الأربعاء، 18 مارس، 2015

Punch-Drunk Love

كتبت : زهراء إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : آدم سندلر ، إيميلي واتسن ، فيليب سيمور هوفمان
إخراج : بول توماس آندرسن (2002)

"أشعر أحيانًا أني وحيدٌ للغاية ، لذا فإنني أكتب فيلمًا لأكون مع الآخرين" - بول توماس أندرسون

حينما تريد أن تحكي موقفًا لشخص ما فإنك تستخدم تعبيرات وإيماءات معينة تحاول أن تضع بها الحكاية في سياق مشابه لسياقها الأصلي إلى حد كبير كي تجعل المتلقي يندمج معك كليًا ، لذا فحين تود أن تصف ما يعنيه أن تكون شخصية مضطربة نفسيًا ومعتلّة اجتماعيًا مع ظروف سيئة في المجمل فإن الأمر لن يكون يسيرًا ، لا عليك ولا على المتلقي ، هذا ما فعله بول توماس أندرسون في هذا الفيلم ، حيث خلق حالة مضطربة بشكل مكثف لمدة ساعة ونصف ليجعل تعقيدات شخصية باري إيجان تتلبسك وتجعلك جزءًا منها ، إذ لا يهم ما إذا كنت ستشاهد فيلمًا جماليًا أو أنك ستهتم بحركة الكاميرا أو الموسيقى التصويرية بقدر ما أراد أن يجعلك تعيش حالة من القلق والارتباك مماثلين لما تعيشه شخصية كهذه في حياتها بشكل كبير.

آدم ساندلر في دور باري إيجان ، شخصية معقدة اجتماعيًا مع أزمات شخصية كبيرة تجعله في حالة ارتباك وتوتر دائمة ، له سبعة أخوات سيجعلنك تكرههن بسهولة مع بداية الفيلم ، غير أنهن يحببنه ، ولا يتنافى ذلك مع قدرتهن على استفزازه باستمرار وعدم فهمهن له على الإطلاق ، يبدأ الفيلم في مكتب خال إلى حد كبير في نهاية رواق كئيب مليء بالأبواب المعدنية ، مكان لورش العمل / آلاتي ، يفتقد للمسة البشرية بالكامل ، يسير فيه باري ويقف قليلًا ، وبلا مقدمات أو معنى ينفجر إطار سيارة مسرعة فتنقلب ، وإذ خرجت من إطار الكادر لم يعد لها وجود في الفيلم ، في اللحظة التالية تأتي شاحنة مسرعة وتلقي بهارمونيوم في نهاية الرواق وتطير مسرعة ، هكذا يقوم أندرسون بإعطائك فكرة عما أنت بصدد مشاهدته - أو معايشته بشكل أدق – حتى لا تهدر وقتك في شيء لن تكون مقدِّرًا له في النهاية ، لكن هذا ليس مستغربًا على الرجل الذي جعل السماء تمطر ضفادع ذات مرة في سياق درامي واقعي ، البداية القلقة والسريعة تليها أحداث ممطوطة قليلًا تتيح للمشاهد مجالًا كي يراقب ردود أفعال ساندلر بشكل أقرب حتى لا يتهرب من فهم دوافعه في حالات غضبه أو حزنه أو فرحه ، تتدخل أخواته بعد ذلك في المشهد واحدة تلو الأخرى تطلبن منه أن يحضر إلى حفلة ما ويؤكدن عليه ألا يتهرب كما يفعل دائمًا ، لك أن تتخيل بول توماس أندرسون في تحضير مشهد الحفلة وهو يطلب من الأخوات كلهن التحدث في نفس الوقت بهراء لا معنى له ، بحيث يطغى الحديث الجماعي على وجود سياق أو هدف لأي كلام يقال ، مما يؤدي لانهيار مفاجئ لباري تحت الضغط محطمًا بابًا زجاجيًا ، ثم يلجأ بعد ذلك إلى البحث عن أحد يتحدث معه فيقع في ثلة من النصّابين ، و بين كل ذلك يتمحور الخط السردي الأساسي حول التغيير الذي سيطرأ على الحالة الوجودية المضطربة لباري إيجان حينما يقع في الحب ، من هنا يأتي اسم الفيلم الذي يخبرك أنه سيكون حبًا عاصفًا.

الفيلم رومانسي مع لمسة كلاسيكية واضحة ، يبدأ أندرسون بإعطائك أطرافًا لعدة خيوط سردية متفرقة ثم يضفّرها جميعًا أمامك في حبكة درامية تسير على مهل رغم القلق الذي يؤطرها ، كأنك تشاهد فيلمًا كلاسيكيًا يحكي قصة ساذجة نوعًا ما عن عصابة بلهاء وقصة حب ملتهبة حيث ينتصر الأخيار في النهاية ، لكن الموسيقى التصويرية تجعلك مضطربًا بشكل مستمر ، الفرق أن هذا الفيلم ليس ساذجًا على الإطلاق ، إنه مزج متزن بين دراما إنسانية قوية مع كوميديا سوداء هزلية ، الموسيقى الكلاسيكية مع حركة الكاميرا يعطيان هذا الانطباع طوال الفيلم ، كما أن الفيلم لا يحتوي على الكثير من الحوارات المكثفة ؛ حيث يعتمد إلى حد كبير على التلقي البصري للمشاهد ، الكلام لا يصنع الحالة ، في حين أن الصورة القوية والأداء العظيم قادرين على بناءها تمامًا ، "معظم الوقت أفكر في صناعة فيلم صامت ، هناك نظرية تقول بأن أعظم الأفلام ينبغي أن تكون أفلامًا صامتة" - بول توماس أندرسون.

الشخصية الرئيسية باري إيجان في حالة ركض مستمر طوال الفيلم ، إنه يجري دائمًا ، مرة وهو يحمل الهرمونيوم من عرض الطريق ، هذا الهرمونيوم الذي أحبه وهو يظن أنه بيانو ، أو وهو في مكتبه يحاول الهرب من الضغوط المتفرقة القادمة من اتجاهات عدة ، أو لأنه يريد الهرب من عصابة لا تلحقه أساسًا ، أو لأنه يبحث عن الانتقام ، مسافرًا من ولاية إلى أخرى ، بدون وسيلة مذكورة سوى قدميه ، أو لأنه سعيد وغارق في الحب ، حتى يرقص مبتهجًا ومتقدًا بالحماس في مشهد جميل للغاية ، أما شخصية (الشرير) التي قام بها فيليب سيمور هوفمان فإنها مُربكة كثيرًا ، لا أحد ينتظر من هوفمان ذو الملامح الحزينة الطيبة أن يقوم بدور قاسٍ ، أندرسون يعلم ذلك ، لذا فحينما ينفعل هوفمان غاضبًا لا يمكن للمشاهد إلا أن يضحك على هذا المشهد الهزلي الذي يحمرّ فيه وجه الشرير وهو يصرخ مكررًا لباري إيجان على الهاتف بأن يخرس ، الشر ليس جادًا ، فعندما يقف ساندلر في مواجهة هوفمان في صمت يمكنك أن تشعر بأنهما نفس الشخص مع اختلافات طفيفة.

يبدو آدم ساندلر وكأنه قد انسلّ من جلده الكوميدي الساخر الذي لازمه طوال مسيرته الفنية ، هذا الدور كان مفاجئًا ومبهرًا بالنسبة لي تمامًا ؛ إذ يبدو وكأن الرجل يثبت قدرةً فائقة على أنه ممثل متعدد الشخصيات لا يمكن أن تضعه في الإطار الساخر للأبد ، بعد ذلك بسنوات قليلة قام ساندلر بأداء دور الرجل المكلوم حزنًا على فقد عائلته في حادث تحطم طائرة في فيلم  Reign Over Me، في مشهد درامي يتحدث ساندلر عن أسرته بحزن شديد ونبرة صوت مرتعشة جعلتني أشعر بأنه انتظر كثيرًا حتى وجد أدواره المناسبة ، المارد الذي استخرجه أندرسون من ساندلر.