الخميس، 23 أبريل، 2015

Wavelength

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

إخراج : مايكل سنو (1967)

"لمَ Wavelength؟
سنو : خلاصة جهازي العصبي ، شكوكي الدينية ، والأفكار الجمالية"

لدينا كاميرا تقترب من نقطة إلى أخرى داخل حجرة واحدة – من حائط لآخر – لمدة تزيد عن الأربعين دقيقة ، هل يبدو هذا مملاً ؟ حسناً إنه كذلك .

"لمَ 46 دقيقة كاملة ؟
سنو : كان يمكن أن تكون أكثر ، لا يمكنها أن تصبح أقل ، المال .. لو كان الفيلم أقصر لكانت الحركة أسرع من اللازم ، لو كان أطول لكان شديد التكلفة"

كل الأفلام – بشكل أو بأخر – من وجهة نظر معينة قد تبدو مملة ، لكن استناداً إلى وجهات نظر أخرى قد تحدث المعجزة ، فيصبح أي فيلم مثيراً للاهتمام.

في بداية الفيلم تكون الخدعة ، فتاة تخبر عمال نقل الأثاث أين يمكنهم وضع المكتبة الجديدة ، المُشاهِد البريء – الذي لم يعرف شيئاً – لن يشك في أن الفيلم لا يحمل حبكة ، لكن مع الوقت عليه أن يشك ، يستمر تلاعب مايكل سنو بالمشاهِد ، خاصة خلال الدقائق التي احتوت تواجد بشري ، مما قد يوحي بأن هناك حبكة إن أمكننا فقط ربط الأمور ببعضها ، لكن من جديد هذا غير صحيح ، سنعرف أن الكاميرا لا تبحث مثلنا عن رابط يجمع ما اختاره المخرج ليكون داخل فيلمه ، الكاميرا تسير في مهمتها المحتومة صوب صورة أمواج البحر المعلقة على الحائط المقابل ، الكاميرا كالحياة ذاتها، لا تكترث لأحد ، أو لشيء ، أو لحدث ما ، الكاميرا كالحياة تمضى قدماً، بغض النظر عما حدث ، يحدث، قد يحدث .

ليست التجربة تجربة تأملية ، كالمُحرِّضة على النوم في فيلم كيارستمي (خمسة) مثلاً ، أو غرائبية مثل Koyaanisqatsi جودفردي ريجيو ، أو حتى مشابهة لتجارب آندي وارهول سيئة السمعة ، دائماً يتم مقارنة الكندي سنو بالأمريكي وارهول ، حتى أصبح يُطلق على سنو : وارهول الكندي ، لكن وراهول في أفلامه – الطويلة جداً – يرصد ولا يتدخل ، بينما سنو لا يكتفي بالملاحظة ، إنما يتدخل دائماً في الصورة والصوت .

فيلم سنو – الغير تأملي – تجربة مقلقة للجهاز العصبي، على ما يبدو أن الرجل أراد أن يُرهق مُشاهِده، أن يضغط على أعصابه قليلاً ، ربما كثيراً ، فقام بكل شيء في سبيل ذلك ، تغيير الفلتر البصري باستمرار ، اللجوء إلى النيجاتيف ، صوت مزعج كالصادر من جهاز كهربي معطوب ، بالإضافة إلى عدد من الألاعيب التقنية التي لا خبرة لي بها ، كل هذا ساهم في أن يصبح الفيلم تجريدياً صوتاً وصورة ، لكنه يبقى مُستفِّزاً إلى درجة كبيرة ، والفيلم المُستفِز – كما نعرف – يبقى دائماً فيلماً جديراً بالمشاهدة ، طالما لا يضم صفة السخافة بجانب الاستفزاز ، الألاعيب البصرية ساهمت في جعل الحجرة تبدو غير طبيعية ، قد  نتساءل – بعبث كبير طبعاً – إن كنا نرى أشباحاً ، أم أن تلك هيئة البيوت المسكونة إن تركنا كاميرا لترصد ما يحدث بينما لا نكن بالجوار لرؤيته ؟

"لمَ دخلت الحياة الفيلم؟
سنو : الحياة داخل الفيلم، الفيلم عن التوازن، بين الأحداث، الأشخاص، الأشياء، صورة الكرسي الأصفر مثلاً تعادل نفس قيمة الفتاة التي تغلق النافذة، في العالم الخاص بهما."

سنو يصور ، يكتب ، يرسم ، ينحت ، يؤلف ويرتجل موسيقى الجاز ، الرجل الشامل في هذا الفيلم متقشف زاهد مُرتجِل ، يُجبر المشاهِد على خوض تجربته بنفسه ، الأمر الذي يفعله دائماً المخرجون العظام ، ويرفضه دائماً المشاهدون قليلي الصبر ، تجربة التفكير من جديد في ماهية السينما ، ما هو الفيلم ؟ ما الذي يجعل الفيلم فيلماً ؟ ثم يتركنا مع السؤال الأزلي المحبب : "ما هذا الذي رأيته للتو ؟" حيث تكون النتيجة أحياناً ليست ذات أهمية ، بالمقارنة مع المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الفيلم وصانعه ، المخرج يضعنا وجه لوجه أمام التساؤل الذي لا ينتهي عن محدودية الصورة ، حيث يبدو أنه من البداية إلى النهاية هناك تمهيد غامض ومخادع للانتصار لفكرة الصورة السينمائية المطلقة ، وإن بدت محدودة ، أم ربما العكس ؟!

"أليست بداية الفيلم ونهايته اعتباطية ؟
سنو : منذ البداية تكون النهاية عامل مهم ، في سياق الفيلم لا تكون النهاية اعتباطية ، بل محتومة"

التجربة التي يعرضها سنو فرصة للإبحار في تجربتنا السابقة والزمن الماضي ، من جانبي انتقلت بالزمن لأتذكر نوافذ مدرستي ، جدير بالذكر أننا لا نرى العالم الخارجي خلف النافذة طوال الفيلم ، فنحن محتجزون داخل الصورة السينمائية .

الفيلم عقلي بالكامل ، يتحدى مشاهِده ، وإن كان يبدو وكأنه لا يكترث بأحد ، فقط بالمكان ، المكان أو المساحة هنا تكون البطل الوحيد داخل الفيلم ، على عكس كل فيلم آخر ليست العبارة بلاغية ، أو من باب التشبيه ، فالمعتاد أن يكون المكان خلفية مرتبطة بالبشر ، لكن هنا يبقى المكان غير مرتبط بأحد ، ولا يبدو أن أحداً مرتبطاً به ، يكون المكان بطلاً منفرداً لا شريك له ، يسيطر على الشاشة ، بينما نحن نتعرف شيئاً فشيئاً عليه ، ونصل إلى النقطة العميقة المُراد الوصول إليها ، مثلما يحدث في الأفلام الأخرى بالنسبة لشخصية البطل ، لكن في حالتنا نحن نتعامل مع مكان مادي ، فتكون النقطة المُراد الوصول إليها نقطة مادية بدورها .

سنو يجعلنا نشعر كما لم نشعر من قبل بالانتقال من نقطة لأخرى ، كوبريك سيقوم بتوجيه تحية للكندي وفيلمه في نهاية فيلم The Shining باستخدام نفس الأسلوب ، في الغالب تتم عملية الانتقال عن طريق المونتاج في لمح البصر ، لكن مع سنو الأمر اختلف ، الشيء الظريف أن الفيلم ليس لقطة واحدة ، كما أن الفيلم استخدم القطع بطريقة Jump Cut ، الأمر الذي كان شديد السخرية .

"ما الذي حدد الأنسجة المختلفة التي استعملتها ؟
سنو : أعتقد أنك تقصد الألوان وتغيرات الضوء .. لست دائماً أقوم بخيار ما ، لقد تفاجأت مما أفعل ، وكنت أرغب في ذلك ، وضعت نظاماً تصادفي ، لن أقوم بصنع أعمال فنية إن كنت أعرف كل شيء مسبقاً"