الاثنين، 16 مارس، 2015

Repulsion

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : كاترين دينوف
إخراج : رومان بولانسكي (1965)
  
من الصعب أن تُشبع فضول متابعي أفلام الرعب و الأصعب أن تُحافظ على ديمومة فيلمك مع مرور السنوات و كثرة الأفلام التي قد تتناول نفس التيمة و الأجواء التي يحملها فيلمك ، رومان بولانسكي يتجاوز بفيلمه هذا حواجز كثيرة و ينجح في النهاية فى خلق حيز مميز لفيلمه وسط أفلام الرعب النفسي .

يحكى الفيلم عن كارول ؛ شابة فرنسية جميلة خجولة تعيش في لندن مع أختها التي تقيم علاقة مع رجل متزوج ، يُلمح الفيلم أن كارول لديها مشاكل نفسية مُختفية تحت قناع الخجل و الهدوء ، تُسافر أختها مع حبيبها في رحلة تستمر عدة أيام و تحبس كارول نفسها داخل المنزل لتبدأ مجموعة من الهلاوس النفسية الحادة تُحول كارول إلى قاتلة مجنونة .

منذ اللحظات الأولى في الفيلم نستشعر بحجم العزلة التي تعيش فيها كارول ، يُفتتح الفيلم بلقطة كلوز لعين كارول مع موسيقى فيها توتر ملحوظ ، تبتعد الكاميرا تدريجياً حتى نرى وجه كارول كاملاً ؛ وجه برئ جميل ، ما إن يكتمل وجه كارول على الشاشة حتى يتغير تون الموسيقى إلى تون هادئ و صافي ، يبدأ الفيلم من داخل أعماق كارول و يخلق صورة متناقضة بين ما هو مُعقد و مُظلم بداخلها و بين وجهها البريء ، يُحافظ النص ببراعة شديدة على تلك الصورة مزدوجة المعنى ، و يبنى شخصية كارول بحرص شديد يتناسب مع ما قد يوقظ ما هو بداخلها ، كارول في النهاية ليست شخصية شريرة أو بمعنى أدق لم تُدمر ما حولها بإرادة واضحة منها ، هي شخصية اتخذت من قفص العزلة أسلوباً لم تعتد على غيره ، لذلك لم تتأقلم مثلاً مع أي مؤثر خارجي بإمكانه أن يخترق تلك العزلة ؛ سواء كان ذلك المؤثر شاب مهذب يُعجب بها أو أسلوب حياة أختها بما يحمله من إيقاع سريع صاخب لا يتناسب إطلاقاً مع بطء تفاعلها مع ما حولها ، استجابتها لتلك المؤثرات يزيد من حالة النفور و التباعد مع ما حولها ، تظل ترفض أي تغيير ، خوفاً من الخروج من عزلتها ، لذلك نراها مثلاً تتوسل لأختها ألا تسافر مع حبيبها ، و بعد سفر أختها يبدأ تفاعلها مع العالم الخارجي يتلاشى تدريجياً ؛ تدخل في حالة جمود في عملها حتى تتركه ، تهرب من الشاب الذى تعجبه بعد أن قبلّها بل و تحاول هيستيرياً أن تمحى آثار تلك القبلة من على شفتيها ، لا تدفع إيجار الشقة الذى أوكلته أختها إليها ، يتلاشى كل ذلك حتى تتقوقع في النهاية داخل عزلتها .

جزء كبير من براعة النص أنه استغرق طويلاً في الجزء التمهيدي الذى يسبق أجواء الرعب الذى ينتظرها و يتوقعها الجمهور ، حوالى 45 دقيقة يستغرقها السيناريو في بناء شخصية كارول ؛ البناء الدرامي هنا لا يعتمد حتى على ضخ شحنة من الإثارة أو الغموض قدر اعتماده على الهدوء و التلميح ، تكمن البراعة هنا أن السيناريو استطاع في الـ 45 دقيقة تلك أن يخلق حيز تواصل بينه و بين المُشاهد بعيداً عن أجواء الرعب و القتل ، حيز نفسى مع وحش العزلة الذى نرى أثره يتوحش خطوة تلو الأخرى ، تُريد أن تتأكد من قيمة و روعة الـ 45 دقيقة ؟ انتظر إذن أول "خضّة" تأتى في الفيلم ، "خضّة" لها تأثير مُفزع و قوي ، لا ينهار النص بعد ذلك إلى كليشهات الرعب المعروفة ، بل يدخل إلى أعماق العزلة التي تعيشها كارول ، يرسم جحيم الهلاوس التي تُسيطر عليها ، و سذاجتها في تفاعلها لوحدها مع تلك الهلاوس ؛ التفاعل الذى يتجسد على شكل جريمتي قتل تقوم بهما ، المُشترك بينهما أن الضحايا رجال ، لا تُفرق هي بين من يحبها و من يؤذيها ، فقط الاثنين رجال .

رومان بولانسكي يقدم إنجازاً إخراجياً فخماً ، منذ اللقطة الافتتاحية و هو يضع بطلته في عمق الصورة ، خالقاً الصورة المتناقضة التي تتضح مع الأحداث ، يسير بالكاميرا وراءها في الشوارع ، شعور بالمُلاحقة و الترصد و الحصار ، إنجازه الأهم هنا هو في الصورة التي رسمها للمنزل منذ أول لحظة دخل إليه فيها ، عندما تدخل كارول المنزل لأول مرة في الفيلم تنخفض زاوية التصوير إلى الأسفل ، كادر منخفض نشعر فيه بأن الكاميرا / المنزل تُراقب كارول ، تجسيد شبه مادي للمنزل يتحول بعد ذلك إلى تجسيد مادي واضح يُحاصر كارول و يتحرك ليخنقها ، الصورة الخرافية التي يتجسد عليها المنزل في النصف الثاني من الفيلم هي المُعادل مثلاً لشعور كارول في النصف الأول عندما كانت لا تستطيع النوم و أصوات أختها و هي تمارس الجنس في الغرفة المجاورة ، هي المُعادل لحالة التيه التي تبدو عليها كارول في صالون التجميل في بداية الفيلم ، هي المُعادل لحالة النفور التي تسيطر على كارول كلما حاول أحد أن يخترق قوقعة العزلة التي تعيش فيها ، يخلق بولانسكي في النصف الأول غموضاً له طعم كابوسي سوداوي و يجسده صوتاً و صورةً في النصف الثاني .

حركة الكاميرا في الفيلم دائماً ما تُشارك في إكمال الصورة النهائية لكل مشهد ، مثلاً في المشهد الذى تحاول فيه كارول أن تنام و هي تستمع لأصوات ممارسة أختها الجنس ، تبدأ الكاميرا على وجه كارول ثم تبتعد عنها تدريجياً إلى لقطة عامة لكارول في غرفتها ، الكاميرا هنا لا تُعطى براحاً لكارول قدر ما هي توضح حجم السجن الذى تعيش فيه ، مشهد آخر عندما تُشغّل كارول أسطوانة موسيقية تترك الكاميرا ذلك الفعل لتتنقل في حركة انسيابية إلى باقي الغرفة حتى تستقر على صورة فوتوغرافية لكارول و هي صغيرة مع عائلتها ثم تختفى الصورة في مونتاج ذوباني له تأثير مُقبض ، في نهاية الفيلم تتكرر تلك الحركة ثانية ، تترك الكاميرا ما يحدث بعد العثور على كارول مُلقاة في غرفة من الغرف لتتجول في المنزل و تستقر في النهاية على نفس الصورة الفوتوغرافية و بزووم على الصورة ينتهى الفيلم على صورة كارول وحدها ، حركة الكاميرا في المشهد الأول تكشف بطريقة تلميحية جميلة جزء من ماضي كارول حيث عزلتها عن باقي أفراد العائلة ، في الجزء الثاني من الفيلم تُتَرجم طفولة كارول تلك في شكل هلاوس لها و هي تُغتصب أكثر من مرة من قبل رجل مجهول الهوية ، في المشهد الثاني حركة الكاميرا - المُصاحبة بموسيقى هادئة بالناي - تُشعرنا بالأسى تجاه طفلة بريئة حبسها ماضيها القاسي داخل قوقعة حولتها إلى وحش لا يعي ما يفعله .  

لا يكتفى بولانسكي بشريط صورة يُطبق على أنفاس مشاهديه و يطحن أعصابهم بل يبنى شريط صوت مميز يلتقط تفاصيله بعناية فائقة ، يعتمد بجوار الموسيقى الموترة على أصوات يتعمد أن يُبرز طبيعتها كصوت خطوات الأقدام أو صوت قطرات المياه التي تسقط على الأرض أو صوت تصدع حائط المنزل أو صوت أنفاس كارول أو حتى أصوات الراهبات اللاتي يلعبن و يضحكن باستمتاع ، يتعاظم أثر تلك الأصوات و تتناغم مع البيئة البصرية التى يرسمها بولانسكي خالقاً بهما جواً كابوسياً مُميزاً .

كاترين دينوف تحافظ حتى آخر لقطة لها في الفيلم على لمسة البراءة في عينيها ، أمر صعب جداً ، الشخصية تحمل ماضي قاسى جداً ، تعيش حاضر مُظلم ، و تتحول مع الأحداث إلى قاتل سيكوباتي ، لكنها تحافظ على نفس النظرة في عينيها ، أعتقد أن نجاح الفيلم بأكمله متوقف على تلك النظرة ، كارول - كما قلت - لا تعي ما تفعله ، تفعل ما تفعله استجابة فقط لكل المخاوف بداخلها ، رعب الفيلم كامن في تلك الجزئية ، و تلك الجزئية تتجسد بطريقة عظيمة في نظرات الجميلة كاترين دينوف .

كلاسيكية رعب من الطراز الرفيع ، استفاد بكلاسيكيات صنفه التي قُدمت قبله و خلق لنفسه تأثير مُمتد من بعده ، شيء عظيم أن تُشاهد فيلم رعب بالذات مر على إنتاجه حوالى خمسون عاماً و مازال يحتفظ بأصالته و قوة تأثيره .