الاثنين، 25 مايو، 2015

الحرام

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : فاتن حمامة ، زكي رستم ، عبد الله غيث
إخراج : هنري بركات (1965)

"فالإنسان وهو مرعوب قد يقف عقله ويرهب بجسده، أو قد يحدث العكس، فيتسمر بجسمه في مكانه ويهرب بعقله، والعقل في جريانه المفزوع لا يتقيد بأي معقول." الحرام يوسف إدريس

الفقير لا يصبح محل اهتمام سوى عندما يصبح موضع اتهام، تلك قاعدة تاريخية عريقة يعرفها الجميع، فالاتهام يبدأ من طبقات المجتمع السفلي حتى يصل إلى العليا، هذا طبعاً إن لم يتم توريط أحد بها خلال عملية البحث، الشيء اللافت للنظر أن المرأة داخل الطبقة الأقل تكون هي المتهم الأول، لذا يمكننا القول أن المرأة الفقيرة تكون أدنى درجة في سلم مجتمع مريض صوره الفيلم لمصر قبل ثورة يوليو، نعرف جميعاً كيف أصبح وضع المرأة الفقيرة الآن، بعد أن تغير طلاء السلم بالطبع!

النساء متهمات دائماً داخل الفيلم، فحتى عندما ظلت الاتهامات تتصاعد بين طبقات المجتمع المختلفة، وأصبح الجميع محل شك، كانت المرأة هي المسؤولة فقط، في رواية يوسف إدريس نجد طريقة تفكير شائعة لأحد شخصيات الرواية كيف إنه مستعد لتصديق الحرام في الرجال، لكن الحرام في النساء أمر يصعب تصديقه، فالرجل دوره "طياري" بينما دور المرأة أساسي، الفيلم قرر أن يُلمِّح ولا يُصرِّح بتلك العبارة الخطيرة، ربما بطريقة أكثر بلاغة، حيث جعلها سمة تفكير معظم رجال الفيلم، للأمانة تلك جريمة تشترك بها النساء كذلك.

عزيزة قامت بلوم نفسها على ما حدث، فهي في النهاية امرأة مصرية وفية لثقافة تُدِينها، ثم قامت بلوم جذر البطاطا، ما يُعتبر أشهر لوم في تاريخ السينما المصرية، لوم فتح الباب للوم الزوج العاجز الذي طلب البطاطا، أعتقد أن المهم حقاً هو ما بعد الحادثة، وليس الحادثة نفسها، صور بركات – بمساعدة ممثلته الاستثنائية فاتن حمامة – الحالة النفسية للمرأة التي تنتظر فضيحة، حيث الموت مستحب عوضاً عن نظرات وكلمات المجتمع والزوج.

نلاحظ الفصل بين أهل القرية وعمال الترحيلة الغرباء، أهل القرية ليسوا أغنياء كذلك، لكنهم حمقى كعادة كل أكثرية، فيظنون الأخلاق فيهم بينما يظنون السوء بالغرباء، الفيلم في لقطات سريعة ينتقم للغرباء بفضح المستور، ينتقم للمرأة المُدَانة التي لم تختر، في مقابل علاقات محرمة اختيارية خفية يغض المجتمع الطرف عنها. الطريف أن المجتمع أصبح أكثر إنسانية بعد أن علم بالمصيبة، فنجد تكاتف العمال حتى لا يفتضح أمر عزيزة ، ثم تعاطف ناظر الزراعة، كذلك الكاتب (آخر أشرار الفيلم)، كما نجد العمال وأهل القرية وقد أصبحوا في تقارب وسمر، المصيبة قامت بتذويب الفوارق والتذكير بالإنسانية.

الفيلم أكد كذلك على تصوير العمال بالعبيد، عملية اختيارهم للعمل تشبه شراء العبيد، عندما لم تجد النيابة من تتهمه قامت بقيد القضية ضد مجهول، واحد من أهل القرية سخر من هذا المجهول الذي يتم تلفيق القضايا له كل مرة، لكن ما يُوحي به الفيلم أن المجهول معلوم لدي الجميع، الفقر.

لم نرى (عزيزة) سوى بعد مرور ما يقرب من ثلث الفيلم، لكننا أصبحنا متورطين سريعاً، على غرار فيلم ساتياجيت راي العظيم The World of Apu ، ببعض مشاهد متلاحقة يصبح الوقوع في غرام الشخصية أمر إلزامي، عزيزة لها ابتسامة ساحرة، تساعد زوجها بمودة، تقوم بالتخفيف عنه، حتى عندما تتعرض لمضايقة، يهم الزوج لرد الإساءة، فتقوم بعمل وجه مضحك وترسل له قبلة كافية ليشعر بالخجل، فينسى كل شيء، ألم نفعل المثل؟

التصوير كان لافتاً، بعض كادرات مرسومة بعناية، بعضها طبيعي وساحر، بعضها دخيل أضر بالفيلم، مثله مثل صوت الراوي الذي أتى وعظي مباشر بصورة غير مستحبة، الموسيقى ساهمت في تعزيز القلق، كانت طبيعية مستوحاة من موسيقى الريف، لسبب ما ذكرتني بموسيقى أفلام كوروساوا ، خاصة تحفته Rashomon ، أداءات الممثلين أقلها كان جيداً، كما كان بركات ذكياً في اختياراته الأسلوبية، في مشهد الاغتصاب مثلاً يأخذ لقطة بعيدة للأرض، لا نرى (عزيزة) أو المغتصب، حيث غرقا بالكامل في التربة، في الحرام ربما.

تمت إعادة نفس المشاهد من جديد بعدما علمنا "الجاني"، طبقاً لقاعدة الاهتمام البشري التي علمها لنا فيلم بيلي وايلدر Ace in the Hole، حيث أن الآن أصبح للمصيبة وجه، فعلينا أن نعرف كل شيء عن صاحبته، فتمت إعادة نفس المشاهد التي رأينها سابقاً بالتركيز على عزيزة. في مشهد آخر تقوم عزيزة بالتناوب بين خدمة زوجها عبد الله وخدمة ابنها عبد الله، الكادر يسمح لنا برؤية الزوج في الغرفة والابن خارجها، الاسم نفسه يتردد لعدد لا نهائي من المرات، في محاولة الفيلم لتأكيد الضغط الكبير على المرأة التي تقوم برعاية الذكر، رجلاً وطفلاً، المرأة و"عباد الله".

الفيلم تم تصويره بالكامل داخل إحدى القرى الريفية، مانحاً الفيلم مزيد من الأصالة والطبيعية، متفادياً مأزق التصوير الداخلي داخل الاستوديو، المأزق الذي وقع به فيلم Mother India ، والذي يتم مقارنته دائماً بفيلم (الحرام)، لكن الفيلم المصري تجنب الجنوح لميلودرامية (أمنا الهند)، بالرغم من ذلك كانت هناك أوجه تشابه واضحة اقتبسها الفيلم المصري من نظيره الهندي، كالمشاهد التي تصور الزوجين الجدد.

"الترحيلة أنفسهم كانوا يكادون يصبحون شيئاً حراماً، وكأن الناس جميعاً مخلوقات حلال وهم وحدهم مخلوقات حرام، أية بشاعة يصبح عليها الحرام إذا ارتكب حراماً!" الحراميوسف إدريس