السبت، 20 يونيو، 2015

Freaks

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : والاس فورد ، ليلى هيامز
إخراج : تود براونينغ (1932)

"لقد طلبت شيئاً مُروِّع، وحصلت عليه." – مدير الانتاج لدى شركة (مترو جولدوين ماير)

بعد أن أنجز فيلمه واسع الصدى Dracula ، صار بإمكان تود براوننج صنع أي شيء يريده، أي رجل – في الغالب – لا يمكنه التغلب على فترة الصبا والشباب البكر، لذا تذكر براوننج كيف ترك أسرته ميسورة الحال في عمر السادسة عشر ليلتحق بالسيرك، بالطبع كانت هناك فتاة، دائماً هناك فتاة.

الرجل لم يستطع نسيان زملائه في السيرك، فصنع فيلماً عن قليلي الحظ هؤلاء الذين يعانون من التشوه الجسدي، لكن اللافت للنظر أن براوننج لم يقم بتسجيل عرض واحد قط لأحدهم، على الشاشة لا نرى سوى جزء من حياتهم الطبيعية، لا نرى فقراتهم، إنما نرى كيف يعيشون حياتهم، بالطبع ليس بالتفصيل، لكن بالقدر الكافي ليجعلنا نتعاطف ونتفهم، بالقدر الكافي لنجد أنهم مثل باقي البشر لهم حاجاتهم ورغباتهم، يسعون إلى السعادة والحب والعيش بكرامة.

هناك فقرة وحيدة تم عرضها، لكنها لم تكن لأحد قليلي الحظ هؤلاء، إنما للمرأة الطبيعية التي لم تعد كذلك، المرأة الطبيعية والرجل الطبيعي داخل الفيلم تم جعلهم مسوخ مثل البقية، براوننج قدم هؤلاء "العاديين" قساة قادرين على الإيذاء والعنف، الأمر الذي يجعل مُشاهِده يتسائل من هو المسخ الحقيقي، "المسوخ" كذلك كانوا قادرين على نفس العنف، لكن ليس بداعي الجشع، إنما بداعي الدفاع عن النفس، فعزلتهم ورفض العالم لهم، جعلهم يتمسكون أكثر ببعضهم البعض، مما يجعل إيذاء الواحد منهم بمثابة إيذاء للجميع.

لم يظلم المخرج عالم العاديين في شيء، فاستقبال الفيلم كان خير دليل على ما برهنه داخل فيلمه، الجميع رفض الفيلم، إحدى السيدات هددت بالمقاضاة بعد أن تسبب الفيلم بإجهاضها! تم منع الفيلم من العرض، إلى حد كبير تم تدمير سمعة المخرج ومستقبله، شركة (مترو) رفضت التعامل معه بعدها، بل رفضت حتى أن يتم الربط بين اسمها واسم المخرج. براوننج الذي كان يقارن كثيراً بالرائد السينمائي جريفيث لم يتم الغفران له، بينما تم غفران عنصرية الأخير الذي كان يحمل ذنب حقيقي.

على أي حال يمكن تفهم الأمر، العالم الطبيعي يرفض رؤية حياة هؤلاء، لكنه لا يجد نفس الغضاضة عندما يرى فقرتهم داخل السيرك، الجمهور يحتاج إلى مشاهدتهم من بعيد، غرباء داخل عالم غريب.

الفيلم الآن أصبح كلاسيكية مهمة، مما يؤكد أن ما لا ينفع لزمن يمكنه أن يُبْهِر لآخر، أصبح فيلم لا مفر منه للمهتمين بالسينما، عندما تمت مقارنته بأقرانه وقت إنجازه كانت المقارنة ظالمة وغير معتادة، فلم يكن هذا الفن الحديث قد قدم بعد الكم المطلوب من التجارب الغير معتادة، لكن الآن لدينا مئات الأفلام الغريبة المتنوعة – ربما كثير منها يدين لفيلم براوننج بالفضل –، من السهل الآن تقبل مسوخ براوننج ، على الرغم من هذا يبقى الفيلم مستقلاً بذاته، في مكان ومكانة خاصة، كفيلم وحيد في نوع خاص به، فيلم لا يحدث كل يوم، في رأيي لا يمكن أن يحدث مجدداً، فبناء الفيلم وقصته قد لا تبدو مخيفة فعلاً، لكن المخيف والمروع حقاً اليقين بأن كل ما تراه صادق وحقيقي، لا خدع، لا مؤثرات، المخيف حقاً أن هؤلاء بشر عليهم أن يحيوا بتلك التشوهات وقلة الحظ، وسط عالم يصر على أن يجعلهم تسليته، بالطريقة التي يفضلها.

بدأ الفيلم بالتشويق، ثم كان الفيلم كله بمثابة فلاش باك لما حدث، وفي النهاية يختتم بتتمة البداية، قسَّم براوننج فيلمه إلى فصول، لجأ إلى ختام مسرحي للفصول بالتدرج نحو السواد، لم يتحرر المخرج بعد من ميراث الفيلم الصامت، ربما هذا أمر جيد، فالدمج بين الأنواع والطرق أمر يظل محبباً، ربما لم يكن الأمر اختيارياً نظراً لحداثة العهد بالفيلم الناطق، تلك المراحل الحرجة قد ينتج منها تحف لا تتكرر، مثلما حدث بعد اكتشاف الصوت، اكتشاف الألوان، اكتشاف (جودار).

الأمر الصامت الآخر في الفيلم كان البناء البطيء للأحداث، من جديد تبدو كنقطة قوة أخرى، حيث أن التمهل أثناء تقديم الشخصيات الفرعية – وحتى الهامشية – أعطت للفيلم أصالته، هناك مشهد لأحدهم لا يملك يدين أو قدمين ويقوم بإشعال لفافة تبغ، مشهد قد لا يخدم النص، لكنه – مع غيره – بالتأكيد قد خدم الفيلم.

براوننج حاول قدر استطاعته بأن يجعلهم طبيعيين، مَشاهد تقول بأن هؤلاء بشر يسعون نحو نفس الغايات، لكن وسائلهم أقل، هناك علاقة حب لطيفة للغاية بين اثنين من الأقزام (خارج الفيلم كانوا أشقاء)، لا يتذمر "المسوخ" سوى من تعدى الطبيعيين عليهم، على الرغم من البناء البطيء للفيلم، لكن السريع حقاً كان تحولهم من غرباء لطفاء إلى كائنات مخيفة، اختار الفيلم أن يصبحوا مثل الحيوانات المفترسة، كأن الرغبة في الإيذاء تكون حيوانية بالأساس، ولأنهم على قدر كبير من البراءة لم ينجحوا في إخفاء تلك الرغبة الحيوانية داخل مظهر إنساني مثلما فعل بامتياز هؤلاء الطبيعيين.

الفيلم الأصلي – كما أراده مخرجه – لم يعد له وجود، الأستوديو قام بحذف ما يقترب من النصف ساعة، للأسف لا يمكن استرداد ما تم قطعه لأن العُرف وقتها يقتضى بأن يتم حرق المشاهد المحذوفة، الشيء الأكيد أن تلك المشاهد المحذوفة كانت سترفع من قيمة الفيلم، لأن عنصر الضعف الأكبر لدى الفيلم كان في النهاية، تلك النهاية لم تكن هي نهاية الفيلم الحقيقية، الأمر الذي جعلني أشعر براحة كبيرة لمعرفته، حيث أن النهاية مبتذلة إلى حد كبير، بينما النهاية التي لن نراها قط كانت عنيفة ودموية، ربما عادلة كذلك.