الثلاثاء، 5 مايو، 2015

اليوم السادس

كتب : مصطفى الباجوري

التقييم : 4/5

بطولة : محسن محي الدين ، داليدا ، حمدي أحمد
إخراج : يوسف شاهين (1986)

أهم ما يميز يوسف شاهين في عمله الإخراجي هو الإيقاع الموسيقي وحركة الكاميرا السريعة المتدفقة التي تعكس دواخل الروح من أمال وانكسارات ونشوة وقلق.. ومن اهتمام شاهين بالإيقاع الموسيقي والاستعراض الغنائي وعلاقات الحب المستحيلة يمكن القول أنه صنع نوعا متفردا من الميلودراما في السينما المصرية خصوصا في أفلامه في الفترة التي تلت هزيمة 1967 ، ميلودراما تجسدت فيها المأساة الخاصة والعامة وعبرت عن أحلام جيل ووطن بأكمله تتمزق حتى التلاشي والضياع في غياهب إيقاع موسيقي رومانسي حالم ، وبذلك استحقت تلك الأفلام أن توصف بالمآسي الموسيقية .

مع ذلك يتخذ فيلم اليوم السادس موقعا مترددا بين الحالة العامة والحالة الخاصة ، بين المأساة والاستعراض الغنائي ، بين الانعتاق فوق أنقاض المأساة وبين العبثية والسخرية و التحرر من خارج المأساة ورغما عنها . فما السبب في هذا التآرجح المحسوس في اليوم السادس ؟

السبب الأكبر في رأيي هو أداء الممثل محسن محي الدين؛ فهو يؤدي شخصية عوكا القرداتي بكل ما فيها من انطلاق وعبثية وتحرر وسخرية من الموت الذي يهيمن على أجواء الفيلم . شخصية تفيض بالحرية والتدفق واندفاع الشباب والجنون على الرغم أن الحكاية  في ملامحها العامة تبدو مأساوية للغاية فهي مستلهمة من رواية لأندريه شديد عن حارة مصرية في أربعينيات القرن الماضي في وقت انتشار الكوليرا التي تحصد الأرواح حصدا وعلاقة حب غير ممكنة في وسط كل هذا البؤس بين عوكا وصديقة التي تكبره على الأقل بعشرين عاما. ليس أن أداء محسن محي الدين لا يعمق الإحساس بالمأساة فحسب بل يضيف سحرا خاصا إلى الحالة الاستعراضية الغنائية للفيلم بأدائه المذهل في استعراضات الفيلم البديعة . أشعر في كل مرة أشاهد الفيلم أن محسن محي الدين كان يريد هذا التحرر ، كان يريد هذا الانطلاق والخروج من مأساة شاهين ويبدو منطقيا تماما أن هذا هو آخر فيلم ليوسف شاهين يظهر فيه محسن محي الدين .

السبب الثاني هو الموسيقى التصويرية لعمر خيرت التي تنضح بجلال ومهابة المأساة وتجعل الموت والوداع متشبعا بالحنين والأمل والذكرى أكثر مما تعبرعن الألم والضياع والتلاشي في مواجهة المأساة .

السبب الثالث هو اختيار المغنية داليدا لأداء دور صديقة بلكنتها الغريبة وهو اختيار لم أتقبله إلا بحكم العادة وتكرار المشاهدة ، لكن ماذا لو كانت ممثلة آخرى هي التي تؤدي هذا الدور ، محسنة توفيق على سبيل المثال ، ألم تكن بحماستها وبملامحها المصرية المحفورة في الوجدان وتكوينها النفسي المتشبع بروح وألم بهية في فيلم شاهين الآخر "العصفور" ، ألم تكن لتساعد في تعميق الإحساس بالمأساة ! عدم ملاءمة داليدا للدور بشكل عام وطلتها الغير مألوفة وتخشبها أحيانا ولكنتها السيئة طول الوقت كانت من الأسباب التي ساعدت في تخفيف الإحساس بالمأساة وتخيف حدة الإيقاع بل وكسره في بعض الأوقات .

طابع التكوين المسرحي محسوس بقوة في اليوم السادس عن باقي أفلام شاهين ، فأغلب المشاهد تحدث داخل ديكور لمركب في البحر وهو المركب الذي تهرب بداخله صديقة إلى الاسكندرية ومعها حفيدها الصغير بعد أن تظهر عليه أعراض الكوليرا ويذهب معهما عوكا، وبعد ستة أيام يصل المركب إلى وجهته وبعد ستة أيام يتحدد مصير الحفيد الصغير وبعد ستة أيام تنتهي العلاقة الغريبة بين صديقة وعوكا التي يختلط فيها سذاجة الشباب و رومانسية الحلم وتضحية المرأة وبؤس الواقع في عالم يسوده الخوف والتربص والموت .

كذلك مشاهد الحارة في أول الفيلم تحدث في ديكور يبدو مصطنعا أكثر مما يبدو واقعيا ، المشاهد الخارجية واللقطات الواسعة عموما قليلة جدا في الفيلم . ساعد ذلك شاهين على التحكم في إيقاع الفيلم بطريقته الخاصة في التشكيل البصري لكل لقطة من الديكور ومكان الممثل وحركته وحركة الكاميرا والإضاءة ، اليوم السادس أكثر فيلم لشاهين يمكن وصفه بأنه فيلم شاهيني تماما ، فهو فيلم موجود بالكامل في تصور شاهين بكل تفاصيله ومشاعره قبل أن يبدأ في تصويره على أرض الواقع .

اليوم السادس من أفلام شاهين الأخيرة الجميلة والمميزة رغم القلق المحسوس في نظرات محسن محي الدين (عوكا) ورغم لكنة داليدا (صديقة) الغريبة ورغم الاستعراض على إيقاعات الجاز الأمريكية في الأربعينات ورغم النَفس الأوركسترالي لموسيقى عمر خيرت أو ربما يكون كل ذلك السبب الحقيقي في كونه فيلما مختلفا وملهما .