السبت، 28 فبراير، 2015

All About My Mother

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : سيسيليا روث ، ماريسا باريديس
إخراج : بيدرو ألمدوبار (1999)

في لقطة عابرة في فيلمه الأشهر Talk To Her يدخل بينجنو غرفة المستشفى التي يجلس فيها ماركو بجوار حبيبته و هي في غيبوبتها الطويلة و بينما يتحدثان ينزع بينجنو من على ملابس ماركو خيط رفيع صغير بأسنانه ، من الممكن أن تٌفسر تلك اللقطة بطريقة خاطئة طبعاً ، لكن بيدرو ألمودوبار لا يكترث إطلاقاً بأي فهم أو تفسير خاطئ .

سينما هذا الرجل جميلة ، عذبة ، مُبهجة ، دافئة و حميمية ، تحتفل بالحياة و بأبسط ما قد تحمله من مشاعر ، يقترب من المُشاهد بحميمية مُدهشة عن طريق شخصيات تبدو دائماً خارج دائرة التواصل الإنساني ؛ أم تهرب بعيداً عن زوج متحول جنسياً ، راهبة تمارس الجنس مع متحول جنسياً مُصاب بالإيدز ، ممثلة شهيرة تقع تحت أسر و إدمان ممثلة أخرى تُشاركها عروضها المسرحية ، الميلودراما في سينما ألمودوبار هي ميلودراما مُخلصة جداً لشخصياتها ، و ليست لسلوك و ظروف ما يُحيط بهم ، حنون عندما يقسو عليهم و صادق مُبهج عندما يمنحهم لحظات سعادة قليلة ، لا يبحث عن الخلاف و الاختلافات بين البشر لكنه يسعى جاهداً إلى خلق مساحة واسعة جداً من التواصل بين كل أصناف البشر ، في اللقطة السابق ذكرها يجمع بين شخصيتين من ظروف مختلفة تماماً جمعهما المرض و شبح الموت و الفراق ، ألمودوبار لا يبنى علاقة حميمية بالمفهوم السطحي للكلمة ، هو يخلق علاقة قائمة على مشاعر صداقة و عفوية ، كالعلاقة التي نشأت هنا بين راهبة و متحولة جنسياً و إمرأة وحيدة ، تزول الفروقات و تختفى لإحداث تأثير التواصل الإنساني في أنقى و أبهى صوره .

عندما تلتقى مانويلا بوالد وحيدها المتوفى يتجاوز ألمودوبار سريعاً لحظات الغضب التي تملأ مانويلا ، سريعاً يستخدم الميلودراما كي يحقق التواصل و الحميمية التي ينشدها ، سيناريو الفيلم يعتمد على الميلودراما لا لتضخيم الأمور و المشاعر و رسم هالة قدرية للأحداث ، و لكنه يعتمد عليها كي يخلق أرضية تستطيع كل شخصياته أن تتواصل من خلالها ، كلقاء روزا بوالدتها بعد فترة جفاء طويلة مثلاً ، أو لحظة اعتراف مانويلا لأوما بالجرح الذى تُخفيه بين ضلوعها ، أو حتى بذروة الميلودراما هنا عندما مات استيبان فى حادث السيارة الأليم ، دائماً وراء كل لحظة ميلودرامية تتابعات نرى فيها الشخصيات تتفاعل و تتطور ضمن إطار إنساني صادق جداً بطريقة تسمح لنا كمُشاهدين في النهاية أن نحب تلك الشخصيات ، و نُنحى جانباً أي معايير أخلاقية قد نُطلقها عليها .

بروح سينمائية مخلصة لكلاسيكيات الميلودراما التي قدمتها السينما الأمريكية يقدم ألمودوبار أطر بصرية تستغل الألوان و الإضاءة لنقل ذلك الشعور بميلودرامية الأحداث ، لا يترك صغيرة و لا كبيرة إلا و طبعها بروح ملونة مُبهجة مُقبلة على الحياة ، الألوان هنا داعم أساسي لتلوين حياة الشخصيات نفسها ، لكى نشعر بأن الحياة هي كوكتيل ألوان مُشرق و جذاب رغم ما قد تحمله أحياناً أو كثيراً من مآسي و مصاعب و مشاعر فقدان و فراق و وحدة .

إذا أردت أن اختزل أو أن أصف سينما ألمودوبار في لقطة فستكون بالتأكيد تلك اللقطة التي ذكرتها في بداية مقالي ؛ عفويتها و صدقها و تأثيرها والأهم وجودها على هامش أشياء كثيرة جداً ، و هذه هي سينما و شخصيات ألمودوبار .