الأحد، 1 مارس، 2015

Wild Strawberries

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : فيكتور شويستروم ، إنغريد تولين ، بيبي أندرسن
إخراج : إنغمار بيرغمان (1957)

أريد إيجاد صلة مباشرة بيني وبين الناس لأخبرهم بأشياء عن أنفسهم وعني أيضاً ، فربما يصبح بإمكاننا بالوسائل المتواضعة تغيير بعض الأشياء ولو كانت أشياءا صغيرة - انجمار بيرجمان .

بطل الفيلم ايزاك بورج يستيقظ في صباح ما ويجعل من يومه هذا يوماً للحسَاب مع ما فات من عمره ، يرى نفسه في الحلم مشاهداً لعربة يجرّها حصانان تنقلب ويخرج منها تابوت يحمل جثّته هو شخصياً ، يستيقظ في حالة رعب ويُدرك ان الأيّام القادمة ستحمل له ما هو مُختلف ، يسافر الي الجامعة للحصول علي الدكتوراه الفخريّة ، وفي الطريق يصادف مجموعة من الشباب ويقرّر أن يقلهم معه ، وحين تتولّي زوجة ابنه القيادة تكاد أن تصطدم بسيّارة مُسرعة قادمة من جانب الطريق ، يذهب كل راكبي سيّارة ايزاك لمحاولة انقاذ السيّارة الأخرى ويذهب راكبيها - رجل وامرأته - معهم في الرحلة ، يغادر الرجُل وامرأته في منتصف الطريق بسبب نزاعاتهم سوياً ويكمل بورج الطريق مع الشباب الي أن يصل ويتم التكريم ، وفي النهاية يستلقي علي سريره ويودّع ماضيه ، ويذهب الي الأبد .

بنظرة بسيطة يحكي الفيلم قصّة طبيب عجوز يُفكّر في نهاية حياته بالتزامُن مع تكريمه وحصوله على الدكتوراه الفخريّة ، يذهب مع زوجة ابنه في رحلة طويلة الى جامعة لوند ، لكن كعادة بيرجمان يحمل الفيلم في داخله الكثير ، يحكي الفيلم قصّة المُسن الواقف على أطلال حياته ، حبه الأوّل وطفولته وقراراته المصيريّة في حياته ، وينتهي من ذلك الي اشكاليّات اكتشاف الذات والتسامُح مع الأخطاء والأقدار والمصَائر ووجود الاله والشك - وهو ما لازم بيرجمان نفسه طوال حياته .

بشكل أو بآخر هذا الفيلم ينعكس على بيرجمان نفسه ، وهو ما ذكره الرجُل في مذكّراته بعنوان (المصباح السحري) وكالعادة يمزج بيرجمَان في الفيلم بين ما هو واقعي وبين ما هو مُتخيّل أو مجازي ، ويتطرّق فيها باستفاضة الى الفقد والشكوك وثنائيّة المَاضي والشعور بالذنب وهو ما قدّمه بشكل صارخ ففي أحد المشاهد المُتخيّلة ينسى بورج عند سؤاله قانون الطب الأوّل في نفس اليوم الذي سيتم فيه التكريم ، فحتّى الانجازات الماديّة التي قام بها الرجُل هي لا شيء ، وهو ما قد يلجأ اليه الرجل في تبرير انانيّته أو تمسّكه الشديد بالحيَاة . وفي النهاية حين يُدرك بورج أخطاءه ويرغب في التكفير عنها يحاول الاصلاح بين ابنه وزوجته ، يعرض على خادمته التي عاشت معه الزواج لكنّها ترفض ، يستلقي بورج على سريره وفتح نافذته ، يقرّر توديع ماضيه ويرحَل .

بصريّا يُقدّم كعادته الصبغة التي لازمته بعد ذلك ، لقطات الكلوز اب بكثرة ، ويفرد مساحات طويلة من الصمت والتأمُّل بحركة محدودة للكاميرا -تحت ادارة جونار فيشر- ومونتاج انسيابي بديع جداً وايقاع يأتي من داخل شخصيّاته المُعذّبة .

 جُزء مُهم من هذا الفيلم يقع على عاتق آداءٍ صادق جداً قدّمه فيكتور شويستروم ، رائد السينما السويديّة وصاحب The Phantom Carriage  وهو واحد من أفلام بيرجمَان المُفضّلة ، آداء شويستروم في الفيلم عظيم ونافذ في العُمق ، يبدو فعلاً كأنّما يحمل ما في النص الي تعابير وجهه ولغة جسده ونظراته الزائغة ونبرة صوته العميقة ، وخصوصاً في المشهد النهائي وهو واحد من أعظم المشاهد الانعتاقيّة التي شاهدتها في حياتي .