الأربعاء، 10 يونيو، 2015

Earth

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : ستيبان شكورات ، سيميون زفاشنكو
إخراج : أليكساندر دوفجنكو (1930)

"إن كان لابد من الاختيار بين الحقيقة والجمال، لاخترت الجمال، هناك وجود أكبر وأعمق داخله أكثر من الحقيقة المجردة، الوجود ينحصر فقط في كل ما هو جميل." – دوفجنكو

الأفلام الصامتة لجأت إلى الحركة حتى تقص حكايتها، هذا الفيلم استخدم السكون، لقطات ثابتة وتمهل عزز من رصيد دوفجنكو الشعري، فكان الفيلم خير ختام لملحمته الشعرية التي سميت بثلاثية (أوكرانيا) ، لا عجب أن تاركوفيسكي كان شديد الإعجاب بهذا الفيلم، فليس بمستغرب أن يعجب ناحت بناحت.

الإرث الكبير الذي تركه دوفجنكو يمكن ملاحظته في أفلام بلاده اللاحقة (قبل انقسام الاتحاد السوفيتي طبعاً)، وإن كان من الصعب الجزم إن كان إرث دوفجنكو تمكن من أن يصبح مغروساً في وجدان المخرجين الآتين من بعده، أم أنهم جميعاً يملكون نفس الذكريات.

لحظات السكون التي لا يكسرها سوى مداعبة الريح للحقول، سنجدها في مرآة تاركوفيسكي ، التفاح ورمزيته سنجده في طفولة (إيفان)، المطر الذي يغسل الثمار سنجده في حكاية حكايا (نورشتين)، الجميل أن هؤلاء الشرقيين نظروا إلى التفاح كمرادف للبراءة الأولى، قبل أن يَفسد كل شيء، أحياناً كان التفاح مرادفاً للجنة، بينما أولاد العم في الغرب كان التفاح لديهم مرداف للمعرفة، للخطيئة، للسقوط من الجنة.

الفيلم يبدأ بطيبة شديدة، يمزج الطيبة بنزعة مازحة ظريفة، الجد يموت، تلك ذكرى جماعية آخرى، الجد لم يمت قبل أن يأكل ثمرة من ثمار الأرض، الأرض التي سيصبح جزء منها لاحقاً، هذا ما أغضب ستالين إذاً، في ذلك الوقت كانت روسيا تقوم بسياستها في تجميع أراضي الفلاحين، رغم أن الفيلم كان مع القضية – كيف لا يكون! –، كان الفيلم شيوعي، لكنه لم يكن ستاليني كفاية، الديكتاتور كان ذكياً لملاحظته أن ارتباط الفلاح داخل الفيلم مع الأرض أعمق بكثير من ارتباط الفلاح مع الاتحاد السوفييتي، وهذا شيء لا يمكن غفرانه فالرجل – رغم كل شيء – تعلم الدرس اللينيني بأن "السينما أهم الفنون بالنسبة لنا."

دوفجنكو الخبيث لم يخبرنا كثيراً عن الوطن مثلما جعلنا نشعر بأنه لو تركنا الفلاح وأرضه في سلام لربما كان هذا الأفضل للجميع، جعلنا نشعر بأننا نرغب في أن نجاورهم، نعيش حياتهم السعيدة، نترك الحديث عن وطن مبهم، ربما هذا السلام والطمأنينة أفضل لهذا الوطن. التاريخ يقول أن نسبة كبيرة من الفلاحين تركوا الزراعة لتدهور الأحوال، واتجهوا إلى الصناعة، الملايين ماتوا أثناء المجاعة.

يبدأ الفيلم وينتهي بجنازة والكثير من التفاح، هناك أربعة أجيال داخل العائلة، يموت في البداية الجيل الأول (الجد)، وفي النهاية الجيل الثالث (الابن)، بينما يبقى الجيل الثاني (الأب)، والجيل الرابع (الرضيع)، يمكننا أن نجد الرمزية في حياتهم ووفاتهم، لا ترتيب عابث أو غير مدروس في الفيلم، من مات كان بمثابة موت الحياة القديمة كالجد، وموت الشهداء كالابن، بينما من عاش كان بمثابة تصحيح المسار كالأب، أو مستقبل كرضيع يلهو ويضحك عند وفاة الجد، مستقبل لم يعقل بعد، لم يدرك بعد أي مصير ينتظره.

دوفجنكو ربط الحياة والموت بالأرض، فكان في صوره يعرض الإنسان كجزء من عالم الأرض، وليس سيداً لهذا العالم. يبدأ الفيلم وينتهي كذلك بصورة مميزة للشباب المقترن بزهرة عباد الشمس، في الصورة الأولى تكون فتاة حسناء (زوجة المخرج)، وفي الصورة اللاحقة تكون مع جثة الابن، الشمس ترتبط بالشباب، هم من يعملون تحتها، هذا تم اثباته في الصورة الأولى، بينما في الصورة الثانية (مشهد الجنازة) كان بمثابة تحية وتقدير من الشمس للشباب، هو مشهد مهيب حقاً.

يمكن اعتبار الابن بمثابة شهيد للشيوعية، كما يمكن اعتباره قربان يقدم إلى الأرض، تلك اللحظة الحرجة من الفيلم يتوازى فيها الحدث مع فقدان الإيمان لدى جيل الأب، ثم كانت الحبيبة التي جن جنونها ومزقت ثيابها، ربما لم تكن ردة إلى الوثنية رغم أن الصور قد تبدو متشابهة، ربما هي ردة إلى الوعي، إلى الاحساس بالذات، الوثن الأكبر هنا كان الأرض، بالتأكيد السلطة كانت تفضل أن يكون الوثن هو الوطنية، لكن دوفجنكو فضَّل أن يتمحور فيلمه بالكامل عن الأرض، حيث كل شيء يبدأ وينتهي.

المَشاهد تباينت بين مشاهد سريعة بغرض الإثارة والتحفيز، وأخرى متمهلة بغرض الغرس والحفر داخل ذهن المُشاهِد، الكاميرا تحركت بالكاد حتى لا تشتت عملية الحفر تلك، الزوايا كانت بطولية عندما استعرضت عصر الزراعة القديم الذي يشرف على نهايته، الفلاح وماشيته يبدون كأنهم تماثيل آلهة، هناك حس سريالي يجعل الفيلم أشبه بالحلم، كل هذا عزز من روحانية الفيلم، روح طافية داخل كل كادر جميل تم رسمه بعناية، وهذا حسابياً يعني كل كادر في الفيلم.

الفيلم لم ينكر الإيمان، ولم يعززه، يتركه للناس كيفما شاءوا، ربط بين الأمهات والإيمان، يُدين رجال الدين أصحاب الشعارات العقيمة والخبرات الضحلة، يُدين المُستغِلين من كبار مُلاك الأراضي الرافضين لسياسات الدولة، على غرار أفلام الكوارث الأمريكية، التي تُضمِّن حاجة البشر الدائمة إلى مسئولين أكفاء حتى يقوموا بحماية البشر الأوغاد من أنفسهم، يلمح (الأرض) إلى حاجة الفلاحين للدولة، لكنه – كما قلنا – يُضمِّن بخبث أن الفلاح أسعد حالاً بدون الدولة وآلات الدولة، فالدولة هي من تسببت بالمشكلة، وهي من سيكون عليها الحل.

لتلك الأسباب كان الاستقبال الرسمي سيء بالنسبة للفيلم، استقبال كاد أن يصيب دوفجنكو بالانهيار العصبي، الرجل الذي برهن على أن الشيوعية كذلك لها قديسين، ستمر السنين ولن تتغير عقلية الدولة، حتى أنهم سيقومون بمحاربة أحد أجمال أفلام السينما Andrie Rublev ومنعه من حصد جوائز كان يستحقها، كريس ماركر سيخصص فيلمه The Last Bolshevik للمخرج (ميدفيدكن) الذي – على الرغم من كونه بلشفي مخلص – لم يسلم من تعنت الرقباء، لأنهم بالتأكيد رأوا في أفلامه ما لم يره هو.

تنوعت أساليب القطع، قطع سريع أثناء مَشاهد كمشهد يعرض تطور العملية الزراعية، في مقابل مَشاهد طويلة يندر بها القطع كمشهد الأب المكلوم الذي يعيد التفكير في كل شيء بعد أن قُتل ابنه، القطع مع التقريب شيء فشيء حتى تتغير الرؤية ويفكر المُشاهد في نفس الأمر، القطع المتوازي قبل النهاية ليقص قصص مختلفة يربطها نفس الحدث، يطول الحديث عن المونتاج الروسي والنظرية، لكننا نعرف أن لا يوجد شيء حلو ما لم توجد النار/العرق، سنُفضِّل تلك المرة أن نبتعد عن النار والعرق، ونستمتع بالشيء الحلو.