الأربعاء، 1 أبريل، 2015

City of God

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : أليكس رودريغز ، ماتيوس ناترغايلي
إخراج : فيرناندو ميريلليس (2002)

مونتاج جنوني ، سرعة كبيرة ، أن تنظر فلا ترى ، أم تراك رأيت ؟ ، طابع ملحمي ، أطفال وأسلحة ، صدمة ، عنف ، الكثير من العنف ، أهلاً بك في مدينة الرب !

تنوع الأساليب الإخراجية قد يكون ممتعاً ، لكنه في نفس الوقت قد يصبح مشتتاً ، هذا ما جعل للفيلم أحباء شديدي الإعجاب ، وأعداء شديدي السخط ، الفيلم يمتلك كل عناصر النجاح النقدي والجماهيري ، العنف والجريمة ، الجنس والحلم ، مع بعض الأصالة الثقافية التي ساهمت في لم شمل كل العناصر .

يبدأ الفيلم برمزية قوية واضحة ، دجاجة تهرب من الذبح وسط ملاحقة العصابة لها ، عصابة تتكون من شباب وأطفال ، تصل الدجاجة الهاربة إلى دجاجة أخرى (راوي الفيلم) ، الراوي الذي يصبح محاصر بين العصابة من الأمام ، الشرطة من الخلف ، ودجاجة تنظر إليه ، في مدينة الرب لا يمكن للمرء سوى أن يصبح رجل عصابة (أو طفل عصابة للدقة) ، أو رجل شرطة ، أو دجاجة خائفة ، يرينا المخرج المحيط والحصار عن طريق حركة دائرية للكاميرا تخطف الأنفاس ، قبل أن تنقلنا من الحاضر (القاتم) إلى الماضي (الأصفر) حيث بدأ كل شيء .

"إن هربت ستمسك بك الوحوش ، إن بقيت ستأكلك"

الراوي لا يرغب أن يصبح أياً مما سبق ، وإن ظل خائفاً كدجاجة ، يريد الخروج من المدينة ، وإيجاد عمل كمصور صحفي ، رغبته كانت لأن خيارات الحياة بالكاد معدومة داخل المدينة ، ربما خيارات الموت ليست كذلك ، لا توجد شخصية في الفيلم يمكن الوقوع في حبها بسهولة ، كل الشخصيات تبدو مؤقتة ، قد يتم تعويضها نظراً لجنون القتل الدائر بين العصابات ، لذا كل أفراد العصابات هم في الحقيقة أطفال ، لن يصلوا أبداً إلى بداية العشرينات ، أحداث الفيلم مبنية على أحداث حقيقة ، وهذا ما يمنح الفيلم أصالته ، كما يمنحه عدم يقينية ، توجد فقط في الواقع ، بينما في السينما كل شيء يبدو مرتب ومحسوب ، فتكون بعض الشخصيات لا قلق عليها ، نعرف جيداً أنه سيتم الاحتفاظ بها للنهاية .

بداية تكوين العصابة كانت السرقة على منهج روبن هود ، بداية الحرب بين العصابات كانت الانتقام الشخصي ، لكن كما نعرف – نحن و الأخوان كوهين – أن شيئاً ما لابد أن يسير بالخطأ ، الدم دائماً يغير كل الحسابات ، يربك كل المسارات المحسوبة بدقة سلفاً ، الصدمة القوية للمشاهدين كانت في العنف القائم على الأطفال ، كضحايا وجلادين ، هذا أيضاً أضاف لجدلية قيمة الفيلم ، وتطرف العاشقين والمستائين ، قتال العصابات ينتج عنه عصابات جديدة ، الصواب والخطأ لا لون لهما داخل المدينة ، فكل شيء يبدو حتمي ، المعركة تستمر بين القدر والاختيار ، من يكسب ؟ ، وهل هي معركة متكافئة حقاً ؟

تناول الفيلم بيئة وطبقة تم محوها بعناية من الصورة الظاهرية للبلاد ، المهمشون الفقراء في العشوائيات ومساكن الإيواء ، حيث لا يكترث الساسة أو الدولة بهم ، سوى لزيادتهم تهميش ، أو عندما تصبح هناك دماء تجعل الصحافة تهتم ، الموت – كما الحياة – رخيصة في مدينة الرب ، على الرغم من هذا لم يتخذ الفيلم أبداً وجهة نظر الدولة أو الشرطة ، فقط وجهة نظر العصابات ، وهذا شيء جدير بالاحترام حقاً ، بالطبع الراوي ليس من أفراد العصابات ، لكنه كان أخاً لأحدهم ، كما أصبح يتعامل معهم – اجبارياً واختيارياً – بصفة يومية ، ويظل أحد سكان المدينة الواقعين تحت الضغط والخوف المصاحب لعدم الانتماء ، ما بين عصابة ودولة يشتركان في العبثية وعدم الرحمة .

عند عرض الفيلم في البرازيل تم استقباله بالمدح من قبل رئيس البلاد الاصلاحي الجديد لولا دا سيلفا ، تعرضت المدينة لاهتمام حكومي كبير لم تعرفه سابقاً ، يبدو أن السخرية النابعة من اسم المدينة وأحداث الفيلم أتت بتأثير قاسي مطلوب ، خاصة مع مفاجأة متوقعة قرب النهاية .

الشخصيات كثيرة وغنية ، بتفاصيلها ودوافعها ، ما بين دوافع نعرفها وأخرى غامضة ، المخرج استعان بممثلين غير محترفين من نفس المنطقة التي جرت بها الأحداث الحقيقية ، لأن المخرج لم يجد ممثلين محترفين سود البشرة كافيين لفيلمه ، هذا القصور أصبح أكثر شيء جيد حدث لمخرجه ، فالهواة اضافوا للفيلم ارتجالاً ومصداقية لم تكن لتوجد بممثلين محترفين ، كما ساهمت في أصالة الفيلم ، والشعور بعدم اصطناعه ، رغم صنعته الجيدة وتمكن مخرجه من كافة أدواته .

الأثر (السكورسيزي) ملحوظ من البداية للنهاية ، لكن الخلاف الدائم كان أي فيلم لـ (سكورسيزي) يمكن وضع اسمه مع اسم (مدينة الرب) ، البعض قارن الفيلم البرازيلي بعمل سكورسيزي الكبير Goodfellas ، نظراً لراوي يأمل في أن يصبح رجل عصابات ، بالمقارنة مع راوي فيلمنا الذي يسعى ألا يصبح واحداً ، أيضاً تمت مقارنة (مدينة الرب) مع Casino و Gangs of New York ، بالأخص الأخير نظراً لتقارب صدور الفيلمين وللعنف والقسوة بهما ، على أي حال الفيلم بإمكانه جعل (مارتي) فخوراً.

الفيلم المقلق لجأ إلى واقعية تتطلب دموية وقسوة وصدمة ، فهو فيلم لا يخشى أن يصدم ، طالما الصدمة غير متعمدة وتلقائية ، الفيلم ينتقل بحرية في الزمن ، يستخدم كثيراً الفلاش باك بصورة متنوعة وقصصية ، تم تقسيم الفيلم إلى فصول ، حيث علينا العودة إلى أجزاء مختلفة من الماضي ، لنصل إلى اللحظة التي رأيناها في البداية ، وسنراها كذلك في النهاية ، يستخدم الفيلم كاميرا محمولة ساهمت في اشعار المشاهد بالحصار ، حيث لا كاميرا رزينة تجعل المسافة كبيرة بين المشاهد والفيلم ، إنما تجعله على بعد خطوة مما يحدث أمامه ، ولا سبيل للهرب.