الكلمات تخرج و تصل إلينا ، لذلك مثلاً يأتي مشهد نهاية "ماري" و هي عارية مُنزوية إلى ركن الغرفة في لقطات قصيرة لا نرى فيها وجه ماري إطلاقاً لكن شكل اللقطات التي يرسمها بريسون تُلصق صورة ماري المُنهارة في ذهن المُشاهد ، كلمات ماري لا حاجة لنا بها الآن فقد عشنا تجربتها بالكامل و ها هي صورتها النهائية تحولت إلى لقطة أيقونية في تاريخ السينما ... الإحساس الذاتي الذى ينقله "صوت الراوي" يُترجمه بريسون بدون صوت الراوي ، ينفُذ بريسون إلى عُمق الأشياء و ربما تلك هي السمة التي تُميزه عن غيره و ربما أيضاً هي السمة التي قد تُضلل من يشاهدوا أفلام الرجل و يفقدوا بسبب عدم التقاط جوهرها التواصل مع أفلامه مثلما حدث معي .

بالنسبة للفيلم نفسه فهو عظيم بالتأكيد ، أحد أرق الأفلام التي شاهدتها في حياتي رغم المآسي التى يحتويها ، الحديث عن نسيج الفيلم نفسه و البناء الدرامي العظيم لشخصياته و مونتاجه الجميل و صورته الشاعرية الحزينة و الأجواء الدينية التي يُبقيها بريسون حاضرة في خلفية فيلمه سأتركها لمن يُشاهد الفيلم حتى يشعر بجمالها و صدقها ، كما ذكرت في البداية فالمقال هو عن تجربتي الشخصية إلى الآن مع سينما روبير بريسون لذلك قد تتغير نظرتي تلك بعد فترة بعد مُشاهدة باقي أفلام الرجل ، لكنى أردت تسجيل تلك اللحظة التي - أظن - أنى لامست فيها أحد مكامن جمال سينما روبير بريسون .