الثلاثاء، 16 يونيو، 2015

City of God

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : أليكساندر رودريغز ، ماتيوس ناكترغيل ، لياندرو فيرمينو
إخراج : فيرناندو ميريلليس (2003)

قبل انضمام "ناد القوي" رسمياً لعالم العصابات يسأل باستغراب و غضب أحد أفراد عصابة "ليل زي" - هذا الفرد ماهو إلا طفل بالكاد تخطى عقد من الزمن - : ألا ترى أنك تُدمر حياتك مع ذلك المهووس و مجموعة المولعين بالقتال أولئك ؟ ، و يُكمل : أنت مجرد طفل ! .. تلقائياً و بثقة يرد الطفل عليه : طفل ؟! أنا أدخن و أشمّ المنوعات ، قتلت و سرقت ؛ أنا رجل !

المصير هنا هو دائرة مُغلقة بإحكام ، ما أن بدأت فيها فستكملها للنهاية ، وُلدت ، أصبحت طفلاً ، أمسكت مسدساً ، قتلت ، أصبحت رجلاً ، قتلت و سرقت و شربت ثم قُتلت ، الحياة و الموت في مدينة الرب هما وجهان لعملة واحدة ، وجهان متطابقان للدرجة التي لا تستطيع معها تمييز أياً منهما ، "ناد القوي" أراد فقط أن يأخذ بثأره و يقتل من قتل أخيه و خاله و أهانه أمام حبيبته ، إنضمامه إلى عصابة "كاروت" - عدو "ليل زي" الأول - كان وسيلة فقط ليأخذ بذلك الثأر و يُشرط انضمامه بعدم قتل الأبرياء ، ينتقل بنا الفيلم بعد ذلك مباشرة إلى تتابع مونتاجي عظيم نرى فيه تحول شخصية "ناد" من شخص مُسالم إلى سارق إلى قاتل إلى زعيم مجموعة من المجرمين ، لا يُفرق في ذلك بين البريء و بين العدو ، يُقتَل "ناد" فى نهاية الفيلم على يد طفل صغير انضم لعصابته سَلفاً ، "ناد" اعترض على انضمام ذلك الطفل إشفاقاً عليه من المصير الذى سيؤول إليه ، نعرف بعد ذلك - في فلاش باك خاطف سريع - أن الطفل انضم للعصابة بدافع شخصي بحت و هو الثأر لأبيه الذى قتله "ناد" في أحد عمليات السرقة التي كان يقوم بها ، و لكن مع الوقت تحول ذلك الطفل إلى "رجل" يسرق و يقتل و يشرب و يشمّ الممنوعات و طبعاً يأخذ بثأره في النهاية ثم يُقتَل .

إيقاع الفيلم المجنون كان تعبير عن إيقاع الحياة المجنون في مدينة الرب ، حيث لا مجال للبشر أن يتحركوا خارج إطار مرسوم لهم سَلفاً ، و العصابات تتكون جميعها من أطفال و مراهقين لم يتخطوا العشرين من عمرهم ، وُلدوا كي يموتوا ، و الموت موجود في كل وقت و في كل مكان ، و حتى أولئك اللذين يريدون أن يُحلقوا خارج ذلك الإطار فمصيرهم إما الموت أيضاً أو العيش كدجاجة تجرى من ذابحيها .

تتحرك الشخصيات بعشوائية مقصودة تُشكل بحركتها تلك ملامح عوالم سفلية تزداد توحشاً ، بعد المشهد الافتتاحي العظيم يأخذنا الفيلم في فلاش باك طويل ليحكي الحكاية من البداية ، البداية كانت بسيطة لم تكن قاتمة كما آلت إليه في النهاية ، مجموعة من السرقات البسيطة ، هروب من الشرطة ، سرقة أكبر ، هروب من الشرطة ، واشى في المنطقة ، الشرطة تبحث ، و من سرقوا يتساقطون واحداً تلو الآخر ، ثم استراحة يأخذنا فيها الراوي لسرد حكايته ، ثم فلاش باك آخر لنعرف ما  حدث في مدينة الرب خلال تلك الاستراحة ، نرجع هنا إلى الإيقاع المجنون ، تتابعات مونتاجية عظيمة توضح لنا السرعة الصاروخية التي تتحرك بها حياة الشخصيات ، يوازن الفيلم - بذكاء شديد - بين رسم الدائرة المغلقة التي تحكم أشخاصها و بين رسم أشخاصها ، الموضوع من الممكن أن يتحول في النهاية إلى مبالغات درامية و نسيج درامي و بصرى مترهل ، لكن الفيلم لا يقع في ذلك الفخ .

هناك إحساس توثيقي يتعمد الفيلم إظهاره ، يُعزز من ذلك الإحساس إعتماد المخرج على ممثلين غير محترفين بل إن بعضهم كانوا أعضاء سابقين في عصابات مدينة الرب ، و أيضاً الإيقاع السريع و الكاميرا المحمولة ، و لعل مشهد إجبار "ليل زي" أحد أفراد عصابته على قتل أحد طفلين صغيرين هو مثال واضح على ذلك ، اللقطات السريعة القصيرة التي تسرقها الكاميرا المهزوزة للأطفال و هم يبكون ، ألوان المشهد و إضاءته الطبيعية ، أشكال الممثلين و طريقة كلامهم ، لكن المخرج يضع ذلك الحس التوثيقي داخل أطر بصرية صادقة و مخلصة لطبيعة الفيلم نفسه و طبيعة الحياة فى مدينة الرب ، تلتقط الصورة الإيقاع السريع المجنون الذى تسير به الحياة في مدينة الرب ، و تلتقط تفاصيل الشخصيات بشرها و طيبتها و دمويتها و عنفها ، و شخصية الراوي في النهاية تلتقط بكاميرتها تتابعات نهاية الملحمة التي شهدتها مدينة الرب .

"لماذا العودة إلى مدينة الرب حيث يغفل الرب عن أمرك ؟"