الاثنين، 2 مارس، 2015

Limite

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : أولغا برينو ، تاتيانا ري
إخراج : ماريو بيشوتو (1931)

أثناء دراسة المخرج في أوروبا ، وجد على أحد أغلفة المجلات صورة لفتاة تنظر مباشرة إليه ، بينما أمامها يدي رجل ، لا يظهر من الرجل سوى اليدين التي في الأصفاد ، تلك الصورة تسببت – بشكل مؤثر – في صنع سيناريو الفيلم ، عندما عاد كاتبه إلى موطنه البرازيل ، عرضه على العديد من المخرجين ، رفض الجميع ، قرر الشاب – بمساعدة أحد الممثلين المتحمسين للفكرة – أن يقوم بإخراجه بنفسه ، متأثراً بالتعبيرية الألمانية ، المونتاج الروسي ، كلب (بونويل) الأندلسي بالطبع .

أقوى عوامل الفيلم ربما كان عمل الكاميرا ، زوايا مبتكرة مذهلة نظراً إلى عمر الفيلم ، كما أنها تظل جميلة إلى يومنا هذا ، أحياناً الزاوية منخفضة مائلة كزوايا ويلز ، أحياناً تنظر الكاميرا إلى السماء عبر الأشجار مثل (راشومون) كوروساوا ، أحياناً تسبح في الهواء بصفاء وتجرد ماليك ، الكاميرا تختار بعناية صبورة ما تنظر إليه ، كما أنها عبرت كذلك عن الحالة النفسية للشخصيات ، وقت الاحساس بالهذيان أو الدوار مثلاً ، نجد الكاميرا ترادف الشعور ، وتتخذ حركة دائرية مترنحة ، ترنح قد يصل إلى أن يصير زاوية 360 درجة !

الفيلم يمتلك عدد من الصور التي يمكنها أن تبقى مع المشاهد لفترة طويلة ، البحر المتلألئ بفعل الشمس ، العيون التواقة إلى الحرية في مقابل السجن والقضبان ، آثار الأقدام على الرمال والتي ستمحوها الأمواج مثلما ستمحى أصحاب الآثار فيما بعد ، بعض اللقطات كانت مقربة للغاية بطريقة استثنائية ، لقطات لبعض الأغراض الصغيرة ، لكنها تُشكِّل كل شيء بالنسبة للشخصية ونمط حياتها ، زر قميص قد يحتل كادر بأكمله ، التركيز على الأيدي ، على الأقدام ، وتتبع الحركة الخاصة بهم منفردين ، بريسون لكان سيكون سعيداً بهذا الفيلم ، الكاميرا رصدت بحرص التفاصيل الدقيقة للمحيط الخارجي والداخلي للشخصيات ، كما رصدت تفاصيل الشخصيات ذاتها بدقة ، حيث تم التركيز المنفرد أحياناً على الفم وعلى الشعر في أوقات أخرى .

هناك تنوع بين اللقطات الثابتة ولقطات الحركة ، الزمن الطويل للقطات الثابتة – بخلاف المعتاد في السينما الصامتة – ساعد في حفرها بعمق في ذهن المشاهد ، هذا يكون الغرض في أغلب اللقطات الثابتة الطويلة عموماً ، لدينا هنا محاولة ناجحة ، اضف إلى ذلك القطع عن طريقة التركيب البطيء للصور ، حتى يبدو وكأن الصورة الأولى لن تترك أبداً الكادر للصورة التي تليها ، كل هذا التأني والصبر لم يمنع الفيلم أحياناً من استخدام مونتاج روسي سريع ، الشيء الذي – للغرابة – لم يُشكِّل كسراً لطبيعة الفيلم البطيئة .

الفيلم طموح للغاية ، يجرب كل شيء ، هو لم يكن فقط أول أعمال مخرجه – 22 سنة أثناء التصوير – مثل مواطن (ويلز) ، لكنه كان كذلك عمله الأخير رغم عمر الروائي المديد ، على أي حال الفيلم صار واحد من أعظم الأفلام الصامتة ، تم انجازه في أول الثلاثينات بعد دخول الصوت إلى السينما ، لكنه جاء ليقول من يحتاج الصوت حقاً ، لذا أصبح أهلاً ليكون واحد من أعظم أفلام السينما إجمالاً ، تحفة منسية كانت لتصبح مفقودة ، لولا إيمان شخص واحد ، مؤمن بالفيلم ، ساهم بمفرده في إعادة اكتشاف الفيلم ، وتقديمه للعالم .

الفيلم يستخدم أساليب متنوعة ، تصوير فريد ، مشاهد تجريدية ، استخدام مميز متداخل للفلاش باك لعدة شخصيات في آن واحد ، لم يلجأ للعناوين التوضيحية – كما هي العادة في الأفلام الصامتة – سوى مرتين ، واحدة منهما عن طريق خبر له علاقة بالقصة داخل جريدة ، يقوم الفيلم بتصوير الأماكن والأبواب قبل وبعد دخول الشخصيات ، قبل وبعد احتلالها للمساحة المكانية الخاوية ، مانحاً الاحساس ذاته في أفلام أوزو و بريسون ، الحياة كمرحلة انتقالية نحتل بها الفراغ لبعض الوقت ، لا أكثر .

أحد المشاهد يعرض جمهوراً يشاهد واحد من أفلام شابلن ، يرصد المشهد ضحكات الجمهور ، بنفس الأسلوب الذي سيستخدمه بريستون ستورجس في Sullivan’s Travels ، لكن بوقع مخيف شرير لا يتناسب مع فيلم شابلن ، وإن كان يتناسب مع الاسقاط الساخر بين فشل محاولة شابلن في الهرب من السجن ، وفشل محاولة أحد الشخصيات في الهرب كذلك لاحقاً ، في مشهد آخر ، نرى الفتاة بهيئتها ومشيتها داخل كادر يذكر بفتاة بريسون (موشيت) ، الفيلم يذكرنا بالعديد من الأفلام ، والعديد من المخرجين ، لأن الفيلم – كما سبق – قد قام بتجريب كل شيء سيتم استخدامه لاحقاً ، أو كل شيء جيد على الأقل .

يبدأ الفيلم وينتهي بالطيور ، موضوع الفيلم لا يترك احتمال لتأويل رمزية الطيور ، الحرية هي السمة الرئيسة للفيلم ، الحرية المكبَّلة بالأصفاد بينما تنظر الفتاة متحدية ، الفيلم ينظر ببعض كآبة إلى الحياة المحدودة ، الجسد المحدود ، الحلم المحدود ، السينما المحدودة ، أم هي ليست كذلك ؟

الفيلم نصفه سردي ، نصفه تجريدي ، بالكامل تجريبي ، أحياناً يتولد الشعور بأنه فيلم استعراضي ، لكنه – وإن كان صحيحاً – يظل استعراضاً آسراً ، محفزاً للشعور أكثر منه للفكر ، مستقراً على شعري بصري قوامه اليأس والاستحالة .