الثلاثاء، 12 مايو، 2015

Satantango

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : ميهالي فيغ ، بوتي هورفاث ، لازلو فيلاغوسي
إخراج : بيلا تار (1994)

التحديق في شاشة لمدة سبع ساعات لمشاهدة فلم ابيض واسود , ليس بالأمر المغري , اشعر بالإرهاق لمجرد التفكير بالقيام بذلك , وكان ارهاقي دوما يغلب حماستي لمشاهدة اي شيء للمخرج المجري بيلا تار , لكنني ألتزمت بمشاهدته , التزمت بها بشكل متواصل , بعد ان اختبرت قدرتي على مشاهدة الافلام ذات المدة الطويلة فيما سبق كـ The Best of Youth و Once Upon a Time in America و Fanny and Alexander وكانت مشاهدته بهذا الشكل واحدة من اجمل التجارب السينمائية التي خضتها منذ ان بدأت بمشاهدتها .

بالإقرار ان هذا الفلم ليس كأي فلم آخر , فمن السخف انتقاد مدته الطويلة او اسلوب مخرجه او حتى الكتابة عنه بالطريقة التقليدية , باعتبار انه فلم "متطلب" , يتطلب من مُشاهده ان يمتلك القدرة على القراءة البصرية لأفكاره , يتطلب تأجيلاً ريثما يمتلك المُشاهد مخزونا بصريا واطلاعا واسعا على مختلف المدارس والرؤى السينمائية , بمئات الافلام كتقدير مقبول , متطلب لانه برأيي يجب مشاهدته بعد مشاهدة كل انتاجات بيلا تار التي لحقته بما فيها الافلام القصيرة , وهذا ما فعلته , ليكون هذا الفلم تتويجا لاستيعابي لخصوصية هذا الفلم وللمسي مقدار القيمة السينمائية والفكرية التي يقدمها والتي بدت لي تمثل خبرة ليست بالقليلة قدمها بيلا تار "لمعجبيه"

الفلم يملك ميزة لا يملكها سواه , وهي ان مشاهدة ساعاته السبع بشكل شبه متواصل ستصنع انخراطا وانسجاما ساحرا مع عالم بيلا تار , وخصوصا مع النسق التصاعدي للأحداث فمع كل ساعة تزداد تورطا في هذا الفلم وتصبح الدقيقة السينمائية أقصر من نظيرتها الزمنية , فضلا عن ذكاء المخرج في تكريس اسلوبه ليتحول مع كثافة الانسجام لشيء سهل التأقلم , شيء معتاد لا يفقد سحره او جودته السينمائية البحتة . وخصوصا مع السينماتوغرافيا المذهلة هنا والتي جمعت فيها مكامن الجمال في كل الافلام التي قدمها بيلا تار في ما بعد الالفية , هو يعرف ما الذي يجعل المشهد ساحرا من الناحية البصرية , باستخدامه لنوعية من الديكورات والازياء لشخصياته في جو بارد تستطيع ان تشعر به ينخر عظامهم , استخدامه لألبسة الصوف السميك ذو الدرزة الكبيرة والاثاث الخشبي ذو التعرجات الواضحة والجدران الطينية المهترأة والارضية التي غطتها مستنقعات الامطار , والحانات الرخيصة وكؤوس البراندي والفودكا الصغيرة .

يستعمل تار ثيمة كان قد استخدمها بشكل مختلف في تحفته Werckmeister Harmonies , وهي الاسلوب المتبع في جذب الرأي العام , الطريقة التي يمكن التأثير فيها عليه في مجتمعات تكاد تتوسل الانهيار , في الحاجة لقيادة تستلم تقاليد الامور , وكيف تظهر مكونات هذه القيادة , خبثها ونرجسيتها وكذبها وقدرتها على فتن الناس بها في ظل نظام مهترئ يقوده خارج عن النظام او القانون .

ايضا الثيمة التي يحبها بيلا تار وهي الانتظار , انتظار شيء مجهول يحمل معه ساعات الترقب والتوتر , الانتظار الذي يمارس ضغطاً من النوع المتفجر والروتيني على شخصياته التي تقوم بامتصاصه داخليا , ويبدو لي ان ختام مسيرته كانت بتكريس هذه الثيمة , فقد انهى تار فلمه The Turin Horse بانتظار الموت , النهاية الاكثر جمالا وتشاؤما لمسيرة تار العظيمة والخاصة , لحالة سينمائية خاصة جدا تؤكد قدرة السينما على التنوع كي لا تتحول للون واحد , قدرة هذا المخرج على عدم المساومة في طرح افكاره و بالأسلوب الذي يفضله , يؤكد تحدي تار لكثير من قوانين المُشاهدة التقليدية والمتعة السينمائية التقليدية والصورة السينمائية التقليدية والمعالجة التقليدية لأفكار بهذا الحجم حيث يعكس دوما تار فكرة مجتمع ذو قواعد واسس معنية على واقع قرية او مدينة لا حدث اساسي فيها سوى ما تحتويه من حياة وشكل هذه الحياة , لتتضمن الكثير من الاحداث الفرعية لحدث رئيسي واحد , وهو المكان , سينما تار سينما شخصية المكان , والنظام السياسي الذي خُلق فيها , مطرزا بالكثير من المشاهد التي تكثف وتعزز حضور هذا المكان ، مشاهد تحمل من الجمال والكآبة ما يجسد من خلالها هذه الشخصية المكانية . مشاهد مريبة ومهيبة , تصبح فيها الكاميرا اشبه بعين سماوية تلتقط حالة التشاؤم والكآبة واليأس الذي تعيشه شخصياته , تلتقط ما صنعوه بأيديهم , وما هدموه .

سأقول بالتأكيد كما قال أحد النقاد بعد عرض الفلم الاولي في مهرجان برلين لعام 94 ، "إن اردتم اعادة عرض الفلم فأنا على استعداد لإعادة المشاهدة".

للأرشفة : 11\12\2013 .. تاريخ مشاهدة تحفة بيلا تار " تانغو الشيطان".