الاثنين، 27 أبريل، 2015

Nosferatu: A Symphony of Horror

كتب : محمود عياد

التقييم : 5/5

بطولة : ماكس شريك ، غريتا شرودر
إخراج : ف. ف. مورناو (1922)

اذا ما سألني أحدهم عن رأيي حول ماهية المدرسة الأبرز و الأعظم و الأكثر تأثيراً على الاطلاق في حركة و تطور فن السينما عموماً و على مستوى السرد القصصي السينمائي خصوصاً ، سأجيبك دون تردد .. التعبيرية ، المدرسة المرجعية التي قدمت اول تصور سينمائي حقيقي و يحمل قدراً معتبراً من النضج للقصة المؤطرة او الحكاية متعددة الأذرع في The Cabinet of Dr. Caligari لروبرت فينه ، الذي يمكن اعتباره مجازاً الفيلم التعبيري الأول أو الفيلم المؤسس لملامح التعبيرية في السينما ، ليس هذا فحسب ، بل انه يعتبر - مجازاً أيضاً - الفيلم الذي قص شريط بداية Genre سينمائي جديد لم يكن له معالم واضحة قبل ذلك او ما يعرف بأفلام الرعب ، و رغم اختلافي كلياً مع اعتبار "خزانة الدكتور كاليجاري" فيلم رعب على أي مستوى و من أي منظور الا ان الثابت و الذي لا يمكن انكاره و لا أستطيع - أو غيري - الاختلاف معه ان نوسفيراتو - مجازاً أيضا - هو أول فيلم رعب "حقيقي" وضع أسس و قواعد بُني عليها هذا النوع السينمائي الجديد حينها و أنه يعتبر بمثابة الأب الروحي لكل أفلام الرعب التي حُقِقت من بعده ، بالطبع كانت هناك محاولات سابقة لنوسفيراتو منها مثلاً Genuine : A Tale Of A Vampire لفينه أيضا او رائعة فيكتور سيوستروم  The Phantom Carriage او محاولة كارل ثيودور دراير الفانتازية عابرة القرون في Leaves Out Of The Book Of Satan او اوراق من كتاب الشيطان ، إلا انها لا تعدو كونها محاولات اجتهادية متحرشة بـ Genre الرعب من بعيد و يبقي نوسفيراتو هو من فض بكارة ذلك النوع السينمائي الوليد .

الحقيقة ان الفيلم ظل مفقوداً لفترة طويلة من الزمن ، يرجع ذلك الي دعوة قضائية كسبتها أرملة برام ستوكر على الشركة المنتجة للفيلم بدعوي انه مقتبس من روايته - الأشهر - "دراكولا" دون الرجوع إليها بصفتها وريثته ، و الحقيقة انه تمت مفاوضات بين الشركة المنتجة للفيلم و بينها قبل الشروع في انتاجه و حدثت عدة تعقيدات قانونية انتهت الى عدم وصول الطرفين إلي اتفاق مرضي للجميع ، الأمر الذي اضطر مورناو و شريكه في كتابة السيناريو هنريك جالين إلى اجراء تعديلات جوهرية في النص لمحاولة إخفاء شبهة الاقتباس من رواية ستوكر ، في النهاية تم وقف عرض الفيلم و منع توزيعه و سحب كافة نسخه من دور العرض و اتلافها بالكامل و ظل نوسفيراتو فيلما مفقوداً لعقدٍ كامل إلي ان قامت الكاتبة لوته ايزنر بتتبع نسخة للفيلم أعيد عرضها عام ١٩٣١ بتعديلات في شريط الصوت و تحت عنوان "الساعة الثانية عشرة ليلة رعب" ، و ظهرت بعد هذا عدة نسخ مُرممة للفيلم وصولا للنسخة التي بين أيدينا الآن .

نوسفيراتو .. فيلم مجدد على عديد المستويات منها و أهمها على الإطلاق - السرد - كعادة افلام الحقبة التعبيرية - ، تم هذا بشكل أساسي على محورين : أولهما حركة كاميرا مورناو الحرة المميزة التي وصلت لأعلى درجات الرقي في فيلمه الأشهر - The Last Laugh  - ، هنا مورناو يقوم بعمل عظيم مع مدير تصويره فريتز فاجنر ، حركة كاميرا مورناو مضطربة جدا تفاعلية للغاية ، يبدو هذا ضروريا هنا لإضفاء احساس القلق و التوتر اللازم لخلق أجواء الرعب ، المختلف في كاميرا مورناو انها لا تشارك فقط في صناعة التأثير الناتج عن الحدث و انما تشارك - حرفيا - في صناعة الحدث نفسه ، هي أحد عناصر حكاية الحكاية بل هي العنصر الأهم ، في ظل عدم وجود حوار مسموع للشخصيات تبرز كاميرا مورناو كعنصر ناطق وحيد يتحدث بصوت غير مسموع لا يساهم في خلق الإيقاع فحسب و انما له دور مهم و حيوي و لا يمكن الاستغناء عنه في صناعة الحبكة نفسها ، في سرد الحكاية و تطور أحداثها ، بالإضافة إلي استخدام لقطات الكلوز في نقل انفعالات الأبطال بشكل بارع ، بل يمكن التجاوز هنا قليلا اذا ما قلت ان لقطات مورناو القريبة - أو ما عُرف اصطلاحا بعد ذلك باللقطة الألمانية - تحمل علامته المائية و أن كل من وقف خلف الكاميرا من بعده نقل نفس التكنيك الذي استخدمه في نقل الانفعالات البشرية لشخوصه تحديداً .

المحور الثاني في تجديد نوسفيراتو سرديا ، و هو الأمر الأبرز على الاطلاق و الأكثر ارتباطا بالفيلم و بالتعبيرية عموما ، هو استخدام الظل كعامل من عوامل سرد الحكاية ، يظهر ذلك هنا في نوسفيراتو في كل مشاهد هجوم اورلوك على ضحاياه ، الظل يتحرك و يكبر حجمه تدريجيا فيعرف المتلقي تلقائياً ان اورلوك يقترب من ضحيته و على وشك افتراسها ، هناك مشهد هو الأروع في الفيلم كله من وجهة نظري و الأكثر - تعبيرية - عن الظل السردي ، قبيل النهاية يقف أورلوك - أو نوسفيراتو - وراء النافذة المطلة على منزل هوتر و ظلال النافذة الأفقية و الرأسية تنعكس على وجهه و كأنه محبوس في زنزانة سجن و ينتظر تحريره ، في المقابل تقترب ايلين - زوجة هوتر الواقعة تحت تأثير اورلوك - من النافذة المقابلة بينما يتسلل ظل ضوء القمر إلي ثوب نومها فتظهر تفاصيل جسدها الذي على وشك ان يتم افتراسه من قبل أورلوك ، ثم تفتح النافذة و تبقي للحظات ممدودة الذراعين في وضع الصلب إيذانا بتحرير أورلوك الذي يبدأ الحركة نحوها و ظله يكبر حجما و يقترب منها بالتدريج ، ثم يقبض ظل كف يده على صدرها في دلالة رمزية سردية على أنه امتلكها تماما . 

لا يمكن بأي حال فصل سيناريو نوسفيراتو - او افلام التعبيرية عموما - عن الواقع السياسي الذي كانت تعيشه ألمانيا في ذلك التوقيت ، لدينا هنا أمة منهكة تماما خارجة للتو من حرب طاحنة مُنيت فيها بهزيمة نكراء ، يمكن القول ان هذا كان سببا رئيسيا في ازدهار التعبيرية في السينما في ذلك التوقيت رغم انها كانت تقريبا تحتضر في كل انواع الفنون الأخري كالأدب أو المسرح مثلا ، ازدهار التعبيرية سينمائيا بعد الحرب كان مبررا للغاية ، الجمهور كان مستعدا تماما بكافة حواسه لاستقبال ابتعاد السينما تماما عن تناول الواقع الذي يعيشه لأنه مرير بالفعل ، مرارته واضحة تماما لا تحتاج للتذكير بها او إبرازها ، فظهرت الأفلام التي تتناول القوي الميتافيزيقية أو ما وراء الطبيعية أو التي تتناول حقب تاريخية سابقة لتفوق الأمة الألمانية كنوع من حث الهمم و رفع الحالة المعنوية للجمهور ، و لكن حتي تلك الأعمال التي تناولت الوضع السياسي و الاجتماعي في المانيا في تلك الحقبة - او التي عُرفت بحقبة فايمار نسبة إلي الحكومة التي تولد مقاليد البلاد ما بعد الحرب - قُدمت بشكل غير مباشر و بطريقة رمزية مبطنة ، على سبيل المثال تعرض روبرت فينه لانتقاد شديد من كارل ماير و هانز يانوفيتش كاتبا سيناريو - خزانة الدكتور كاليجاري - لأنه غير في المشاهد الأولي و الختامية للنص الذي كتباه ، كان من المفترض أن يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي يُظهر سيزار و زوجته يعيشان في سعادة و ينتهي بإسقاط السلطة المتمثلة في الدكتور كاليجاري و لكن فينه غير كل هذا ، استبدل المشهد الافتتاحي بآخر يظهر فيه سيزار تائها غير مدرك تماما لما يقوله و أنهي الفيلم بالتويست - الشهير بأنه اول تويست في تاريخ السينما - وصفه كاتبا سيناريو الفيلم ب - الجبان - نصر فيه السلطة تماما بل انه أظهر أن محاولة الوقوف في وجهها يعد ضربا من ضروب الجنون ، في نوسفيراتو الإسقاط السياسي واضح جدا ، نوسفيراتو يمثل الخطر الذي يهدد مجتمع مدينة ويسبورج تماما كما مثّلت الحرب و أهوالها خطرا يهدد الأمة الألمانية كلها أو يمكن القول بأن الإشارة هنا كانت لليهود - فيما يبدو أنه مقدمات للنازية - باعتبارهم خطرا داخليا يهدد المجتمع الألماني نفسه على اعتبار ان نوسفيراتو الذي قتل معظم سكان مدينة ويسبورج يمثل بطريقة ما مرض الطاعون الذي اشتهر بتنقله عبر الجرذان أيضا و الذي غزا اوروبا كلها و فتك بأهلها عن طريق السفن القادمة من الشرق  فربط البعض بين ذلك و بين اليهود باعتبارهم شرقيين بالأساس .

الجميل في نوسفيراتو أيضا انه مرن في بناء شخوصه ، أغلب شخصيات الفيلم تقريبا دوافعها منفتحة على قراءات متعددة ، على سبيل المثال شخصية ايلين الطيبة الخجولة شديدة البراءة يبدو انها تعاني صراعا نفسيا - على الأقل على مستوي اللاوعي - بين المشاعر التي تكنها لزوجها و احترامها له و رغبتها الشديدة في انقاذه و بين انجذابها لشخصية اورلوك بما يمثله من قدرة فائقة و خطر عظيم و ما يحيط به من غموض ، يفسر هذا مثلاً انتظارها عودة حبيبها عند البحر بينما سافر هو براً أصلا ، في الوقت الذي كان فيه أورلوك قادما إلي المدينة على متن سفينة ، ظهر هذا بشكل أكثر وضوحا في المشاهد الختامية للفيلم ، شخصية اورلوك نفسه رغم رغبته الحثيثة في القتل و الإيذاء و شرهه الواضح تماما للدماء الا انه لا يخلو من مشاعر بشرية ظهرت ناحية ايلين تتخطي مجرد رغبته في دمائها بل يبدو الأمر و كأنه أحبها و ارتبط بها بل ان دماءها التي امتصها منها و التي تسببت في قتلها قد انهت حياته هو أيضا و تسببت بمقتله و كأن حياتهما كانتا مرتبطتان معاً بطريقة ما .

على صعيد آخر برع الفيلم في استخدام إضاءة خافتة لإضفاء جو اقرب للظلمة - أو يمكن القول مجازا نصف مضيء - ، كان هذا ضروريا في خلق أجواء الرعب ، بالإضافة الي ذلك هناك بعض المشاهد مثلت عبقرية خالصة في التصوير ، منها مثلا مشهد اللقاء الأول بين هوتر و اورلوك و الحركة السريعة جدا لتلك العربة التي اقلت هوتر الي القلعة ، صنع مورناو هذا بفكرة بسيطة جدا و شديدة الألمعية أيضا ، تم تصوير المشهد بنصف سرعة الكاميرا الطبيعية و تم استبداله في النسخة النهائية للفيلم بصورة نيجاتيف له بحيث تظهر فيه سرعة الكاميرا ضعف سرعتها الحقيقية ، و تم طلاء العربة باللون الأبيض لكي تظهر سوداء في الصورة النيجاتيف ، يظهر استخدام النيجاتيف بشكل اكثر وضوحا في نهاية المشهد و العربة تقترب من قلعة أورلوك .

يعزز كل ذلك ميزانسين عظيم من أزياء لأداء مسرحي بالدرجة الأولي يبدو عليه الافتعال من أبطال العمل - كعادة افلام التعبيرية أيضا - لمكياج ماكس شيرك - في دور نوسفيراتو - الرائع و المتقن جدا بالنظر الي فترة تحقيق الفيلم ، بالإضافة الي هوس مورناو الواضح بتصوير المناظر الطبيعية في معظم افلامه ، موجات البحر المتلاطمة و الصخور الجبلية الشاهقة و غيرها و دائما ما تتقاطع مع سير الأحداث و يمكن اعتبارها جزء من السرد في الفيلم بحكم انها تصدر للمتلقي احساسا ما بالخوف و القلق مما قد تحمله تلك الموجات القادمة من المجهول أو الخطر الذي يمكن أن يأتي من وراء الجبال .
يقول مورناو "البساطة تستلزم الفن الأعظم ، الكاميرا هي قلم رصاص لرسومات المخرج ، يجب أن تكون متحركة قدر الإمكان لالتقاط كل شعور عابر ، من المهم أن ألا تكون تقنيات السينما عائقا بين المشاهد و الصورة ، كل شيء يخضع في النهاية للصورة التي ينتجها المخرج" .

يظهر هذا المفهوم جلياً بشكل واضح في نوسفيراتو ، أخذ مورناو سيناريو فكرته بسيطة للغاية و قام بتحويله بفضل استخدام حركة الكاميرا بشكل مذهل و تكوين ميزانسين يعتمد على أدوات التعبيرية بشكل كبير إلي سيمفونية رعب مكتملة الملامح ، هنا مورناو يهتم بابراز الوسيلة الفنية نفسها على حساب القصة ، اعتمد على ان الصور المرعبة لنوسفيراتو ستبقي قادرة على اثارة خوف المتفرج على مدار السنين و لن تفقد أبدا قدرتها على صنع ذات التأثير ، اقتنع تماما بأن الشكل أهم و أكثر تأثيرا من المضمون في خلق أجواء الرعب تحديدا ، و كان هذا المزيج الرائع بين القصة و التقنية بشكل غير مسبوق هو ما جعل نوسفيراتو يُعتبر من قبل الكثيرين أعظم فيلم رعب تم تحقيقه على الإطلاق بالإضافة إلي كونه أكثر أفلام الحقبة التعبيرية – تعبيرية - .