الخميس، 30 أبريل، 2015

Submarine

كتبت : زهراء إبراهيم

التقييم : 3.5/5

بطولة : كريغ روبرتس ، سالي هوكنز
إخراج : ريتشارد آيوادي (2010)

مستشهدًا ببولانسكي - الذي يبدو أنه متأثر به - يقول ريتشارد آيوادي مخرج الفيلم : أنت تنظر إلى المشهد وتقف عند النقطة التي تشعر أنك تريد أن ترى المشهد من عندها. يعد هذا مزجًا بين نظرتك للأشياء وماهيتها بالنسبة لك وحقيقتها الفعلية. على الأغلب سيكون لك تأثيرًا شخصيًا على الفيلم، لكن لنأمل أن تتم فلترة هذا التأثير بالكلية من خلال القصة وشخوصها؛ فلا يبدو الأمر وكأنك تفرض رأيًا على شيء ما بغض النظر عن ماهيته الحقيقية.

في سياق الحديث عن الفيلم يقول ريتشارد واصفًا نفسه في سني المراهقة بأنه كان شخصية غير اجتماعية لا تستطيع التواصل بالعين بشكل مستمر، ولازال في جميع لقاءاته يلجأ لنظارته كي يضبطها بلا هدف، ما جعله شخصيتي المفضلة لهذا العام. لكن نظرته للقصص هي أنها لا تعكس باستمرار شخصية الكاتب، وإنما على العكس من ذلك، دائمًا ما يكون الكاتب شخصية مناقضة للشخصية الرئيسية للحكاية. وجهة النظر تلك ربما تكون مبررًا مفهومًا جعل هذا الفيلم يكون بديعًا كتجربة إخراجية أولى. هكذا يبدو الفيلم خليطًا متناسقًا بين ما أراد كاتب الرواية أن يوصله إلى القارئ وما أراد المخرج أن يصوره به.

الأفلام التي تدور حول سني المراهقة هي من أكثر تجارب المشاهدة مغامرة، لا يمكنك الوثوق في القصة فضلًا عن أداء الممثلين الصغار. هذا الفيلم مفارقة مستمرة بين الشر الذي يحمله بطل القصة كوغد صغير، والحالة الدرامية التي تأتي من صوت أفكاره التي نسمعها طوال الفيلم، ما يجعل كوميديته انجليزية جافة. يصور الفيلم عائلة بريطانية مكونة من فتى مراهق يقع في الحب ووالدين دخلا مرحلة تفسخ العلاقة، فيما يراقبهما الابن محاولًا إصلاح هذا الفتور بين والديه. الأب يعمل كعالِم أحياء ويعاني من حالة اكتئاب مستمرة، والأم التي يعترضها حبها الأول فتنجرف في تياره.

يبدأ السرد كفصول رواية ملوّنة، متحركًا من العلاقة بين أوليفر (كريج روبرتس) وجوردانا (ياسمين بيدج). المميز في هذه القصة هو أنه يتيح مجالًا لعلاقة بين شخصين قبل مرحلة نضجهما أن تكون مليئة بالحركة والصخب والتآمر على أشخاص أضعف إن كان ذلك سيتيح لهذه العلاقة أن تنشأ. "أنا لا أوافق على مضايقة الآخرين، لكن يبدو أن جوردانا تستمتع بذلك. يجب ألا أدع مبادئي تقف أمام هذه العلاقة، عليّ أن أتعلم التكيّف." هذا الفصل مصبوغ باللون الأحمر، وبرداء جوردانا ذي اللون الأحمر، وبرغبتها المستمرة في إشعال النيران، والكثير من الألعاب النارية. الفصل التالي يتحرك إلى العلاقة الزوجية بين والديه، مصبوغ باللون الأزرق وبكلام عن عمق المحيط والغواصات والأسماك وحالات الاكتئاب. الأب (نواه تايلور) منطقي ومتزن ويعيش حالة اكتئاب مصاحبة له منذ مراهقته، حين يعلم أن ابنه في بدايات علاقة، يهديه شريطًا سجل عليه أغانٍ رومانسية على وجه، وعلى الآخر سجل أغانٍ عن الفراق. والأم (سالي هوكينز) التي بدأت تشعر بالملل من هذه العلاقة مع ظهور حبها الأول الذي هو على النقيض تمامًا من زوجها، (نينجا) كما يطلق عليه أوليفر، يلقي محاضرات روحانية عن أهمية الضوء والطاقة وتلك الأمور، هذه الحرارة تجذبها بعيدًا عن البيت الذي يغرق في الأضواء الصفراء، فيما يحاول أوليفر إيقاف هذه العلاقة بكل ما أوتي من أفكار على الرغم من المرض الذي يهدد حياة والدة جوردانا، ما يؤدي إلى اصطدام علاقتهما بحاجز من الخوف وملاحقة أوليفر المستمرة لوالدته.

روبرتس و بيدج قاما بأداءات جيدة للغاية في مرحلة البداية المشتعلة ثم ذلك الهدوء والحزن الذي يخيم بشكل عام في النصف الآخر، تُظهر ياسمين شخصية سايكوباتية بجدارة في الفصل الأول، متمسكة بذلك الصوت العميق والابتسامة الجوكرية والنظرة المتحدية، فيما تتكشف عن شخصية حساسة وهشة في النصف الثاني تحت ضغط الظرف العائلي القاسي، فيما يتحول كريج من الفتى اللئيم الذي يسعى وراء ما يريد بأي ثمن معتقدًا بعبقريته وغارقًا في أحلام اليقظة إلى الغرق التام في الحزن، مع تكرار عبارة (حين أكون في الثامنة والثلاثين لن يكون هناك أهمية لأي من هذا). تايلور يقدم شخصية الإنسان الممزق بين كآبته الوجودية وأبوته، وعلى الأغلب فإن الكوميديا النابعة من شخصية كهذه تكون الكوميديا الأفضل على الإطلاق. أما سالي هوكينز التي شاهدتها مرة سابقة فقط في فيلم مايك لي Happy go lucky كانت مبهرة بهذه المقدرة التمثيلية على الانتقال من الفتاة المرحة  التي تشع بهجة ولا تتوقف عن الضحك إلى السيدة الإنجليزية ذات الشعر القصير التي تعبر عن مختلف مشاعرها بنسق واحد حتى يبدو وكأنها شخص آخر تمامًا.

هذه النوعية من الأفلام تميل إلى أن تكون هولوودية باستمرار، لكن هذا التصوير الإنجليزي البارع جعلها تنتقل لمستوى أعلى من الحدة والخفة في نفس الوقت، بلمحات بصرية ذكية وكادرات تجعل ما يُراد منها واضحًا تمامًا، وهناك ذلك الصدق الحقيقي في التعبير عن الانكسارات البشرية على الرغم من استغلال المفارقة لخلق الكوميديا.