السبت، 16 مايو، 2015

Into the Wild

كتب : محمود عياد

التقييم :5/5

بطولة : إيميل هيرش ، كريستن ستيوارت ، هال هولبروك
إخراج : شون بن (2007)

"الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حر هي أن تصبح حراً تماماً مما يجعل مجرد وجودك نفسه فعل تمرد" .. ألبير كامو .

ربما كان شغفي بالسينما في المقام الأول و ارتباطي بها وثيق الصلة بتلك النوعية من الأفلام التي تأسرك منذ بداية البداية  ، تتماهي معها و تفقد السيطرة علي نفسك و تشعر بأنك جزء من الحكاية .. بل أنك انت البطل في الحكاية .. و لطالما كان مفهومي عن الفيلم العظيم خارج عن كل الأطر و الأعراف التقييمية ، يتصل دائما بجانب انطباعي شديد التطرف لا يرتبط بأي قواعد ، يسيطر علي كل جوارحي كليا بلا أي فرصة للفكاك .

هذا الفيلم هو التطبيق الحرفي لما قلت ، من أجل مثل هذه الأفلام تقع في حب السينما من النظرة الأولي ، يصيبك داء لا علاج له يسمي الشغف ، تلك الأعمال التي تجمع بين بساطة الحكاية و وضوح الفكرة و القدرة علي الإمتاع الذهني و البصري في آن واحد ،  تلك الأعمال التي تجمع حولها محبي السينما علي اختلاف مشاربهم و تنوع أذواقهم ، يجتمعون بلا استثناء علي فكرة واحدة لا يمكن الاختلاف حولها ...  من أجل هذا خلقت السينما .

إلي البرية ... التجربة الإخراجية الرابعة و الأكثر نضجا للممثل الشهير شون بين ، مقتبس من كتاب لجون كركاور عن قصة حقيقية لشاب يدعي أليكساندرمكاندليس ، هجر أسرته و تبرع بأموال دراسته الجامعية ، باع حياته السابقة بالكلية و انطلق في رحلة غير معلومة الهدف و لا الغاية ، لا نهاية زمنية محددة لها ، رحلة بين الجبال و الوديان و البراري بحثا عن السعادة المفقودة عن الحكمة  عن فهم أكثر عمقا و إدراكا للحياة  ، تيمة أفلام الطريق ربما تكون المفضلة بالنسبة لي ،  لدي اعتقاد جازم أنها تيمة جاذبة للجميع ، لا يمكن ان تجد شخصا لم يقع في حب هذه النوعية من الأفلام التي دائما ما تمثل السهل الممتنع ، تتوحد مع أبطالها و تتمني- متوهما- لو كنت أنت البطل ، يتحول ذلك تلقائيا إلي شعور لا رجعة فيه بالانبهار ،  بناء شخصية أليكس يرتبط بالأساس بالظروف التي نشأ فيها ،  أسرة مفككة تماما ، أب و أم دائمي الخلاف علي مشارف الطلاق دائما ، لم يرتبط بهما يوما و لم يحمل داخله أي مشاعر نحوهما ، نما بداخله اعتقاد أنه لا ينتمي إليهما و لا إلي العالم الذي يعيشون فيه ، لديه شعور دائم بالغربة و الرغبة في الرحيل ، يعتبر اللحظة التي قرر فيها أن يقوم برحلته هي لحظة ميلاده الحقيقية ،  طبيعة شخصية أليكس تختلف تماما عن طبيعة الشخصيات الرئيسية في تجارب شون بين السابقة كمخرج ، في أفلامه ال 3 الأولي لدينا شخصيات معتلة اجتماعيا ، تحمل قدرا كبيرا من التعقيد  .. جندي عائد من حرب فيتنام محمل بالأهوال التي رآها .. أب مكلوم علي ابنته المقتولة يسعي للانتقام .. محقق شرطة - يحاول حل قضيته الأخيرة قبل التقاعد -  قضي معظم حياته بلا حياة حقيقية غارقا في فك ألغاز الجرائم  .. لدينا هنا شخصية منفتحة علي الحياة تماما لا غموض يحيط بها ،  دوافعها واضحة  ، كل انفعالاتها مبررة و مباشرة ، لا تحمل بداخلها أي قدر من التعقيد يكره المال و السلطة و سيطرتهما الواضحة علي مقدرات البشر و أسلوب حياتهم ، لديه فكرة بسيطة أراد أن يثبتها - لنفسه أولا - ، أنه يمكنه أن يعيش حياة أكثر سعادة من الحياة التي فرضت عليه بلا أي شيء لا مال و لا وظيفة و لا مساعدة من أي إنسان .. فقط هو و الطبيعة و تفاعلهما معاً .
 عندما شاهدت الفيلم للمرة الأولي تولد لدي شعورٌما أن هذه الحكاية لا يجب أن تحكى بل من الأفضل أن تشاهد ،    الحكاية نفسها تبدو للوهلة الأولي في غاية البساطة ، شاب قرر في لحظة ما أن يبيع حياته السابقة بالكامل و ينطلق في رحلة غير معلومة الهدف ، الأمر يبدو واضحاً تماماً ، الا انه في العمق يظهر النص قدرا معتبرا من التعقيد .

بناء شخصية أليكس يتطور في النص علي عدة طبقات،في البداية هو شاب طموح ناقم علي حياته يفتقد إلي الدفء الأسري علاقته مع أبويه فاترة ، ينطلق في رحلة إلي البرية يلتقي فيها العديد من البشر يؤثر فيهم تماما و يترك انطباعا لا ينسي و يتعلم منهم كل شيء و ينتهي الأمر نهاية مأساوية – ميلودرامية قليلا - ،  بداية الرحلة تمثل بداية حياته  الجديدة  ، نقطة الانطلاق هي لحظة الولادة ، يعزز ذلك تماما تقسيم النص إلي عدة فصول تمثل مراحل الحياة - الحقيقية - لأليكس من الولادة الي النهاية ،  يصل ذلك إلي الذروة في مشهد عودته للمرة الأولي منذ بداية الرحلة لحياة المدينة في زيارته للمكسيك ، يظهر أليكس هائما في الطرقات ينظر في وجوه البشر و كأنما يري كائنات غريبة لم يعهدها سابقا ، في لحظة ما يتوقف أمام نافذة زجاجية تطل علي حانة حيث شاب يرتدي بزة رسمية يقف مع فتاة و يضحك بينما يتناول كأسا من الخمر ، يتأمل أليكس في وجهه بعمق بينما يتخيل أنه هو هذا الشاب يعيش تلك الحياة البائسة المرتبطة بثنائية المال و النجاح ، في تلك اللحظة انتهت عملية التغير الجذري في طباع أليكس و شخصيته ،أضحى مقتنعاً تماماً انه اصبح غريباً عن هذه العالم و لا ينتمي إليه بأي حال .

أداء ايميل هيرش لا يمكن وصفه بالعظمة بقدر ما يتصف بالصدق ، قدم اداءاً حقيقيا للغاية ، يمكن بسهولة ملاحظة تشبعه التام بشخصية أليكس ،أصبح هو أليكساندر الرحالة الخارق ، ربما المشاهد التي جمعته بهال هالبروك من أعذب و اصدق ما قدم علي الشاشة ،علي الجانب الآخر هالبروك يقدم هنا أداءاً استثنائيا – رغم قلة مشاهده – نال عنه ترشيحا مستحقا تماما لجائزة اوسكار أفضل ممثل مساعد .

يغلف كل شيء إطار موسيقي غاية في الروعة ، تشعر دائما أنه جزء من الحدث نفسه ، يروي الحكاية بطريقة ما كما ترويها أخت أليكس ، و إطار بصري فيه مبالغة في اظهار جماليات الصورة ، تكثيف شديد للمشاهد الطبيعية ، ولّد لدي شعورا ما بأن شون بين يستعرض عضلاته و يحاول ابراز كل إمكاناته كمخرج ، خرج هذا كله في محاولة مستمرة للإبهار البصري طغت علي كل مشاهد الفيلم ، ربما سبب لي هذا تشتتاً من نوع ما ، التركيز هنا لابد أن يكون علي الرحلة نفسها  ، علي تفاعلات البشر مع البطل في رحلته الباحثة - مجازا - عن معني الحياة ،  في اعتقادي أن الإبهار البصري المبالغ فيه هنا لم يكن مطلوبا ، علي الجانب الآخر يبرز الفيلم كإنجاز مونتاجي فخم ، يتجلي هذا بشكل أكثر وضوحا في  مشهد في تتابعات النهاية يُستخدم فيه  توليفا طوليا للقطات ، يتقاطع فيه وجه أليكس الشاحب مع حركات السحب في السماء بشكل متتالي بالتزامن مع دقات الطبول المتسارعة ، يحاول شون بين هنا الجمع بين روعة تشكيلات الميزانسين و بين استخدام المونتاج بكثافة ليحقق التوازن المطلوب ، ربما مبالغته في تجميل الأمر حادت بالمنتج النهائي عن ملامسة الكمال .

هذا الفيلم يمثلني ، هذه حياتي التي حلمت بها بما يوما  تتوالي أمامي في شريط سينمائي مدته ساعتين و نصف ،هذه أقصي أحلامي تطرفا و أكثرها رغبة أراها مجسدة أمام عيني ، أنا أليكساندرماكندليس و هذه الحياة التي أتمناها ، أن أحيا بلا قلق بلا ترقب للمستقبل و خوف مما قد يحمله بلا بحث لا يتوقف – يتآكلني شخصياً – عن المال بلا هدف بلا قيود ، مسافرا بلا وجهة ، راحلا بلا غاية ، هائماً .. في البريّة .