الثلاثاء، 7 أبريل، 2015

Pina

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

إخراج : فيم فيندرز (2011)

لم ينقذني في كثير من الأحيان شيء بهذا القدر مثل الموسيقا

عام 2002 , افتتح المخرج الاسباني الكبير بيدرو المودوفار رائعته Talk to Her بمشهد راقص من تصميم الفنانة الالمانية بينا باوش بعنوان "مولر كافيه" , كانت تعبيراً جسدياً – وهو افضل من احتفى بالجسد كلغة تعبيرية – عن فلمه الذي يتحدث عن رجلين يقعان في حب فتاتان في غيبوبة .

على المسرح , أمرأتان مغمضتا العينين في مقهى مليء بالكراسي والطاولات العشوائية التوضع , وهناك من يزيح عن طريقهما تلك العراقيل , تعبير عن تدخل الاقدار ببعضها بطريقة ساخرة , ومن افضل من المودوفار ليعبر عن تدخل تلك الاقدار وتأثيرها ببعضها البعض جسدياً وروحياً .

كان فلم المودوفار هذا هو التعبير السينمائي عن مسرحية مولر كافيه , والذي دل بشكل أو بآخر , عن ذاتية سينما المودوفار من جهة , كونه اعتاد الاحتفاء بنساءٍ اثروا فنياً في حياته , فبعدما احتفى بالممثلة الفرنسية رومي شنايدر في افتتاحية فلمه All about My Mother كان يحتفي ببينا باوش في افتتاحية Talk to Her , ومن جهة اخرى , هذا دلاله على الانتشار الواسع الذي حققته بينا في اوروبا باعتبارها احد اهم مطوري اللغة التعبيرية على المسرح الراقص , المسرح الذي اعتاد استخدام اللغات العالمية , لغة الجسد , اللغة الاقدم في العالم , تعاون بينا والمودوفار في – كلمها في مقهى مولر – كان تكريساً للغة الجسد التي يتقنها كلا الفنانيين .

فيم فندرز يقول : أنا أحب الموسيقى أكثر من أي شيء ، أنواع كثيرة من الموسيقى ، فلم ينقذني في كثير من الأحيان أو يلهمني شيء بهذا القدر مثل الموسيقا .. حتى أنني لم أكن لأصل لجانبي الابتكاري أو تكون لدي الثقة لفعل أي شيء من دون موسيقى البلوز والروك ، لقد أردت أن أحيي ذكرى الموسيقيين المفضلين لدي بتلك الأفلام أو أرد لهم بعضاً مما قدموه إلينا ، وإلى جانب ذلك علينا ألا ننسى أنه : إذا رغبنا في شيء بشدة أو أحببناه أكثر من أي شيء أخر ، فيمكننا أن نتحدث عنه ولكن بأسلوب مختلف تماماً و بالتالي نستطيع ان نظهره في صورة افضل , اعتقد ان هذا موقف جيد لإخراج فلم وثائقي , فهو للاعراب عن التقدير ، لقد بدأ ذلك معي في وقت حماسة الشباب وفي أوج إعجابي بها حين رأيت أعمالها لأول مرة ، كان ذلك في عام 1985 في مدينة فينيسيا خلال معرض استعدادي لأعمال بينا ، هناك تم أخذي لأحدى مقطوعات المسرح الراقص ، هل هذا ضروري !؟ فليس لدي أي اهتمام بالرقص ، بعد عشر دقائق من بداية  كافيه مولر  وجدتني أجلس على حافة مقعدي وأبكي بشدة وعلمت أنه لم يسبق لي أن رأيت شيئاً بهذه الروعة من قبل ، لم يسبق أن أثارني شيء في المسرح بهذا الشكل أو اقترب مني لهذه الدرجة من قبل ، لقد شاهدت في الأيام التالية أيضاً جميع المقطوعات الأخرى التي تم عرضها هناك وكنت محظوظاً بما يكفي للتعرف على بينا شخصياً ، تحدثنا في لقائنا الأول بالفعل عن ضرورة الاشتراك معاً في فيلم ، لم تقل بينا شيئاً بل ابتسمت فقط ، ابتسامة غامضة وأشعلت سيجارة أخرى ، هل استمعت إلي على الإطلاق؟ هل كان ذلك تهرباً مني ؟ ، لم أكن واثقاً ، ولكن عندما التقينا في المرة التالية بعد عام أو عامين قالت بينا من تلقاء نفسها : لقد سبق وتحدثت عن فيلم ، هل كنت تعني ذلك حقاً ؟ ومن ثم أصبحت بينا تدريجياً القوة الدافعة .

فيم فندرز .. لهذا الرجل مكانة خاصة لدي , فعن طريقه عرفت ان السينما الالمانية سينما عظيمة , وان اللغة التعبيرية التي اشتهرت بها في العشرينيات , مازالت تنبض بين درفتي صدر هذا الرجل , وعرفت عن طريقه ما معنى الحلم في السينما , ايضا هو من المخرجين التجديديين والمبتكرين , استخدم تقنيات السينما على اختلافها بالشكل الذي يقدم عبرها وجهة نظره السينمائية , هذا الرجل الذي قدم فلمه الوثائقي – بينا بتقنية الابعاد الثلاث , هو نفسه الذي قدم قبل عدة اعوام فلمه المذهل Land of Plenty بكاميرا محمولة وعدة ممثلين , وهو نفسه الذي جمع ما بين الشعر , واللغة الايحائية التي يصيغها اللون في فلمه Wings of Desire , فلابد ان يكون حامل كل هذه الصفات , مخرجاً استثنائياً .

كما قال فيندرز من قبل , فأن لديه اسباب وشغف كافي لتحضير فلم يتكلم فيه عن بينا باوش , وكان من المفروض ان تشاركه بينا بنفسها تحضير هذا الفلم , ولكنها ماتت قبل البدء بتصويره بفترة قصيرة , مما وضع مشروع فندرز  بكامله في مهب الريح , لكن طلاب بينا وتلامذتها في المسرح اصروا على استكمال هذا المشروع السينمائي , فكان احتفالية موسيقية توديعية راقصة , لها .

وربما غيابها عن العمل كان دفعة قوية للامام ليظهر الفلم بهذا الشكل الساحر , مقطوعات موسيقية مرافقة للوحات راقصة تعبيرية قام بها مجموعة كبيرة من الموهوبين , فيم فندرز استغل تعلق اولئك الطلاب بها , فلعب على وتر الاحساس الداخلي لتعابيرهم , ولوحاتهم فبدت مليئة بالحياة , والحنين والغضب والحزن , إلى جانب الاسلوب التوثيقي الذي كان يتمحور حول الصمت , فهؤلاء لا يستطيعون التعبير عن مدى حبهم لها , إلا جسدياً , لذلك ربما كانت الكلمات القليلة في الفلم اشبه بمونولوج , بفم مغلق ..

لا اعرف كم شحن فندرز في هذا الفلم من شغف , لتظهر بينا في بعض المشاهد , بحالة مثيرة للعواطف , فالمشاهد التي ظهرت بها كانت تأبينية بشكل كبير , انها مشاهدي المفضلة في الفلم , لانها كانت مشاهد مؤثرة .

افضل ما قام به فيم فندرز هنا , انه لم يقدم بينا على انها فنانة ألمانية , بل فنانة عالمية , تحدث عنها طلابها , بكل اللغات , لغات شرقية , غربية , سحنات اسيوية , اوروبية افريقية , ربما هذا التأثير الاهم الذي تركته بينا , وهو قدرة فندرز على تقديم عمل جماعي عنها , لا بطل مطلق فيه , إلا العمل الجماعي , وهي , بصيغة الغائب الحاضر .

طيب , ما الذي اضافه الفلم لي , بخلاف هذا الكم الكبير من اللوحات الراقصة الساحرة والاغاني المميزة , والاحساس الجميل الذي ينفجر من كل لوحة , على الاقل , عرفني على بينا باوش , التي قبل هذا الفلم لم اكن اعرفها سوى من اقتباس  بيدرو المودوفار للوحتها – مولر كافيه - , اشعرني بمدى عظمة هذه الفنانة , وعظمة الفن الذي مارسته طيلة حياتها , والاهم الارث التي تركته , والذي ظهر , عبر , لوحات صممتها , وقُدمت عبر , اشخاص , عاصروها واستوعبوا وجهة نظرها التعبيرية , من الفن .

بالمناسبة , لم يتخلى فيندرز عن عادته في اقحام القطارات في افلامه , فندرز يعشق القطارات , تجدها دوماً في افلامه , فهي بالنسبة له ليست مجرد ادوات انتقال مكاني , بل زماني ايضاً , وربما كانت في فلمه هذا , انتقال روحي , لهذا السبب فأن الطفلة الوحيدة في الفرقة , خرجت , من قطار .