الأربعاء، 8 أبريل، 2015

Goodbye to Language 3D

كتب : مصطفى الباجوري

التقييم : 5/5

بطولة : إليويز جوديه ، كامل عبدلي
إخراج : جان لوك غودار (2014)

 فيلم المخرج الفرنسي جان لوك جودار "وداعا للغة" Goodbye to Language 3D هو بالتأكيد من أفلامه المثيرة والمهمة في الفترة الأخيرة ؛ فهو أول فيلم لجودار يحصد جائزة مهمة في مهرجان كان السينمائي وهي جائزة لجنة التحكيم ، أو وهو أيضا فيلم متمرد على طرق السرد السينمائية التي أعرفها ومتمرد حتى على أفلام جودار نفسها ، والفيلم كذلك يعرض بتقنية ثلاثي الأبعاد ومن لم يشاهده بهذه التقنية لن يستطيع تخيل مدى التجريب الذي ينتهجه جودار بخصوص رؤيته لهذه التقنية ، والأهم من ذلك أن هذا الفيلم جعلني أفكر من جديد في سينما جودار كلها وأعيد تقييمها ، جعلني أتأمل أفلام جودار السابقة كأنني أشاهدها لأول مرة .

قصة الفيلم غير مهمة أو هي نفس القصة المتكررة في أفلام جودار والتي يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات قالها جودار نفسه من قبل : رجل وامرأة وبندقية ، يمكن بمنتهى البساطة  تتبع العناصر الجودارية الثلاثة في فيلم وداعا للغة : رجل وامرأة في علاقة غرامية يتبادلان الحديث أو الأصح يتحدث كل منهما كأنما يحدث نفسه أو يتحدث مع أحد آخر حيث لا توجد علاقة واضحة مباشرة في الجمل الحوارية بينهما ، رجل آخر يهدد المرآة بمسدس ، صوت طلق ناري وبركة من الدماء ، كلب يتجول في الأحراش - وهو كلب جودار نفسه - ثم نراه في المشاهد التالية في المنزل مع الرجل و المرأة ، نسمع اقتباسات على لسان الرجل والمرأة للعديد من الأشخاص مثل كلود مونيه عندما يقول "لا ترسم ما تراه وما لا تستطيع أن تراه بل أرسم ما لا تراه" ، و ماو تسي تونج "من المبكر جدا الحكم على الثورة الفرنسية 1789" ، و داروين "الكلب هو الحيوان الوحيد الذي يحبك أكثر مما يحب نفسه" ، لقطات من أفلام قديمة بالأبيض والأسود نشاهدها على التليفزيون في حين أن الرجل والمرأة لا يبدون أي اهتمام بها أو بالتليفزيون نفسه ، صوت تغوط الرجل وجلوسه على المرحاض ، في معظم لقطاته في الفيلم تقريباً ، الرجل والمرأة يمارسان الجنس في أجواء بصرية  فاترة وباردة ، صوت امرأة من خارج الكادر تقول "نحن نلوم الدولة على تفشي البطالة .. هل أصبح المجتمع يتقبل القتل للتخلص من البطالة" .. الكلب في الريف الناصع الألوان والكاميرا تقترب منه ببطء ، يختلط نباح الكلب بصوت بكاء طفل ولا بأس وسط كل هذا بمشهد للكاتب الاسكتلندي ستفنسون في القرن التاسع عشر وهو يكتب روايته المشهورة دكتور جيكل ومستر هايد .

يمكنك تخيل ذلك التداعي الغريب - أو البسيط من وجهة نظر جودار - لهذه اللقطات يتم باستخدام صورة سينمائية مزعجة للغاية تتداخل فيها تقنية الثنائي والثلاثي الأبعاد والتجسيم والتسطيح لدرجة تجعل أحياناً مشاهدة اللقطة بكلتا عينيك أمراً مستحيلاً ، بالإضافة للتنويع البصري بين الرمادية في المشاهد التي تجمع الرجل والمرأة والألوان الناصعة المشوشة للكلب ، والقفز المونتاجي  Jumped Cutsالذي ابتكره جودار منذ أكثر من أربعين عاماً ، وزوايا التصوير التي تجعل من الحدث الأساسي - وهو غالباً اجتماع الرجل والمرأة - حدثاً فرعياً وغير مهم ويصبح التركيز على شيء آخر ثانوي مثل لوحة على الحائط أو شاشة التليفزيون أو الكلب أو قطعة ديكور موضوعة على الطاولة ، مشاهدة فيلم بهذه الغرابة بتلك الصورة هو أمر مرهق جداً ويحتاج إلى درجة عالية من التركيز والانتباه ، حتى أنك بسبب الإرهاق البصري والنفسي إذا ما استمعت إلى بداية مقطع موسيقي لتشايكوفسكي أو بيتهوفن التي يستخدمها جودار كموسيقى مصاحبة ، سوف تريد الاستغراق في تلك الموسيقى كي تريحك قليلاً ، ولكن كي يكتمل التوتر والإرهاق الجوداري فلا يجعلك تستغرق في أي قطعة موسيقية أكثر من ثوانٍ قليلة قبل أن ينتقل إلى قطعة موسيقية أخرى ..
يبدو جودار متشائماً من مصير الإنسانية ومصير الفن أيضاً ، متشككاً في قدرة الحضارة البشرية على التصدي لمشاكلها الكبرى مثل الحروب والفقر والتواصل الإنساني ، ومتشككاً كذلك  في قدرة الفن على التعبير سواء باللغة أو المجاز أو الصورة ، مثلما يقول الفيلم قد يحتاج كل إنسان لمترجم خاص به إذا استمر التواصل بين الناس على هذا النحو من الفتور وعدم الرغبة في الاستماع والاستغراق في الذات ، يظهر جودار حنيناً واضحا للحيوان وأصبح الحيوان من وجهة نظره أكثر قدرة على التجاوب والشعور والتواصل .

ورغم التشاؤم والعدمية يمكنك أن تشعر أن جودار الذي تجاوز الثمانين متحفزٌ للغاية يريد منك في المقابل عدم الاستغراق في أي وهم ، يريد منك تركيز كامل وإدراك حقيقي بدون أي تجميل أو تحسين للصورة البشعة والمخيفة للفن والثقافة ومصير الإنسان ، يرسل رسالة بها تأملات خاصة بطريقته الخاصة في هدم أي قواعد لطرق السرد السينمائية المعروفة ، وهو كذلك لا يصنع طرقاً جديدة فهو يتمرد من أجل التمرد ومن أجل الشعور بالحياة وبالأمل والرغبة المستمرة في التجديد والتفكير وتكسير القوالب الجاهزة وإعادة التفكير في كل شيء .