الثلاثاء، 28 أبريل، 2015

Imitation of Life

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4/5

بطولة : لانا تيرنر ، جون غيفن
إخراج : دوغلاس سيرك (1958)

"قطعاً أؤمن أن السعادة موجودة فقط إن سلّمنا أنه يمكن أن تُدمر بسهولة" .. دوجلاس سيرك .

الحياة عند دوجلاس سيرك هي ميلودراما متواصلة ، تتقلب أحوال البشر بين لحظة و أخرى كما تتقلب المشاعر و الأحداث طبقاً لقوانين الميلودراما ، يقدمها في أفلامه بمنظور خاص و مميز ؛ منظور الحياة ، يخلط المشاكل العاطفية بالأسرية بالاجتماعية ، يتتابع التأثر و التأثير بين الشخصيات بالطريقة ذاتها التي تحدث في الحياة ، ربما لم ننتبه إلى ميكانيزم ذلك التتابع و لكنه في حقيقة الأمر يحدث بروح ميلودرامية واضحة بل و متطرفة أحياناً ، كلام يبدو مُبالغاً فيه بشدة ، حسناً .. أفلام دوجلاس سيرك تبدو إقناعاً كافياً لمن لا يصدقون .

يفتتح سيرك فيلمه بأغنية يستهل مطلعها بالتساؤل عن معنى الحب بدون عطاء ، تتواصل الأغنية مع نزول تتر البداية و في الخلفية تتساقط قطع كريستالية جذابة تتجمع خالقة بريقاً مُلوناً جميلاً ، منذ البداية يستحضر سيرك روح الميلودراما في أكثر صورها وضوحاً ، حيث التساؤلات العاطفية التي تُقلق الشخصيات ، و المبالغات اللونية البراقة التي تُناسب شكل الأحداث و تتابعها ، تتر النهاية أيضاً فيه نفس القطع الكريستالية المُتراصة فوق بعضها البعض و فيه الموسيقى العاطفية الملحمية التي تختم نهاية حزينة ، بين نقطتي البداية و النهاية يرسم سيرك أحداثه و شخصياته بنفس الطريقة ، و لنبدأ من مشهد البداية ، اللقطة الأولى واسعة لشاطئ مزدحم بالمصطافين الذين يستمتعون بالبحر و الشمس ، و من بين الزحمة تتحرك امرأة و تهتف بقلق على طفلتها التي ضاعت منها ، تقف على درج أحد السلالم تهتف ثانية بينما يلتقط لها شخص غريب معه كاميرا صوراً ، يزداد قلقها ، تتحرك يميناً و يساراً ، تصطدم بالشخص الغريب الذى يساعدها ، تجد طفلتها تلعب مع طفلة أخرى ، تبدأ الشخصيات الرئيسية بالاستحواذ على صدارة المشهد ، يبدأ الحوار ، تبدأ فوراً أزمات الشخصيات في الظهور ؛ أزمات لها خلفيات أسرية و اجتماعية واضحة ، تكمل الطفلتان لعبهما ، يحركان مظلة فيظهر من تحتها حبيبان يتبادلان القبلات ، تُشاكس الطفلتان رجل سمين فيصورهما الشخص الغريب ، قيمة ذلك المشهد أنه بدأ من الإطار الذى ينفذ من خلاله دوجلاس سيرك إلى الميلودراما ، ألا و هو الحياة ، من بين الزحمة المُعتادة و الحدث المُعتاد تظهر الشخصيات المُعتادة أيضاً و لكنها نظراً لزمنٍ ما و ظروفٍ ما لم يتم تسليط ضوء عليهم أو ربما لم يتم تصويرهم كما هم بدون إضافة أي رتوش أدبية ، تفاصيل المشهد تحفل باحتفاء واضح بالحياة : الحبيبان اللذان يتبادلان القبلات ، المُصور الذى يحمل كاميرته في انتظار تلك اللحظات التي ستحتضن كاميرته حتى و إن كانت لإمرأة تبحث عن ابنتها الضائعة بقلق و توتر ، المرأة السوداء التي لا تحتمل فقط الوضع الاجتماعي الذى يفرضه عليها لون بشرتها و لكنها تحتمل أيضاً نظرة المجتمع تجاه طفلتها بيضاء البشرة ، يعطينا المشهد إيحاءاً خبيثاً بأن الفيلم سيسير بعد ذلك في منحنيات عاطفية ضاغطة و قدرية لقاء الأبطال تدعم ذلك الشعور ، و لكن بناء الميلودراما - كما الحال في أغلب أفلام سيرك - يأتي مُختلفاً ،  فيبتعد الفيلم بذكاء عن طبيعة المشاكل ليُركز على دواخل الشخصيات و تبقى تلك المشاكل في الخلفية كأثر مُمتد يبلغ ذروته عندما يتلامس مع واقع يفرض ذلك التماس ، فيعترض حب ستيف للورا مع طموح لورا في التمثيل ، و سوزي تحب ستيف بعد ذلك استكمالاً فقط لجانب افتقدته كثيراً ، و سارة جين لا تحتمل نظرة المجتمع لها فتصّب ذلك غضباً على آنى - والدتها - و تقرر عند وصول غضبها إلى ذروته أن تترك المنزل ، لم ينتقم ستيف من لورا بل ظل الحب بينهما قائماً ، و لم يحدث شحن و توتر عاطفي و نفسى بين لورا و سوزي عندما قررت لورا أن تتزوج ستيف بعد أن وقعت سوزي في حبه ، لم يُحولّ الفيلم سارة جين إلى فتاة ضائعة مُنحلة جاحدة بل أظهرها كفتاة غاضبة لم تحتمل سواد ذلك الغضب ، لا يفصل سيرك طبع الحياة المُتقلب عن إطار الميلودراما فتخرج الصورة في النهاية بها نفس القدر من الصدق و الزيف الموجودين في الحياة ، هي شعرة رفيعة يحافظ دوجلاس سيرك عليها بحيث لا يدفع مُشاهديه أن يُصدروا أحكاماً أخلاقية تجاه الشخصيات ، لا يُصورهم كملائكة و لا كشياطين ، هم بشر ، و طبقاً لنظريته فالميلودراما طبعهم و الطبع دائماً غلاّب .

تعامل دوجلاس سيرك مع الصورة لا يختلف عن تعامله مع الشخصيات ، دائماً دواخل الشخصيات هي التي تسيطر على خصوصية المشهد البصرية ، كمشهد المواجهة الأول بين ستيف و لورا عندما خيرها بين الحفاظ على حبهما و بين طموحها كممثلة ، توزيع الإضاءة و حركة الممثلين في الكادر ، ضيق السلالم و الاختناق التي تفرضه على الشخصيتين ، الظلال و حجم اللقطات ، توزيع يليق بالتوتر الموجود في المشهد ، يليق بالطموح الذى يجب على لورا أن تُرضيه ، يليق بالحب الذى يحمله ستيف تجاه لورا ، و ثانية توزيع بصرى لم يصور لورا كشيطان و لا ستيف كملاك أو العكس ، مثال آخر لمشهد القبلة الأولى بين لورا و بين المخرج الذى اكتشفها ، تفرض الظلال على القبلة حالة من العزلة و التنافر كونها بالأساس قبلة مُزيفة و غير صادقة مُقارنة مثلاً بالقبلة التي انطبعت بين لورا و ستيف بعد عودتهما سوياً ، الأولى تحدث في لوكيشن داخلي و بإضاءة خافتة ليلية و الثانية تحدث في وضح النهار و في حديقة حيث لون الأشجار و صفاء الشمس .

هذا هو فيلم دوجلاس سيرك الأخير الذى قدمه في هوليود قبل تقاعده و عودته إلى بلده - ألمانيا - ، تحدث الرجل هنا عن كل شيء طالما أقلقه طوال مسيرته ؛ الحب ، الطموح ، الرغبات الشخصية ، المشاكل الأسرية و الاجتماعية ، العنصرية و نظرات المجتمع التي تتحكم دائماً في مصائر البشر ، مزيج الحياة ؛ الحياة التي يُقرّ الرجل أن السعادة مُكون أساسي فيها و لكنها - السعادة - تذهب و تختفي في ظهور صاعد هابط يُعطى الحياة و بالتالي الأفلام رونق لامع جذاب مُثير للعواطف قبل التساؤلات .