الثلاثاء، 31 مارس، 2015

Ikiru

كتب : مصطفى الباجوري

التقييم : 4/5

بطولة : تاكاشي شيمورا ، هاريو تاناكا
إخراج : أكيرا كيرواساوا (1952)

من كل السمات التي تميز سينما المخرج الياباني العظيم أكيرا كيرواساوا ، هناك عنصران يشكلان - في رأيي - الأساس لكل فكره السينمائي هما الاهتمام بالصورة كوسيلة تعبير سينمائية ، وإنسانية الحكاية المستلهمة من روح المأساة الشكسبيرية ، هذان العاملان في رأيي هما السبب في جعل أفلامه عالمية تعبر عن هموم إنسانية مشتركة حتى وإن كانت تحكي قصص الساموراي المتأصلة في الثقافة اليابانية ، وفي جعله أيضا المخرج الياباني الأكثر انتشاراً وتأثيراً في السينما العالمية .

"أن تحيا" أو Ikiru من أهم أفلام كيراساوا وأكثرها تقديرا خارج فئة الساموراي ، عن رجل في منتصف العمر ، موظف حكومي يدعى واتانابي ، يكتشف في أحد الأيام إصابته بسرطان المعدة وأن لديه في هذا العالم بضعة أشهر على الأكثر ، ينظر الرجل تحت تأثير الصدمة إلى حياته الماضية والمتبقية فلا يرى شيئاً ، يتلمس حياته الرتيبة كأنه يراها لأول مرة كالطفل الذي يفتح عينيه على الحياة لأول مرة ، يحاول أن يخبر ابنه بمرضه فيسمع بالصدفة حوار الابن مع زوجته ويكتشف انتهازيته وتفكيره في الأموال التي سيرثها من الأب فيتراجع عن إخباره ، يسترجع ذكرياته مع ابنه الوحيد التي كانت حتى وقت قريب تمثل شعوره تجاه ابنه وعالمه الداخلي المبنى بإحكام قبل أن تهزه الصدفة وتكشف زيفه ، يتغيب عن العمل لأول مرة في حياته ويسحب مدخراته ، يتعرف على شاعر مفلس في احدى الحانات ويأخذه الشاعر - الذي يمثل النقيض التام لحياته - ليكشف له عالماً مختلفاً لم يعشه ولم يعتقد يوماً أنه موجود ، عالم زاخر بالحياة والاستمتاع والبهجة والألوان والعفوية والعشوائية ، تذهب احدى الموظفات الشابات كي تطمئن عليه بعد غيابه ويدهش واتانابي مجدداً عندما تخبره الموظفة بنيتها ترك الوظيفة لأنها تشعر بالملل ، هكذا ببساطة شديدة "لأنها تشعر بالملل" ، يكتشف الرجل حياته بكل ما فيها من ملل ورتابة ونظام دون إنجاز أي شيء حقيقي ، حياة يعيشه ولكن بعيون مغلقة على ذاته وتصوراته الخاصة عن ابنه وعن عمله وعالم آخر لا يعرف عنه شيء حيث الحياة بصورتها النقية بدون أي تعقيد أو تقييد .

شغف كيروساوا بالسينما والحياة هو السبب في تلك العاطفية والروح الكامنة في عمق أفلامه فهو ينظر للسينما بعين طفل مبهوراً ببراءة الصورة وبهرجتها وتفاصيلها وتكوينها مسحوراً بحركة الكاميرا وحيويتها و الكادرات الواسعة الأشبه باللوحات .

في احدى لقطات الفيلم المعبرة عن حالته وعن استخدام الصورة : عندما يكتشف الرجل مرضه يمشي حزيناً ، تتبعه الكاميرا وهو مستغرقاً في عوالمه الخاصة التي على وشك التهدم ثم تتحرك الكاميرا حركة سريعة مباغتة عندما يريد أن يعبر الشارع كي تلقي بالرجل وسط الحياة بأصواتها وضوضائها وصخبها ، وتنقله من عالمه الخاصة للعالم الحقيقي الذي لم يشعر بوجوده من قبل ، كذلك يمكن ببساطة ملاحظة التناقض البصري والإيقاعي الحاد بين رتابة حياة واتانابي التي تشبه الموت قبل اكتشاف اصابته بالسرطان وبين حيوية وحركة مشهد الكازينو مع الشاعر و مشهد الملاهي مع الموظفة الشابة التي تبدو مشاهد ملونة من فرط بهجتها البصرية واستغراقها في نشوه الحياة الساذجة البسيطة .

يموت واتانابي ويعرض الجزء الأخير من الفيلم مشهد العزاء حيث يجتمع أهله وأصدقائه في العمل ، وبحبكة متصاعدة ومشاهد استرجاعية متقنة ، نراهم يحاولون تفسير سبب تغير حال الرجل في الفترة الأخيرة وسبب سعيه في مشروع بناء الحديقة ومحاربته للبيروقراطية التي تعايش معها طوال حياته في عمله الحكومي حتى يساعد الناس في أحد الأحياء الفقيرة ويجعل حياتهم أفضل ، مشهد العزاء الأخير بطريقة تنفيذه الذكية أعاد إلى ذهني المأساة الشكسبيرية التي سيطرت على كيراساوا طوال مسيرته الإخراجية ، مشهد مؤلم للغاية حيث مجموعة من الرجال البائسين يكتشفون - بتأثير السكر وموت صديقهم والمثال الذي قدمه - هم الآخرون زيف عالمهم ووطأة القدر على حياتهم ، ويعتزمون وهم في قمة السكر أن يحذو حذو واتانابي في عملهم ، وفي الصباح عندما يعودون إلى العمل يرضخون لحياتهم مرة آخرى ! ، مشهد مثير للتأمل بما فيه من مأساة وسخرية والاحساس بالعجز أمام القدر .

و مع ذلك الفيلم يبدو تائهاً إلى حد ما بين الجزء الأول والجزء الأخير ولم يوفق في الربط بينهما ، في الجزء الأول رجل في خريف العمر يكتشف أن النظام والرتابة تقتل الحياة الحقيقية وأن المطلوب هو الاستمتاع ببهجة الحياة والانسياق لسذاجتها وعفويتها ، والجزء الثاني رجل وجد أن حياته مرت دون أن يفعل شيء له معني حقيقي فيقرر أن يجد هدفاً لأيامه المتبقية حتى لو كان بسيطاً ، زاد من هذا الشعور بالانفصال الصورة التي تبرز الحالة الأولى بينما السيناريو يعبر أكثر عن الحالة الثانية .

في النهاية شغف أكيرا كيراساوا بالحياة كما هي بما فيها من فرح وألم وحب ومأساة ووعود وضعف ، وإيمانه بأن السينما مرآة صادقة تعكس كل ذلك هو ما يجعل فيلم Ikiru كلاسيكية إنسانية خالدة .