الأربعاء، 15 أبريل 2015

The Tarnished Angels

كتب : ياسر ريحاوي

التقييم : 4.5/5

بطولة : روك هدسن ، دوروثي مالون ، روبرت ستاك
إخراج : دوغلاس سيرك (1957)

هناك مسافة قصيرة جداً بين الفن الراقي وبين التافه , والتفاهة التي تملك عنصر جنوني تكون قريبة من الفن بهذا الجانب تحديداًدوغلاس سيرك

أربعة شخصيات أمريكية تقليدية أو ستيريوتايبس كما يسمونها , طيار عائد من أمجاد الحرب ليبحث عن غيرها , صحفي ينشد عن الشهرة , امرأة همها الوحيد الحب , وميكانيكي يريد الارتقاء بمهنته , وكما غالبية قصص الحلم الأمريكي وجانبه الأسود سيسقط كل من هؤلاء في فخ عدوهم الأقرب , أنفسهم .

يقع الطيار في هوس غير قادر على التحكم به ويجعل الطيران غايته الوحيدة ليفقد الحب والاهتمام لأي شيء آخر بل يعامل الأشخاص كأنها أشياء لا قيمة لها , ينغمس الصحفي في الشرب الهوسي لتودي سكرته بأهم وأجمل ما فيه وهو النقاء والرغبة الصادقة بحكاية قصة فيها مجد وحقيقة أمريكية طال بحث الجماهير عنها , الامرأة بالتأكيد هي الأضعف لأنها تبحث عن الشيء الأجمل في وسط ظلام الخمسينات والذي فقد قيمته بل وأصبح نكتة قديمة بالية , الحب , والميكانيكي يحاول الارتقاء بما يفعله إلى مرتبة الجمال ليقع في المستنقع مجدداً , الرغبات صادقة والأحلام كبيرة والسقوط مدوي موجع لا قدرة على النهوض منه مجدداً , لافيرن شومان لن تجد من صورة الطيار البطل الأمريكي التي سافرت من أجلها سوى حطام رجل فتحاول اللجوء لغيره فتفقد الاثنين معاً , دورثوي مالون ممثلة عظيمة , تظهر هنا قدرة رائعة على لعب دور الضحية بعد شخصيتها الهوسية المجنونة المعاكسة في رائعة سيرك الأخرى Written on the Wind , نراها هنا في أدنى درجات الضعف والانكسار , تتمزق قلوبنا وهي تروي قصة هجرتها من مزرعتها الصغيرة باحثة عن الأحلام في كنف صورة الحلم والمجد للطيار التي فتنتها لتجد الإهمال وعدم الاكتراث وليصبح مصير زواجها مساوياً لقطعة نرد ترمى في أحد المشاهد لتحديد الرجل الذي سيرتبط بها , روك هدسن يلعب شخصيةً أكثر تعقيداً من المعتاد , برع في إظهار الترنح واليأس والخيبة , مشاهدهما معاً تعطي الفيلم قوة تمثيلية وعاطفية يقابلها سيرك بإخراج هو أجمل ما في الفيلم , يحول الميلودراما الهوليوودية لتراجيديا وجودية مبهرة , نشعر بمناخ فترة الكساد التي صور بها الفيلم بطريقة إبداعية تشابه فيلم فورد الشهير The Grapes of Wrath  وتتميز عنه بالأناقة اللونية والاختناق الذي يبقينا فيه لنظن بأن الفيلم هارب من عقد الستينات الأوروبي وننسى بأنه ميلودراما هوليوودية خمسينية , هو الأكثر كآبةً من بين أفلام سيرك التي شاهدتها من حيث الشعور , قد تكون المآسي في أفلامه الأخرى أشد إلا أن اليأس الذي يسيطر على تلك المشاهد المصورة باللونين الأسود والأبيض في أطراف الغرف المغلقة وسط الظلال الخافتة يجعل الفيلم في خانة مختلفة تماماً , مع ذلك تبقى سخرية سيرك سلاحه اللاذع الذي يميزه دوماً , في أحد المشاهد يزواج بين مشهدي الطيار وابنه , الابن في مدينة الألعاب في طائرته الصغيرة والأب باحثاً عن المجد في السماء , قد يقول قائل بأنها طريقة سيرك في إظهار خطورة ما ورثه الصغير عن أبيه , أظن أن غاية سيرك أكثر تلاعباً وطفوليةً , هو يسخر من الأب لنراه في النهاية كطفل غير ناضج لم يترك الأحلام الساذجة بل ازداد تعلقاً بها , في مشهد آخر يسأل الميكانيكي : أبدو كجراح أليس كذلك ؟ ، جملة يلدغ سيرك بها سريعاً ليظهر استهزاء الشخصية بنفسها , مثل هذه اللمسات والكثير غيرها نشاهدها تباعاً , قبلة الحبيبين التي تقطعها ضحكات المحتفلين الساخرين – بالحب ضمناً - في الغرفة المجاورة مثال آخر عن براعة سيرك وكوميديته السوداوية الخفية.

الجدية جميلة في الفن , والتفاهة أيضاً ! ففي حين كان أبرز مخرجي هوليوود في تلك الفترة أكثر تزمتاً في التعامل مع أمراض المجتمع الأمريكي – العظيم بيلي وايلدر مثالاً - يبدو سيرك أكثر أريحية وتلقائية لتنساب صوره النقدية ببراءة تخفي الكثير من الخباثة الذكية والمجنونة , يضحك من المتزمتين سراً ويوصل ما يريد بدون بذل الجهد أو على الأقل هذا ما يبدو لنا عند مشاهدة أفلامه , السر بالتأكيد في الثقة والحرية التي آمن بها عندما اختار الميلودراما وهي النوع الذي أصبح مثالاً للسينما السيئة ليصبح معه شيئاً أكثر فنية وجنونية , لا يتقن سيرك ولا يبحث عن الكمال بل العكس هو يترك التفاهة لتكبر أكثر وبتطرف يبحث عن الأبعاد الجديدة التي يمكن الوصول لها , جنون وسخرية وعواطف سخية يفضح بها ويتحدث عن كل ما يؤرقه , أسلوبه البصري والدرامي المبهر أثر في الكثيرين وأبرز الأمثلة : فاسبندر , ألمودوفار , تود هاينز , الأخير قال في أحد المقابلات أن سيرك ينهي أفلامه بنهاية سعيدة كاذبة دوماً لا تعوض ولا تقنع بعد كل التراجيديا التي مررنا بها طوال الفيلم وبعد عرضه لكل تلك الجوانب السوداوية , هذه النهاية هي جزء من أسلوبه الساخر ولمسته الخالدة التي قدمها للسينما.


0 التعليقات :

إرسال تعليق

Flag Counter