السبت، 14 مارس، 2015

Solaris

كتب : محمود عياد

التقييم : 5/5

بطولة : نتاليا بوندارشوك ، دوناتاس بانيونيس ، يوري يارفيت
إخراج : أندريه تاركوفسكي

لطالما كان الحديث عن احد افلام تاركوفسكي من التجارب المحببة لي بشدة رغم صعوبتها الواضحة ، فالرجل دائما ما كان يصنع أفلاما لا تشبه اي شيء آخر ، افلام تأسر قلبك قبل ان تغزو عقلك تلعب على أوتار اللاوعي بطريقة مذهلة لا يمكنك تفسيرها منطقيا ، افلام شعورية في المقام الاول و التعاطي معها على اي مستوي مادي يفقدها رونقها ؛ الرجل يغزو مناطق لم يسبقه اليها غيره ، أماكن في اللاوعي تشعر بأنها قد مُسّت بشكل لا يمكن وصفه ، تجد نفسك مشدوها في متاهاته العقلية لا إراديا ، يتم جذبك عنوة و بشكل طوعي تماما و تقع تحت طائلة سحره بدون اي قدرة على الإفاقة منه حتي بعد انتهاء تجربة المشاهدة ، قد يكون إيقاع افلامه بطيئا إلى حد ما و لكنه بطء ممتع و محبب و لذلك فأفلامه غير صالحة للمشاهدة في كل وقت افلام موديّة بشدة ،  تلعب على مستقبلات حسية معينة لا بد ان تكون جاهزة لاستقبالها تماما كالقفل و المفتاح .

من المثير متابعة تطور الشخصية السينمائية لهذا الرجل .. هذا فيلمه الروائي الثالث بعد Ivan’s Childhood و Andrei Rublev تبعه اربعة اخرون - حقق اثنين منهم خارج روسيا - و كان جليا من الفيلم الأول انه مختلف ، صاحب مدرسة خاصة في السينما - شعرية في المقام الأول - له لغته السينمائية المميزة ، يحمل مفهوما راسخا واضح المعالم لفن السينما عموما فيما يعرف بالزمن المطبوع او ما اسماه تاركوفسكي نفسه في كتابه الشهير "النحت في الزمن" .

الحقيقة ان فكرة الإمساك بالزمن و طبعه او - نحته - لم تكن مفهومة لدي بشكل واضح بل تسبب لي الأمر في حالة إرباك شاملة ، ماذا يعني تاركوفسكي بالنحت في الزمن ؟؟ لطالما كان حلم من حاولوا اسقاطا تطبيقيا للنظرية النسبية ان يجعلوا من الزمن او ما يعرف بالـ " البعد الرابع " عنصرا ماديا قابلا للتشكل ، شيئا يمكن السيطرة عليه و التجول فيه بحرية تامة - كمن يصعد جبلا عاليا ثم يهبط إلى سهل منخفض - هل لأي من هذا علاقة بمفهوم تاركوفسكي للزمن السينمائي ؟؟ ، كان الأمر يمثل معضلة محيرة و ممتعة في آن واحد بالنسبة لي لم أستطع استيعابها بشكل كامل ، الأمر الذي استدعي مشاهدة اعمال تاركوفسكي جميعها اكثر من مرة و قراءة كتابه الذي يحمل نفس عنوان فكرته عن السينما مرتين و قراءة اجزاء كبيرة من كتب أخري تتناول أعمال الرجل بالدراسة و التحليل و أستطيع ان أقول بكل أريحية أن تجربة الغوص في عوالم تاركوفسكي الذاتية من أمتع - بل ربما أمتع - التجارب التي خضتها في حياتي ، رغم اني لا زلت أشعر بأن هناك حلقة لا تزال مفقودة و أن استيعابي للأمر لا زال قاصراً و أنني لا زلت بحاجة لمزيد من الدراسة و التأمل في الأمر لكي أصل إلى مفهوم - يرضيني أنا بشكل شخصي - عن زمن تاركوفسكي المنحوت .

الزمن لدي تاركوفسكي هو حصيلة ذاكرة الفرد من الطفولة إلى الكهولة ليس الفرد فحسب ، بل هو حصيلة الذاكرة الإنسانية كلها على مر العصور ، ببساطة الزمن يشبه كتلة لامتناهية من الوقائع و الأحداث يقوم صانع الفيلم بـ - نحتها - حرفياً ، ازالة كل ما هو ليس ضرورياً .. كل ما يمكن التخلي عنه ، تماما كما يفعل النحات بكتلة الرخام في سبيل صناعة تمثاله ، الرجل قام بعمل معجِز على هذا الصعيد ، حول الزمن إلى شيء مادي مجسد يمكن التحكم فيه و السيطرة عليه و جعله العنصر الأساسي في خلق الإيقاع ، خلق ذلك ثورة حقيقية حينها ، أعاد تاركوفسكي تعريف مفهوم الزمن السينمائي بشكل كامل بطريقة لم يسبقه إليها غيره ، الفكرة ببساطة هي أن يشعر المشاهد بكينونة الزمن في كل لقطة ، ان يتخطي تأثير المشهد مدة عرضه على الشاشة و يتماهي المتلقي مع ما وراء المشهد ، يصبح مرور الزمن و جريانه جزءا اساسيا من السرد بحيث يفقد المشاهد احساسه بكل ما يراه أمامه و يؤسر - حرفيا - بتتابعات سريان الزمن كتدفق الماء في نهرٍ جاف ، لكن السؤال هنا هو كيف يوظف تاركوفسكي الزمن على الشاشة بصريا ليخلق ذلك التأثير ؟ الحقيقة أنه يعتمد في سبيل تحقيق ذلك بشكل كبير على ثلاثة مفاصل رئيسية في تكوين اللقطة : اولها استخدام الطبيعة بعناصرها الأربعة - الماء و الشجر و النار و الرياح - بشكل آسر، ذلك لا تخطئه العين في كل أفلام تاركوفسكي و يعتمد فيه على ارتباط الطبيعة دائما في الأذهان بالقدم و الأصالة  و على جانب آخر بالحياة فالطبيعة دائما حية ، عندما تنظر مثلا في لحظة تأمل إلى شجرة طويلة مترامية الفروع و الأغصان اعتدت رؤيتها يومياً ، يقفز دائما سؤالٌ واحد في لا وعيك ، كم مر من الزمن على هذه الشجرة و هي قابعة هنا في مكانها ؟ لا بد انه مر عليها أجيالٌ عدة ، تغير كل ما حولها و لا زالت باقية في مكانها راسخة لا تتغير ، يتحول ذلك بشكل مباشر إلى استرجاع تلقائي في ذاكرتك لشريط ذكرياتك كله يمر أمامك في لحظة - ليس فقط المرتبط بهذه الشجرة - و إنما كل الوقائع ذات الأهمية و التأثير ، نفس الحالة تعيشها بحذافيرها عند رؤيتك لتدفق المياه لحظة مرورك بجانب نهر ما او لسقوط الأمطار بغزارة ، المشهد الافتتاحي في سولاريس مثال حي على ذلك ، يبدأ المشهد بلقطة زووم إن على جريان المياه في نهر و حركة الحشائش مع تدفق المياة ثم يقطع على وجه البطل يقف متأملا كأنما يتذكر شيئا او يسرح بخياله لسنوات عديدة مضت و هذه المياة تجري في هذا النهر ثم يقطع على حركة البطل بجوار شجرة ضخمة ، الشجرة و المياه هنا ليست مجرد جماد او جزء من محتويات المشهد او ما يعرف بالميزانسين ، هي شخوص تشارك في بطولة العمل تتحدث بلغة غير مسموعة ، حينما تنظر إليها و تتوقف قليلا تسبح في زمنك الخاص إلى الماضي للحظة ثم تعود إلى الحاضر لتشارك البطل معضلته ، هذه الرحلة الزمنية هي جوهر منهج تاركوفسكي و فلسفته عن الزمن المجسد .

المفصل الثاني في لقطة تاركوفسكي هو طولها النسبي ، هنا ينحّي المونتاج جانباً قليلاً في خلق الإيقاع ليبرز الزمن في المقدمة ، تاركوفسكي لا يهمل تماما قيمة المونتاج و انما يستخدمه في ما يخدم تتابع الزمن و ليس العكس ، لا بد لكي يشعر المشاهد بقيمة الزمن لكي يدرك جريان الزمن على الشاشة ان تكون اللقطة طويلة نسبيا تماما كالحياة لقطاتها طويلة و القطع فيها غير مألوف - قد يحدث - و لكنه غير معتاد الحدوث ، تاركوفسكي يتمرد هنا على المنجز السينمائي الأبرز لأبناء جلدته في المونتاج او ما يعرف بالمنهج الذهني او الديالكتيكي الذي يعتمد بشكل كبير على التوجيه الكامل لوعي المشاهد إلى فكرة ما او حالة شعورية ما و السيطرة الكاملة عليه دون أدني فرصة تأملية تسمح بتعدد الأفكار و الرؤي ، يشبه ذلك بشكل مبسّط جدا لعبة الألغاز و الأحجية يقدّم لك على الشاشة حدثين لا علاقة ارتباطية بينهما إلا انهما معاً يشكلان - بشكل غير مباشر - حدثا ثالثاً و يُترك لك مهمة استنباط هذا الحدث و لا يتطلب ذلك أي مجهود ذهني فالحدث المعنِي واضح تماما ، كمثال بسيط اذا ما عرض امامك صورتين احداهما لأذن إنسان و الأخرى لباب مغلق ، لا يوجد هنا أي ارتباط عضوي بين الصورتين و ليس أي منها هو المقصود بذاته و إنما انت تستنبط تلقائيا بالربط الغير مباشر للصورتين معا ان الفكرة المقصودة هي التنصت ، هذا الأسلوب المعتمد على السيطرة التامة على وعي المشاهد و توجيهه لفكرة ما هو أساس استخدام المونتاج في النظرية السوفييتية , تاركوفسكي على النقيض من ذلك يعتمد بشكل أساسي على الإستثارة التأملية للمتلقي ، يعتقد تماما بأن نجاحه في مهمته يتمثل في ان يلامس ما يقدمه مستقبلات معينة تختلف من مشاهد لآخر و أن يري كل منهم افلامه من زاوية ذاتية خاصة و يستخدم المونتاج كوسيلة في تحقيق ذلك في مواضع معينة و لكنه - على عكس أسلافه - لا يمثل العنصر الرئيسي في خلق الايقاع و انما يبرز الزمن ليحتل هذه المكانة.

بجانب طول اللقطة النسبي يظهر ما يعرف بالـ Slow Pace او الحركة البطيئة للكاميرا ، حركة كاميرا تاركوفسكي شاعرية للغاية انسيابية بشكل رائع ، حركة تتناسب مع الحالة التأملية التي يضعك بها تاركوفسكي من البداية ، حركة ضرورية لفكرة الاحساس بتتابع الزمن التي تتطلب التمهّل و التأني ، حركة شبهها الشاعر الروسي الشهير اوسيب ماندلشتام باليرقة معصوبة العينين تتحسس طريقها او الفراشة ذات الأجنحة المرشوشة بالدقيق .

آخر عناصر تكوين اللقطة السينمائية عند تاركوفسكي هي التحول اللوني الدائم - باستثناء طفولة إيفان - بين الأبيض و الأسود و الألوان ، يتنقل تاركوفسكي دائما بينهما في كل أفلامه ، هذا التنقل كان احياناً بسبب ضعف التكلفة الإنتاجية التي تتيح له استخدام الألوان في تصوير افلامه بشكل كامل و لكنها في نفس الوقت خدمت السرد المعتمد على التنقل في الزمن ، يمكن تصوير ذلك بشكل مبسط بباب حديدي قديم طرأ عليه الصدأ و تغيرت درجة ألوانه ، لا يمكن بأي حال معرفة التحول الحادث على هذا الباب بفعل مرور الزمن اذا ما تم تصويره بالأبيض و الأسود و لكن تخيل بأن يتم تصوير الباب بالأبيض و الأسود في لقطة ثم التحول لتصويره باستخدام الألوان في اللقطة التالية ، سيظهر جليا حينها فعل مرور الزمن على الباب ، و بالتالي يستخدم تاركوفسكي التنقل الدائم بين الأبيض و الأسود و الألوان لتجسيد الزمن و إبراز التغير الحادث على كل شيء بفعل مروره .

هذه العناصر الثلاثة في تكوين اللقطة تمثل الأساس الذي اعتمد عليه تاركوفسكي في تأسيس منهجه السينمائي المعتمد على تجسيد الزمن من خلال روعة تكويناته البصرية التي لا تشبه اي شيء آخر ، ذلك التأثير الذي يجعل كل مشاهد يسبح في تأملاته ، يذهب في رحلة عميقة في زمنه الخاص يتوحد فيها مع الأبطال ، يربط فيها ماضيه بحاضره و يستقرأ مستقبله .

سولاريس .. ثالث أفلام تاركوفسكي الروائية ، عن رواية ستانيسلاف ليم التي تحمل نفس الإسم و الحقيقة انه شذ عن خط الرواية بشكل جذري مما استدعي خلافا حادا بين تاركوفسكي و ليم ، يمكن ملاحظة الإختلاف الشديد من البداية تماما ، تبدأ رواية ليم بسقوط مركبة كريس (البطل ) على سطح كوكب سولاريس و تدور معظم الأحداث بعد ذلك على سطح هذا الكوكب ، هذا يتناقض جذرياً مع فيلم تاركوفسكي الذي يبدأ على الأرض و يدور جزء معتبر من أحداثه فيها حتي ذلك الجزء الذي يدور في سولاريس يعيش فيه الأبطال نزاعات العودة إلى الأرض بشكل دائم .

يُقال ان الفيلم تم انتاجه رداً على اوديسا كيوبريك كحلقة في التنافس المحموم آنذاك بين الولايات المتحدة الامريكية و الإتحاد السوفييتي ، تاركوفسكي شاهد 2001 و لم يعجبه ، كان يري انه متكلف و غير حقيقي و فيه مبالغة شديدة في تصوير الفضاء - الذي كان كصندوق باندورا آنذاك - و يعتمد على الإبهار البصري بشكل كبير ، رؤية تاركوفسكي للفيلم بهذا الشكل ترجع بالأساس إلى رؤيته لقيمة و دور السينما عموما ، كان يؤمن بأن الرحلة ليس من المفترض ان تكون للخارج ، ما فائدة استكشاف عوالم جديدة و نحن لم نكتشف عالمنا بشكل كامل بعد ، كان يحمل في داخله ولاءًا شديداً للأرض و النفس البشرية و لذلك لم يكن فيلمه هذا فيلماً عن الفضاء بأي حال و لا يمكن بأي منطق تصنيفه كفيلم خيال علمي هو ابعد ما يكون عن ذلك ، تاركوفسكي قام هنا برحلة داخلية في أعماق البشر و القوي السحرية لهذا الكوكب الذي يحمل تاريخا يمتد لملايين السنين .

يبدأ الفيلم بقطعة موسيقية لباخ تحمل إسم (أدعوك أيها الرب يسوع المسيح) - تاركوفسكي كان كاثوليكيا مخلصا - واحدة من النغمات الكورالية الكاثوليكية المبنية بالأساس على نغمة تُدعي (Cantus Firmus) ، تعمل هذه النغمة كأساس يبني عليه باخ موسيقاه و هي نغمة ثابتة غير مزيّنة في كل قطعه الموسيقية الكاثوليكية ، هنا ادوارد ارتيمييف يستخدم هذه القطعة لباخ كنغمة أساسية أو - Cantus Firmus - و يزينها بأصوات الطبيعة (حفيف الحشائش ، صوت قطرات المياه .. إلخ) ، الحقيقة أن تاركوفسكي أراد فيلمه في البداية دون أي موسيقي فقط أصوات الطبيعة في الخلفية ، ذلك أن تاركوفسكي كان يري أن السينما شأنها شأن كل صنوف الفن لا بد ان يكون لها مفرداتها الخاصة و أدواتها التي تميزها عن غيرها و بناءا على هذا كان يحلم أن يحقق فيلما لا يعتمد في إيقاعه على الموسيقي - حققه سوكوروف بعد ذلك بثلاثة عقود - إلا ان ارتيمييف أقنعه هنا ان الفيلم هكذا سيصبح ميتا و أن الموسيقي ضرورية لتضيف إليه بعض الحياة .

إختيار موسيقي باخ هنا له سببين أولهما ولع تاركوفسكي الشديد بباخ بالتحديد ، يظهر هذا الولع جلياً في استخدامه لموسيقي باخ في كل أفلامه تقريبا - باستثناء Stalker - ، ببساطة تاركوفسكي يري أن هناك موسيقيون عظماء و هناك باخ ، السبب الثاني لإستحضار باخ سواءاً هنا أو في أفلامه الأخري او - موسيقي بيتهوفن في Stalker او حتي في عرض لوحات القدماء كبروجيل و رافائيل و رامبرانت بشكل مضطرد في كل أفلامه تقريبا - مرتبط بدلالتين الأولي سردية في خدمة الرحلة التجسيدية للزمن تماماً كما يستخدم أدوات الطبيعة بنفس الأسلوب و لنفس الغرض ، و الثانية تتمثل في إضافة بعد تاريخي للسينما عموما ، السينما كانت فنا وليداً عمره لا يتجاوز ال 90 عاماً آنذاك و بالتالي كان يري ضرورة إستخدام إنتاجات القدماء من أنواع الفن المختلفة لترسيخ شعورا ما بالأصالة في لاوعي المشاهد و التأصيل لفكرة أن السينما فن قديم له جذور ممتدة لقرون مضت ،  - أدعوك أيها الرب يسوع المسيح - .. تلك هي التيمة الموسيقية للجزء الأول من الفيلم أو - جزء الأرض - دلالة هذا الإختيار واضحة تماما ، تاركوفسكي يحيط أفلامه دائما بنزعة دينية طاغية ، يملأها بالعديد من الرمزيات و الإسقاطات من حكايات الكتاب المقدس ، هذه النغمة هي جزء من مجموعة من الإبتهالات الكورالية الجريجورية لباخ ، هناك علاقة إرتباطية عند تاركوفسكي بين خلاص البشر المرمّز دائما بالتضرع إلى الله و بين الأرض ، ظهر هذا في أرقي تجلياته في فيلمه الأخير The sacrifice .

الجزء الأول من الفيلم - مدته 41 دقيقة تقريبا - يدور بالكامل على سطح الأرض  ، بطل الفيلم - كريس كيلفين – طبيب نفسي و رائد فضاء يقضي يومه الأخير على الأرض قبل السفر إلى كوكب سولاريس الغامض لإصدار حكم نهائي على جدوي الإستمرار في هذه البعثة إلى الكوكب من عدمه ، البعثة كانت مكونة من 85 شخص جُنّ معظمهم و انتهي الأمر بانتحار الكثيرين و لم يبق حيا هناك سوي 3 أفراد فقط  ، كريس – كعادة شخوص تاركوفسكي – شخصية يظهر عليها البرود الشديد ، خشبية التعابير ، الهدوء الظاهري الذي يبدو تماما انه ظاهريا يخفي بركانا داخليا ، هنا هذا البرود مرتبط بعقدة الذنب - كما سيتضح بعد ذلك - ، كريس يحمل بداخله ذنب انتحار زوجته هاري قبل بضع سنوات ، مُحمّل بذنب علاقته الفاترة مع امه المتوفاة ،الذاتية تبرز هنا في ثنائية الزوجة و الام ، هذا ذنب تاركوفسكي في الأساس يلبسه لبطله ، كان يشعر بالذنب الشديد نحو أمه التي ظلت علاقته بها ضعيفة و خالية من أي شغف و زوجته الأولي الممثلة - ارما راوش - للدرجة التي جعلته يريدها هنا في دور هاري زوجة كريس المنتحرة .

في تتابعات البداية يظهر كريس متأملا الطبيعة من حوله يسبح في رحلته الزمنية على الارض قبل ساعات من رحلته المكانية إلى سولاريس ، يقف غير عابئ بهطول الأمطار على جسده ، ينظر لحفيف ورق الاشجار و جريان قطرات الماء مدركا انها قد تكون المرة الاخيرة التي يري فيها كل ذلك ، يلتقي بعد ذلك ببيرتون رائد الفضاء الذي كتب تقريرا منذ عشرين عاما يتحدث فيه عن رؤي غريبة لطفل بجسد عملاق – سنعرف لاحقا من بيرتون أنه يشبه تماما ابن صديقه فيكنر -  و أشجار مصنوعة من مادة تشبه الصمغ شاهدها على سطح سولاريس في رحلته البحثية عن جثة صديقه - فيكنر - الذي مات على سطح الكوكب ، يظهر مع بيرتون طفل صغير لا نعرف من هو - أغلب الظن انه ابنه او ابن فيكنر اليتيم – و تظهر فتاة صغيرة لا نعرف من هي أيضا و لن نعرف ، يعرض بيرتون شريطا قديما عن تقريره الذي عُرض على لجنة ما لتفنيده و تحدث امام هذه اللجنة عن مشاهداته الغريبة على سطح سولاريس ثم يعرض عليهم فيديو صوره بنفسه لما شاهده ، يتبين عند عرضه انه خالي تماما من كل ما ذكره بيرتون عن ما رآه ، بيرتون يحمل داخله ذنبا ايضا تجاه ابن فيكنر، يعتبر نفسه بشكل او بآخر مسؤولا عن وفاة أبيه ، يلي ذلك مشهد حواري بين كريس و ابيه عن جدوي دعوة بيرتون في آخر يوم له على الارض ،  في لحظة معينة في معرض كلام الأب عن ألم الرحيل يقطع تاركوفسكي بلقطة زووم إن على صورة والدة كريس في شبابها و كريس ينظر إليها بتمعن  - سيقوم كريس باستدعاء ذهني لهذه الصورة قرب نهاية الفيلم – ثم ننتقل لحوار جدلي بين كريس و بيرتون عن معضلة ارتباط العلم بالأخلاق من عدمه تنتهي برحيل بيرتون غاضبا .

ينتهي الجزء الأول من الفيلم بمشهد مثير للجدل فيما يعرف بمدينة المستقبل ،4 دقائق كاملة على الشاشة لسيارة بيرتون تتحرك على طريق سريع و عبر الأنفاق دون كلمة واحدة ، المشهد تم تصويره في طوكيو على اعتبار انها مدينة مستقبلية اذا ما قورنت باي شيء داخل الاتحاد السوفييتي ، يظهر بيرتون في الخلف مع طفله متجهما مطرقا في شيء ما فيما يبدو أن السيارة تتحرك بواسطة حاسب إلى أو شيء من هذا القبيل ، في الخلفية لا شيء سوي أصوات الضوضاء الصناعية ، يلجأ تاركوفسكي إلى تحوله اللوني المعتاد من الابيض و الاسود إلى الالوان ثم يُقطع المشهد فجأة ، تنتهي الضوضاء و يحل السكون التام بتحول لوني إلى الأبيض و الأسود مرة اخري و نعود إلى منزل والد كريس الريفي حيث الهدوء التام و جمال الطبيعة الساحر و كريس يحرق كل ما لا يحتاجه معه في رحلته ، تعرّض هذا المشهد خصوصا لهجوم شديد على تاركوفسكي حول جدواه ، ما الفائدة من تصوير حركة سيارة لـ 4 دقائق كاملة بلا كلمة واحدة تقال ؟ ، في رأيي ان أهمية هذا المشهد تكمن في القطع المفاجيء في نهايته ، اراد تاركوفسكي هنا ان يظهر حجم التباين بين المدينة الموسومة بالتقدم التكنولوجي و الضوضاء الصناعية و بين الريف الذي يمثل الأرض في أبسط صورها ، منزل محاط بالأشجار بجواره بركة مائية ، التحول اللوني هنا يحمل - كما أسلفت سابقا - مغزي سردي مباشر ، ببساطة الالوان تُظهر تأثير الزمن على الأشياء في مقابل الأبيض و الأسود الذي يظهر دائما كل شيء في أبهي صوره و يخفي الضرر الحادث فيه بفعل مرور الزمن ، مدينة المستقبل بما فيها من صنوف التقدم التكنولوجي تظهر فيها المباني ذات الألوان الباهتة و علامات المرورية الصدئة على جانبي الطريق يغمرها ضوضاء مزعجة بينما المنزل الريفي البسيط بكل ما حوله على النقيض تماما من ذلك .

ينطلق كريس بعد ذلك في رحلته إلى سولاريس - زمن الرحلة في رواية ليم تخطي ال 18 شهرا ،  لم يتجاوز زمنها السينمائي  على الشاشة دقيقة واحدة - ، سفينة فضاء سولاريس تبدو شاحبة تماما ممزقة من الداخل حرفيا يبدو واضحا تأثير فعل الزمن عليها - هنا مفارقة واضحة بين فيلم تاركوفسكي و أوديسا كيوبريك - عند وصول كريس اليها يلتقي ب- سنوت - أحد العلماء الثلاث المتبقيين على قيد الحياة ، يبدو سنوت خائفا منه في البداية لا يعلم إذا كان حقيقيا أم لا ، سولاريس كوكب مادته عاقلة قادرة على الإدراك ، تتفاعل مع زواره على مستوي اللاوعي ، تنتج صورا حية لأكثر هواجسهم رعبا سواء كان ذلك مرتبطا بوقائع حقيقية مؤلمة في ذاكرتهم أو حتي تجسيدا لخيالاتهم ، ربما يفسر ذلك الصور الغريبة التي رآها بيرتون و تحدث عنها في تقريره ، يتأكد سنوت أنه حقيقي و ليس صناعة سولاريس عندما يسأله عن - جيبريان - عالم وظائف الأعضاء و صديق كريس فيخبره سنوت أنه انتحر بعد حالة اكتئاب شديدة و مستمرة ، ينسل كريس بعد ذلك إلى غرفة جيبريان و يشاهد شريطا تركه خصيصا له يحذره فيه مما قد يراه و مما قد تنتجه مادة الكوكب و ينهي حديثه بأنه قاضي نفسه و قد اختار التحرر من سجن سولاريس .

يري كريس بعد ذلك فتاة مراهقة ترتدي فستانا ازرق اللون تقوده إلى جثة جيبريان ثم تختفي ، يعود لسنوت مرة أخري و يسأله عن ماهية الفتاة و هل هي حقيقية أم لا ، لا يجيبه سنوت ويكتفي بأن يقول له بكل هدوء أن عليه أن يخلد للنوم قليلا ، تيمة النوم متكررة هنا في سولاريس ، يظهر كريس نائما او يغالب النوم في مشاهد عدة سواء وحيدا أو مع زوجته هاري - الصورة الحية التي ينتجها سولاريس لكريس – بينما يبدو على الآخرين الإرهاق الذهني دائما فيما يشير بشكل واضح إلى قلة النوم أو انعدامه تقريبا ،  يظهر ذلك بشكل أكثر مباشرة في مشهد المكتبة الشهير قبيل النهاية حين يقتبس سنوت و من بعده كريس عبارة من رواية " دون كيخوتي " لميجيل دي ثيربانتيس عن النوم تقول : "كل ما أعرفه هو أنه عندما أنام لا أعرف الخوف ، لا أملك أي آمال أو مشكلات ، النوم يأتي بالراعي و الملك ، الأحمق و الحكيم إلى نفس المستوي ، الشيء الوحيد السيء الذي يخص النوم فيما سمعت أنه يشبه الموت ، حيث يصبح الفرق بسيطا جدا بين الإنسان النائم و الجثة الهامدة" ، استدعاء "دون كيخوتي" هنا متعدد الجوانب ،من ناحية فيه تجسيد مباشر لمعاناة الأبطال مع النوم هم قلما ينامون خوفا من تجسد هواجسهم بفعل سولاريس – باستثناء كريس حيث يبدو أن لا مشكلة لديه في تجسد هاري إن لم يكن العكس هو الصحيح – و في نفس الوقت لديهم رغبة جامحة في النوم للتخلص - و لو لفترة وجيزة - من عذاب هذه الأشباح  ، من ناحية أخري هناك ارتباط بين منحني الرواية في الأساس و بين شخوص سولاريس ، دون كيخوتي هو رجل يدعي ألونسو كيخانو أدمن قراءة القصص و الأساطير حتي صدقها و رسم لنفسه عالما خاصا من الهلاوس و الأوهام ، تخيل أنه فارس من العصور القديمة حتي أطلق عليه في سخرية فارس الظل ، أقنع نفسه بأن هناك علاقة حب ما لا وجود لها في الواقع بينه و بين سيدة تدعي دولثينيا – فتاة قروية رسم له خياله عنها صورة سيدة نبيلة - تماما كما يصنع سولاريس أشكالا مجسدة من وعي زواره ، التنقل بين عالم الواقع و الأوهام لدون كيخوتي يشبه تماما تنقل أبطال سولاريس بين الحقيقة والحلم ، بين الوعي و تجسيدات اللاوعي أو كما يقول جاكس لاكان  "أنا أفكر حيث لا أوجد ، و أوجد حيث لا أفكر" .

نتعرف بعد ذلك على سارتوريس (اناتولي سولينتسن) – ثالث من تبقوا أحياءا على سطح الكوكب – عالم الأحياء المتحجر القلب ، الذي لا يعترف إلا بالحقائق العلمية المجردة و يري أن جيبريان شخص جبان لمجرد رغبته الدائمة في الموت على الأرض لتأكله الديدان و ليس في خدمة العلم على سطح سولاريس ، في خضم النقاش بينه و بين كريس إبان تعارفهما نجد تحولا مفاجئا في عقلية كريس تختلف تماما عن كريس الذي عهدناه في حواره الجدلي مع بيرتون عن المعضلة الأخلاقية المرتبطة بالعلم ، يبدو هنا أكثر إقتناعا برأي بيرتون متخليا عن ما اعتقده سابقا مدافعا عن جيبريان ، ربما هي مادة سولاريس التي تتلاعب بالعقول ، يحاول سارتوريس إخفاء قزمه المتجسد ، لا يرغب في أن ينعته كريس بالجنون .

تظهر لاحقا هاري زوجة كريس و طريقة سولاريس في تعذيبه ، يحاول التخلص منها في البداية ثم يدرك أنه لا سبيل لذلك فهناك آلاف الصور منها تتجدد بإستمرار ، ناتاليا بوندارشوك تقوم هنا بعمل عظيم ، هاري لا تدرك في البداية أنها مجدر صورة مستنسخة من لا وعي كريس و شيئا فشيئا تصبح أكثر إنسانية و تكتسب شعورا بشريا في حين أن البشريين الحقيقين حولها يبدؤون في فقدان إحساسهم - تدريجيا - بالآدمية ، يتجلي ذلك في عدة مشاهد أظهرت فيها بوندارشوك مقدرة حقيقية ، مشهد وقوفها أمام المرآة بعد رؤيتها لشريط الذكريات الذي سجله كريس و أبيه - بطريقة شعرية بحتة - لمراحل حياته المختلفة تتغير فيها الفصول و تظهر فيه هاري و تظهر أمه في شبابها ايضا - تطبيق مباشر و صريح لنظرية تاركوفسكي المجسدة للزمن - هاري تذكرت بعضا من ذكرياتها مع كريس في الماضي ، لا يحدث ذلك بفعل سولاريس و إنما نتيجة ارتباط كريس عاطفيا بها رغم علمه أنها ليست حقيقية مما سمح لها بالنفاذ داخله ، هذا انتهاك صريح لسولاريس ، لم يكن من المفترض لهاري أن تتفاعل مع كريس بهذا الشكل ، الذاكرة خصيصة بشرية بشكل حصري ،  اكتساب هاري لها يعني أنها اقتربت كثيرا من اكتساب هيئة بشرية ، ربما كان سقوط المياة داخل الحجرة في نهاية اللقطة - سيتكرر هذا مرة أخري في مشهد النهاية - هو الطريقة التي يتفاعل بها الكوكب مع هذا الإنتهاك .

في مشهد المكتبة الشهير عندما وقفت هاري تنظر بتأمل إلى لوحة بروغل The Hunters In The Snow حيث الصيادين يعودون إلى القرية في ليلة شتوية من رحلة صيد محاطين بالكلاب و في العمق تري كل ما انطبع في الأذهان عن جمال الطبيعة ، الجبال الجليدية ، الأشجار خالية من الأوراق ، الطيور المحلقة ،  الرجال و النساء يتجمعون حول نار المدفئة ، الجمال الأرضي في أبسط صوره و أكثرها ضربا في عمق التاريخ ، هاري تنظر للصورة بتمعن و تشعر بأنها ترتبط أكثر بالأرض و بكونها إنسان ، تاركوفسكي يلتقط ذلك ببراعة و يقطع فجأة على لحظة معينة من فيديو كريس و هو يحرق نارا للتدفئة في موسم الجليد و يقطع مرة أخري على وجه هاري  ، تكمن عظمة تاركوفسكي في مثل هذه التتابعات التي تبدو مثالا حيا على كيفية استخدام المونتاج لخدمة الزمن ، يغلّف ذلك كله بخلفية من أصوات الطيور و حفيف الأشجار و نباح الكلاب ، أصوات تبدو و كأنها آتية من عقل هاري و كأنما أصبحت جزءا من اللوحة -  ، تيمة الفيلم الموسيقية تتبدل في جزئه الثاني الخاص بكوكب سولاريس ، تُستبدل موسيقي باخ بلا شيء ، فقط كتلة من الصوت تتمدد في الفراغ تشعر بأنها تأتي من اللامكان و تنتهي إلى اللامكان ، ربما يكون هذا منطقيا مع حياة على سطح كوكب غامض لا ندري طريقة استجابته و تفاعله مع الإشارات البشرية ، يحافظ ارتيمييف على هذه التيمة طيلة الجزء الثاني من الفيلم الا في 3 مواضع ، أولهما حين عرض كريس لهاري الفيديو المصور لمراحل تطور حياته ، هنا عدنا إلى موسيقي باخ مرة أخري في تلك العودة اللحظية إلى الأرض ، ثانيهما في هذا المشهد عندما استُبدل كل شيء بأصوات الطبيعة في لحظة ارتباط هاري التأملية بالأرض .



كان هذا تماما هو جوهر الخلاف بين رؤية ليم للشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الفيلم و بين رؤية تاركوفسكي ، أراد ليم فيلما عن دراما الإدراك ، عن نتاجات التفاعل بين البشر على سطح السفينة و الصور البشرية التي ينتجها لهم سولاريس ، عن التباين الإدراكي لهذه الشخصيات المستنسخة من اللاوعي و اكتسابها صفات بشرية عندما تترك المساحات الشاسعة على سطح الكوكب إلى ضيق السفينة المكاني و حصارها الذهني ، ببساطة ليم أراد حلولا لمعضلة الإدراك لدي استنساخات سولاريس ، يتمثل ذلك في محاولة إيجاد إجابة لبعض الأمثلة على سبيل المثال : من هم ؟؟ و ما الهدف من وجودهم هنا ؟؟ ما طبيعة العلاقة بينهم و بين أشكالهم البشرية ؟؟ و ماذا يعنون إلى البشر الموجودين على سطح السفينة ؟؟ ، في المقابل تاركوفسكي قلب خط السرد الرئيسي في الرواية رأسا على عقب ، حقق فيلمه بشكل أساسي عن معضلة الأبطال الأخلاقية و هواجسهم المتجسدة  و صراعهم النفسي بين الرغبة الدفينة في العودة إلى الأرض و التمسك بالبقاء على سطح هذا الكوكب الغامض ، عن التباين بين دفء الأرض و برودة سولاريس ، بإختصار أراد ليم فيلما عن سولاريس و أشباحه بينما حقق تاركوفسكي فيلما عن معاناة البشر و الحنين للعودة إلى الأرض .

 في لحظة يأس يأتي سنوت لكريس ليخبره أنه لا بد من تغيير طريقة التعاطي مع سولاريس و أنه قد راودته فكرة إعادة طريقة توجيه الإشعاع إلى الكوكب معتمدا على التصوير الدماغي لأحدهم و كان بالطبع كريس هو المقصود ، ربما يتمكن سولاريس من فهمهم بطريقة صحيحة هذه المرة ، يقاطعه كريس و يطلب منه أن يخفض صوته لكي لا يوقظ هاري فيرد سنوت متعجبا هل تعلمت بالفعل كيف تنام ؟ ، كان جليا أن هاري تزداد ارتباطا يوما بعد يوم بكريس و كان جليا أيضا أنه يبادلها نفس الشعور ، هاري تمتص منه إنسانيتها بينما وجد هو فيها فرصة ثانية للتخلص من عقدة الذنب التي تلاحقه ، فرصة لكي يعيش حياته مرة أخري و يصحح أخطاؤه ، حاول نسيان حقيقة أنها مجرد شبح و بات يقنع نفسه شيئا فشيئا أنها زوجته بُعثت من جديد و أنه وجد خلاصه هنا على سطح سولاريس إلا أن حقيقة كونها مجرد صورة مستنسخة من وعيه ظلت تلاحقه أيضا تماما كعقدة ذنبه التي لاحقته طوال حياته ، تاركوفسكي يكثف هذه المعضلة الثنائية الأقطاب و يحافظ على هذا القدر من التكثيف في كل المشاهد التي تجمع كريس و هاري معا ، هي عذاباته هو بالأساس و بالتالي لا يجد طريقة أفضل من ذلك لمحاولة التخلص من صراعه الداخلي كأن تصرخ بهواجسك بصوت عال ، تقذفها من داخلك ، ربما يجعلك ذلك تشعر ببعض التحسن .

يبقي تاركوفسكي مهووسا دائما بتيمة الإرتقاء و التحليق - في معظم أفلامه - ( المشهد التمهيدي في أندريه روبليف و ارتقاء الفلاح ذو الحلم الإيكاروسي ، ارتقاء المرأة الحامل في المرآة ، ارتقاء الكساندر و الخادمة في القربان ) ،فكرة الارتقاء شائعة جدا في الإنجيل تُعزي دائما إلى صعود المسيح ليحمل عن البشر ذنوبهم و آثامهم ربما يفسر هذا شيوعها بكثرة في أفلام تاركوفسكي ذو النزعة الدينية الواضحة ، ربما تعبر أيضا بطريقة أو بأخري عن الخلاص ، التحليق مرتبط دائما بالتحرر من القيود و الهواجس و كل ما هو مقيِّد ، تكرر الأمر هنا في سولاريس في واحد من أبدع مشاهد الارتقاء في أفلام تاركوفسكي على الإطلاق ، في نهاية مشهد المكتبة و بعد انتهاء هاري من رحلتها الزمنية اللحظية لأعماق الأرض المنظومة في لوحة بروغل و وصولها لأعلي درجات التحول البشري يحدث انعدام مفاجئ للجاذبية و يطفو كل شيء ، يحلق كريس و هاري للحظات بينما يتطاير الشمعدان و معه دون كيخوتي ، يقطع تاركوفسكي في نهاية اللقطة على مادة سولاريس تعاني نوعا من الحركة الغريبة غير المفهومة  ، هذه هي المحاولة الأخيرة لسولاريس في مقاومة الغزو الأرضي ، المكتبة تمثل الركن الأكثر أرضية في المحطة ، الأرض لدي تاركوفسكي تمثل الروايات القديمة و الكتب الفلسفية  ، تمثال سقراط المنحوت و لوحات بروغل الخمسة لتعاقب الفصول ، المكتبة بلا نوافذ حيث لا يمكن لمادة سولاريس مراقبة ما يحدث بداخلها ، هنا ينتفض الكوكب في محاولة يائسة للتمسك بهويته ، إنعدام الجاذبية لا يحدث على الارض هو صفة مقترنة فقط بالفضاء ، العبقرية هنا في وأد تاركوفسكي للمقاومة في مهدها ، سحر لوحة بروغل ورواية ثيرفانتيس المتطايرة يتقاطع مع ارتقاء انعدام الوزن و يبطل تعويذته ، عبق الأرض يقمع سولاريس .

بعدما خارت كل قوي سولاريس في محاولته الأخيرة لمقاومة الغزو الأرضي يستسلم الكوكب لعملية التشبع و الإندماج ، ، تحاول هاري الإنتحار بعد إحساسها العميق بفقدان الهوية هي مزيج بين الشبح و الإنسان و لا تستطيع أن تصبح أحدهما دون الآخر ، بالطبع تتجدد تلقائيا ، في محاولة أخيرة للتواصل تم تعريض الكوكب للإشعاع اعتمادا على التصوير الدماغي لكريس ، تحدث عملية التفاعل الأخير بين سولاريس و الأرض ايذانا بانهيار الحاجز الفاصل بينهما ، هذا التفاعل يعتمد بالأساس على تفاعل آخر بين وعي كريس و لا وعيه بين واقعه و هلاوسه ، كريس يُصاب بالحمي و يبدأ في الهذيان ، يقول جيل دولوز أن الهلوسة لا تختلق الوجود و لكن هذا الوجود هو هلوسة على أي حال ، العقل البشري دائما ما يدرك شيئا ما في الوهم ، يربطه بتواجد روحاني ، يعطي مساحاته و تكويناته وحدة تجميعية و يحوله دائما إلى صورة مُحرّفة من الحقيقة ، يستحضر تاركوفسكي ثنائية الزوجة و الأم مرة أخري هنا - في تمهيد لفيلمه القادم - و لكن هذه المرة في لاوعي كريس ، هذه هي طريقة تفاعل سولاريس مع صورته الدماغية ، يستنسخ صورة معينة لأمه في شبابها لم تفارقه يوما ، هي ذات الصورة التي لم يتوقف عن التحديق فيها مرارا في منزله في الأرض ، كريس بالفعل وجد حلا لهواجسه في سولاريس كان يتمني لو أن القدر منحه فرصة أخري ، أي فرصة سواء حقيقية أو مبنية بالكامل على الهلوسة و الوهم كما هي هنا ، ليس ليصحح ما فعله في الماضي بل ليري ما كان ليحدث لو لم يفعله ، و الواقع أن لا شيء تغير على الإطلاق حتي بعد أن منح حبا حقيقيا لهاري السولاريسية ما زالت ترغب في الإنتحار أيضا ، هنا تخلص كريس من آخر هواجسه المتعلقة بأمه ، استحضارها في مهد شبابها لم يأت اعتباطا أو من قبيل الصدفة ، سولاريس يهدي كريس دقائق وهمية من إحساس الطفولة المفقود و حنان الأمومة الذي لم يشعر به يوما ، من ناحية أخري سولاريس يغير جلده تماما ، هلوسة كريس تمر بمرحلتين ؛ الأولي رؤيته لـ 6 نسخ مختلفة من هاري في حجرته في سفينة الفضاء انتهاءا باختفاء هاري تماما ، يبدو أنها حسمت أمرا نهائيا و اختارت أن تقبل بهيئتها المقدرة من البداية ، تخلت عن حلمها البشري و أضحت مجرد مادة مُخلّقة قابل للإستنساخ المتعدد ، ينتقل كريس في هلوسته مباشرة للهاجس الثاني ، تتغير محتويات الغرفة و تستبدل بصورة كربونية لحجرته في الأرض ، تظهر أمه مرتدية نفس ثوب النوم الخاص بهاري ، يحدث التفاعل الأموي المفقود بينهما و ترحل وسط دموع كريس التي كانت ايذانا بانتهاء الأمر تماما ، سولاريس اكتسب شكلا أرضيا .

يفيق كريس من هلاوسه ليعرف بأن هاري رحلت بلا رجعة ، و أن الكوكب أظهر تفاعلا غريبا مع صورته الدماغية ،  توقف عن إرسال الزوار و بدأت تتكون جزر على سطحه ، على عكس المتوقع يصبح كريس في هيئة ذهنية و روحية أفضل من أي وقت مضي ، تخلص من عذاباته و اقتنع أخيرا أن بقاء هاري كان يعني استمراره في لعنة سيزيف للأبد ،  يخبره سنوت أن بقاؤه على الكوكب الأن اصبح بلا هدف و أن عليه العودة إلى الأرض بينما يبدو أنه لا يجد فرقا فقد أضحي الكوكب أرضيا بالفعل .

قبيل المشهد الختامي و في نهاية حوارهما الفلسفي ينظر كلا من كريس و سنوت إلى علبة معدنية بها تربة من الأرض و قد نبت فيها زرعة صغيرة ، هذه العلبة المعدنية ظهرت أولا في المشهد الأفتتاحي للفيلم بينما كريس يقف متأملا جمال الطبيعة ، كريس أراد شيئا ليذكره دائما بالأرض فملأها بتربة من الطمي ، رمزية التشبع السولاريسي بالأرض تتجلي في تلك النبتة التي نمت ، هذه صفة حصرية للأرض اكتسبها سولاريس .

لن أتطرق هنا لأي محاولات تفسيرية لمشهد النهاية المحير للألباب ستفضي - بالتأكيد - إلى فقدانه لرمزيته التي تميزه ، لكن يمكنني الحديث بكل أريحية عن تصوري الشخصي لمغزاه ، كل مكونات المشهد تبدو لأول وهلة فانتازية تماما و لكنها يمكن أن تؤدي إلى معني واقعي في ذات الوقت ، أعتقد أن تاركوفسكي هنا أراد أن يوصل رسالة مباشرة تؤكد على المعني المجسّد في كل مشاهد الفيلم ، البشر دائما ما يرغبون في العودة إلى الماضي ، له سحر خاص يجذبهم إليه ، يحملون في أعماقهم ذاكرة ممتدة ليست ذاكرة حياتهم فحسب و إنما تاريخ الحضارة الإنسانية كلها ، و أي حياة مستقبلية محتملة لهم في أي مكان ستستنسخ حياتهم على الأرض و كلهما تقدم العلم و أصبح فهمهم للحياة أعمق كلما زادت قناعاتهم بأنه لا سبيل أمامهم سوي استحضار حياتهم في الماضي ، كريس يعود - عودة مكانية إلى الأرض أو زمنية في لاوعيه - إلى بيت والده ، هنا يأتي تاركوفسكي بإقتباس ديني آخر في محاكاة لوحة رامبرانت " عودة الإبن الضال " الواصفة لقصة إنجيلية شهيرة مرتبطة بالندم و الرغبة الحثيثة في الغفران ، كان جليا في تتابعات البداية أن العلاقة بين كريس و أبيه يشوبها الفتور ، ربما كانت تلك إحدي الفرص الثانية التي يعطيها سولاريس – الأرضي - لكريس لإًصلاح ما أتلفه الزمن حتي و إن كان الأمر لا يحدث إلا في عقله فقط .



يقول كيوبريك أنه لم يرغب أبدا في أي محاولات تفسيرية للأوديسا فد تفقدها جمالها ، تماما كابتسامة الموناليزا ، جمالها ينبع في الأساس من غموضها ، هنا تاركوفسكي لا يهتم بالأساس بجمال إبتسامة الموناليزا بل يشغل نفسه طوال الوقت بإجابة سؤال سرمدي سيظل بلا إجابة قاطعة ؛ كيف يمكن أن تكون تلك الإبتسامة - للموناليزا و غيرها - معبرة بالفعل عن سعادة حقيقية ؟ ما هي التفاصيل الصغيرة الروتينية المهملة الغير ملحوظة  في حياة البشر التي يمكن أن تصنع السعادة ؟ ، حاول تاركوفسكي أن يجد إجابة من منظوره الخاص و ترضيه هو شخصيا لهذا السؤال ، عن مفهومه لمعني الحياة ، و كانت هذه محاولتي اليائسة للولوج إلى عقل الرجل لتكوين صورة مقاربة - مشوشة بكل تأكيد – عن ماهية محتويات تلك الغرفة التي وقف بيرجمان على بابها طويلا ينتظر إذنا بالدخول بينما كان يتجول هو فيها بكل حرية لم يسبقه إليها غيره .