الثلاثاء، 26 مايو، 2015

A Most Violent Year

كتب : مصطفى الباجوري

التقييم : 4/5

بطولة : أوسكار إيزاك ، جيسكا شاستين ، ألبرت بروكس
إخراج : جي سي تشاندور (2014)

أول ما يلفت النظر في فيلم A Most Violent Year هو أنه يكاد يكون مبعوث إلينا من فترة السينما الأمريكية في السبعينات للدرجة التي لا يمكن بسهولة تمييز الفارق بينه وبين أفلام هذه الفترة ، تحديدا أفلام الجريمة والإثارة ؛ الإضاءة الصفراء الباهتة والأبنية القديمة المتهدمة والمساحات الواسعة الغير مسكونة والجو الخانق المريب الذي تتم فيه الاجتماعات والصفقات والطرق و مطاردات السيارات والتوتر الذي تخلقه حركة الكاميرا البطيئة بل يتجاوز السيناريو مجرد مشابهة الأجواء القديمة لفترة السبعينات ويشير إلى أفلام بعينها مثل مشهد المطاردة بالسيارات ثم داخل القطار الذي يذكرنا بمشهد المطاردة الشهير في فيلم The French Connection (1971) وتتشابه شخصياته مع شخصيات الفيلم البديع The Godfather (1972) مثل شخصية محامي الشركة أندرو (ألبرت بروكس) وشخصية البطل نفسه .  

يحكي الفيلم الثالث للمخرج جي سي تشاندور قصة رجل الأعمال أبيل (أوسكار إيزاك) الذي يمتلك شركة لنقل الوقود في نيويورك ويحاول في ظل منافسة صعبة أن يتوسع و ينموعن طريق اتمام صفقة لشراء مساحة كبيرة من الأرض التي يمتلكها أحد اليهود لكي يتمكن من تخزين كميات كبيرة من الوقود في هذه المحطة من ناحية وكي تعطيه وصولا إلى النهر من ناحية آخرى . يعطل هذه الصفقة التحقيقات الجنائية التي يقوم بها المدعي العام لورنس (ديفيد أويلو) من أجل اثبات تورط أبيل في عمليات اختلاس وتلاعب ويعطل الصفقة كذلك تعرض ناقلات الوقود التابعة للشركة لعمليات اختطاف وسرقة مستمرين. يحاول أبيل أن يجد طريقه وسط كل ذلك مبتعدا عن طرق رجال العصابات معتمدا على الجاذبية التي يمتلكها وتأثيره الخاص على من حوله وإصراره على النجاح وعدم التخلي والاستسلام مقاوما السقوط في عالم الجريمة والعصابات الذي يحوم بظلامه على الأجواء و يتربص بعالمه كالقدر المشؤوم ؛ يرفض طلب السائقين في أن يحملوا سلاحا معهم دفاعا عن أنفسهم وعن العربات فهم لا يريدون أن يكونوا لقمة سائغة للعصابة في كل مرة ويرفض طلب زوجته آنا (جيسكا شاستين) أن تتدخل عائلتها لحل المشكلة وهي عائلة لها سوابق إجرامية وارتباط بأعمال العنف والعصابات ويرفض حتى امتلاك سلاح خاص في منزله بعد أن أصبحت عائلته نفسها مهددة بالخطر إثر محاولة أحدهم اقتحام المنزل في الليل .

أبيل رجل لديه طموح كبير ومؤمن أنه يستطيع بلوغ طموحه والتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة عن طريقة العصابات ، يعي بأن كل ما يتطلبه الأمر خطوة واحدة ، تنازل واحد فقط ويجد نفسه في هوة العالم الآخر . والأمر لا يبدو كما لو كان يختار دائما الطريق الصحيح والخيار المثالي تماما لكنه يختار الخيار الأكثر صوابا ، يتحرك في منطقة رمادية معقولة بالنسبة له ، لا ينزلق إلى منطق العصابات وطريقة حياتهم المحاطة بالخطر التي لا يستطيع تحملها والتأقلم معها وكذلك لا يبدو أن عمله يخلو من فساد ما وتلاعبات ما فهو اعتمد في البداية على أموال عائلة زوجته المشكوك في مصدرها وإن كان لا يصرح بذلك ويتمسك دائما بأنه برئ وأنه يدير عملا طموحا محترما .

جوليان (إليس جابيل) هو معادل آخر لأبيل فهو مهاجر مثله ويعمل سائقا لإحدى الناقلات ولديه طموح في أن ينتقل إلى قسم المبيعات وأن يذهب إلى أبعد من ذلك وربما يصبح مثل أبيل في يوم من الأيام لكنه لا يمتلك قدرة أبيل واصراره على التكيف مع تلك المنطقة الرمادية كما يقول جوليان لأبيل في الفيلم "أنا لست قويا مثلك" ، يتعرض جوليان للضرب الشديد على يد العصابة التي تسرق الناقلات وعندما يعود للعمل مرة أخرى يحمل مسدسا مخالفا تعليمات أبيل ويشتبك مع أفراد العصابة عندما يحاولون اختطاف الناقلة مرة أخرى ويطلق عليهم النار ويهرب ثم ينتحر في النهاية بعد أن يبتلعه ذلك التناقض بين الطموح وحلم النجاح الباهر الممكن وبين العوالم السفلية لرجال العصابات والجريمة وهو التناقض الذي يخلق مساحة كبيرة يتحرك فيها الفيلم .

يجعل ما فعله جوليان صفقة أبيل معرضة للخطر ويمتنع البنك عن تمويله بالمال وتسوء الأوضاع مع المدعي العام الذي يقرر أن يحرك قضية فساد مالي على أبيل وشركته. ومن ناحية أخرى تستمر عمليات السرقة والخطف التي تكلف الشركة الكثير من الأموال .

يحاول أبيل أن يجد مصادر أخرى للمال لإتمام الصفقة عن طريق قروض من المنافسين له أوعن طريق رهن منزله الخاص ، ثم تكشف له زوجته آنا عن حساب بنكي يحتوى على أموال غير نظيفة كانت تختلسها من الشركة . يعترض أبيل في البداية بشدة على استخدام هذه الأموال ثم لا يلبث أن يقبلها بمنطق مساحته الرمادية الواقعية التي تستطيع التعايش مع ذلك وبعد أن يتم الصفقة ويشتري الأرض يسوي الخلاف مع المدعي العام بنفس الطريقة وبنفس المنطق .

كل شيء يحدث في الفيلم كما لو كان له صورتان ، صورة ظاهرة وصورة أخرى خفية أو أن الأحداث تعطي الانطباع بأنها تجمع بداخلها صور متداخلة وإيحاءات مختلفة ؛ عندما يتفاوض أبيل مع اليهودي على شراء المحطة في أول الفيلم يجعل تشاندور المشهد مريبا والصفقة مشبوهة رغم أنه اتفاق عادي على صفقة عادية وعندما يحاول شخصان سرقة عربة الوقود ويحدث تبادل اطلاق النار بينهما وبين السائق جوليان نتوقع أن تسير الأمور بشكل دموي لكن يتضح أن أفراد العصابة مجموعة من الهواة لا مجموعة من المجرمين المحترفين لدرجة أنهم يهربون جميعا مع السائق كذلك عند وصول البوليس . يجتمع أبيل مع رؤساء الشركات الأخرى حتى يعرف من الذي يقف وراء العصابة التي تسرق الناقلات وبينما تثير الأجواء المحيطة بهذا الاجتماع بداخلنا احساس اجتماعات رؤساء العصابات و الحوار المألوف بينهم إلا أن أبيل يؤكد أن عمله نظيف ولا يقول أكثر من أنه يريد المسؤول عن هذه السرقات أن يتوقف . وهكذا فإن معظم مشاهد الفيلم منفذة بحيث تعطي أفكار ومشاعر متذبذبة بين عالمين يقف أبيل على الفاصل الرفيع للغاية بينهما ، عالم الجريمة والسقوط وعالم الصعود والنجاح المشروع .

يضع تشاندور الفيلم بأكمله - كما هو حال بطله أبيل - على الحافة ، فلا هو فيلم عن السقوط في عالم العصابات والجريمة من أجل تحقيق الصعود الاجتماعي السريع ولا هو فيلم إثارة عن رجل طموح يحاول أن يتغلب على العقبات التي تخلقها ظروف المنافسة الصعبة في منظومة غير فاسدة ولكنه يقدم فيلما بين هذا وذاك ، يقدم رؤية عملية مقبولة للحلم الأمريكي القادر على الملاءمة والنجاح والاستمرار رغم الأزمات والمشاكل ودون الهبوط النهائي والكامل لعالم العصابات المظلم ومنطق الجريمة القذر .