الخميس، 9 أبريل، 2015

Mothlight

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

إخراج : ستان باركاج (1963)

من يحتاج المال كي يصنع فيلماً ؟ من يحتاج الممثلين ؟ الفنيين ؟ من يحتاج الكاميرا ذاتها لصنع فيلم ؟
الإجابة : أي شخص آخر سوى (ستان براكاج).

"ها هو فيلم صنعته بحزن عميق ، الحزن مهنتي بطريقة ما ، لكن الحزن كان مفيداً لعصر الفيلم الصغير مني ، قلت لنفسي : تلك العثث المجنونة تطير إلى ضوء الشمعة ، فتحرق نفسها حتى الموت ، هذا ما يحدث لي ، لا أملك مالاً كافي لصنع تلك الأفلام ، لا أتمكن من إطعام أولادي كما ينبغي ، بسبب تلك الأفلام اللعينة ، أنا أحترق هنا ، على المصابيح كانت هناك أجنحة العثث الميتة ، أكره هذا ، يا لها من كآبة ! ، بدأتُ في التقاط الأجنحة ولصقها على شريط فيلم ، أعيدُ لهم الحياة مجدداً ، أحركهم مجدداً ، أمنحهم نوع من الحياة عن طريق آلة العرض" – ستان براكاج

أعتقد بشدة أن عملية صنع الفيلم لا يجب أن ترتبط بمدى التقدير المستحق للفيلم ، فالمنتج النهائي هو الشيء الهام الذي يجب الوقوف عنده ، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ، لكني أعتقد كذلك أن أغلب ما أعتقده – خاصة سينمائياً – هو محض هراء .

عندما يعجبنا المنتج النهائي – الفيلم – مثلاً ، نبحث بضراوة عن كيفية الصناعة وطريقة التنفيذ ، ننهال بالمديح على الفيلم وصانعه ، بينما إن حدث العكس ، لا نملك سوى العبارة الفلسفية العميقة "العمل قبل العرق" ، في فيلم (ضوء العثث) للأمريكي براكاج تصبح معرفة عملية صنع الفيلم ضرورية ، قبل المشاهدة وبعدها ، لأنها قد تصبح أكثر أهمية من الفيلم نفسه ، تضيف مزيداً من الحزن وضيق التنفس ، نفس النتيجة المتوقعة أثر مشاهدة فيلم الرجل الآخر The Act of Seeing with One's Own Eyes ، وإن كنت أعتقد أن الفيلم الأخير يجب أن تتم مشاهدته بأقل معلومات مسبقة ، حتى لا يصبح المشاهد متحفزاً لما سيراه ، و يا لهول ما سيراه !

السينما تُعلِّمنا – وهذا هو الشيء الهام حقاً – أن لا قواعد ثابتة يجب أن تكون في السينما ، لا حتى بخصوص فهمنا لها ، وتقديرنا لأفلامها ، كل أفكارنا ونظرياتنا المسبقة عليها أن تظل دوماً محل اختبار وإعادة نظر ، وإلا حصلنا على سينما ميتة ، وتجربة حياتية مُفلِسة لا تستحق الوقت المُهدَر .

الأفلام التجريبية تحمل على عاتقها مهمة السينما الأكثر قداسة ، إثبات قاعدة السينما الوحيدة ، الخاصة بعدم وجود قواعد ، فتُعيد السؤال الأبدي عن جوهر السينما وماهيتها ، السؤال الذي لن نحصل له على إجابة تدوم أو تقنع ، طالما وجدت تلك الأفلام .

حسناً ، لدينا فيلم براكاج الذي لا يعيد تعريف السينما ، إنما يؤكد فكرتها الأولى ، الضوء والظل والحركة ، فيلم لم يتم صنعه بكاميرا ، أربع دقائق فقط من مادة الفيلم الخام التي تم لصق أجنحة العثث وأوراق الزهور الميتة عليها ، بالطبع كان بإمكانه تصوير العثث والزهور الموتى ، لكنه فضّل أن يجعلهم جزء مادي من الفيلم ، جزء مكوِّن للفيلم ، أو بالأحرى الفيلم ذاته حرفياً ، الأمر الذي كان كريماً وحزيناً ، فالفيلم الجنائزي جاء من الحزن ليضيف عليه حزناً جديداً ، جاء الفيلم من رؤية المخرج المُفْلِس للعثث التي تطير صوب ضوء الشموع ، فتحترق ، حيث وجد نفسه مثل تلك العثث ، رغم أنه يملك من العقل ما قد يمنعه من الذهاب إلى ضوء الشمعة الحارقة ، لكنه كالعثث عليه أن يحترق في سبيل ما يحب ، أو في سبيل تلك الرغبة الحارقة لصنع أفلامه ، رغبة لا يمكن مقاومتها أو تأجيلها .

اليأس ثم اليأس ، كما تمتلك السينما سمعة سيئة لقتلها فنانيها ، بالإضافة إلى تعذيبهم قبل وخلال وبعد إنتاجهم الفني ، لكننا أيضاً نعرف كيف أن السينما أنقذت العديد من أهم المخرجين والأساتذة الكبار ، أنقذتهم من ثقل المرض أحياناً ، ومن اليأس المُفضي إلى الموت غالباً .

الشيء الأكثر حزناً هو أن الفيلم بمكوناته الميتة سلفاً ، يذكرنا بأن السينما ربما تكون أكثر الفنون ارتباطاً بالموت ، أفلام كثيرة بين يدينا الآن ، مر عليها قرابة القرن وبعضها أقل ، قد مات كل العاملين بها ممن نراهم على الشاشة ومن هم وراء الشاشة ، معظم الأفلام – كما نعرف – تتطلب طاقم عمل كبير ، كل هؤلاء ربما موتى الآن ، الممثلون بالأخص – حيث أننا نراهم بصورة مباشرة – قد تم الحفاظ علي بعض من حيواتهم داخل المادة الفيلمية ، ينتظرون إعادتهم للحياة من جديد عن طريق العرض ، العمل الفني وطاقمه يصبح ميت إلا أن يتم مشاهدته ، فيصبح الجميع أحياء من جديد لبعض الوقت ، يتم إعادة بعثهم واستحضار أرواحهم ، لكن الابتسامة التي تتخلل كل هذا الحزن ربما ، تكون في إحساس غامض بسعادة العمل وصانعيه لاستحضار أرواحهم المُطْمَئِنّة في كل مرة نعرض فيلمهم .