الثلاثاء، 24 مارس، 2015

Marketa Lazarová

كتب : محمود عياد

التقييم : 5/5

بطولة : جوزيف كيمر ، ماغدا فاسريوفا
اخراج : فرانتشيك فلاشيل (1967)

يقول اندريه تاركوفسكي في كتابه الشهير في معرض حديثه عن فيلمه الأبرز Andrei Rublev "كان على الفيلم ان يظهر كيف ان التوق القومي للإخاء في زمن القتال الوحشي المهلك و الاستعباد التتاري قد أنتج رائعة روبليف "الثالوث المقدس" و التي تلخص المثل الأعلى للإخاء و الحب و الطهارة , ذلك كان الاساس الفني و الفلسفي الذي بني عليه السيناريو".

ربما تكون تلك الأعمال التي تعتمد في بنائها بالأساس علي الجانب الفلسفي اكثر من الواقعي و الرمزية اكثر من المباشرة و المسكوت عنه اكثر من المصرح به هي تلك التي تحمل صعوبة بالغة في تلقيها ,  صعوبة تكمن في انها تحمل العديد من التأويلات و وجهات النظر المختلفة , الكثير من الاستنباطات المتباينة في كثير من الاحيان , تترك للمتلقي حرية الخيال و التفكير في سبر اغوارها و محاولة الوصول الي الصورة الاقرب للحقيقة , و رغم ان هذه عملية بالغة التعقيد و تحمل في طياتها افكاراً متعددة بعضها متناقض احياناً الا انها في نظري اكثر امتاعاً و إعمالاً للعقل البشري من تلك التي تعتمد علي الوضوح و المباشرة , لطالما كانت هذه المعضلة الاكبر أو بالأحرى التساؤل الاكثر اهمية ، هل وظيفة كل مبدع ان يكون مباشراً في عرضه واضحاً في فكرته و ان يكون استنتاجها عملية لا تحتاج الي جهد او تفكير حتي في تلك النوعية من الاعمال التي تحمل في طياتها جانبا فلسفياً او رمزياً ؟ ، ام ان الافضل ان يترك للمتلقي حرية الخيال و التفكير و استنباط المخفي و المرمز حتى و ان حمل ذلك العديد من الرؤى المختلفة و التي قد تبتعد في بعض الاحيان عما كان في ذهنه بالأساس ؟ .

ماركيتا لازاروفا .. لا يختلف كثيراً عن ذلك النهج الذي احتذاه تاركوفسكي في Andrei Rublev او بيرجمان في The Seventh Seal ، هو العمل الابرز لمخرجه فرانتشك فلاشيل و قد يكون المنجز السينمائي الاعظم في تاريخ التشيك و لما لا و قد تم التصويت له بالفعل كأفضل فيلم تشيكي علي مر التاريخ في استطلاع رأي للنقاد و الصحفيين عام 1998.

يبدأ الفيلم بموسيقي كورالية بالمحاذاة مع مشهد افتتاحي يكاد يكون مرسوما كلوحة زيتية لبرية في الشتاء القارص حيث الضباع تركض في الافق و يطل علينا صوت الراوي ليصف لنا المشهد بطريقة ما , ثم تعود موسيقي الكورال مرة اخرى مع بداية الفصل الاول الذي يبدأ - مثلما يليه من فصول -  بنبذة مختصرة مكتوبة كما في الافلام الصامتة عن طبيعة الاحداث التالية , فتى بيدٍ واحدة و الأخرى مقطوعة رث الثياب بدى و كأنه اصم يرشد قافلة من النبلاء المسيحيين عن مكان ما يدعي "بوليسلاف" , يسأله احدهم كم تبعد هذه المدينة و لكنه لا يرد ثم يتأخر الصفوف عمداً بينما هم يسخرون منه و في لحظة ما يلقي شيئاً ما يبدو و كأنه حجر على رأس احدهم فيقع صريعاً و يأخذ الشاب حصانه و يهرب فيتبعه احد النبلاء بينما يخرج من بين الاشجار شاباً آخر كان يترصد القافلة "ميكولاس" فيصيب الكونت و يقتل احد النبلاء و يستولي على القافلة و يشرع في ملاحقة ابن الكونت "كريستيان" حتى يأسره بينما يعود اخوه ذو اليد الواحدة "ادم" و قد أسر هذا النبيل الذي كان يلاحقه .

و بينما عاد إلى القافلة مرة أخرى بعد اسر كريستيان يفاجأ بمجموعة من المسيحيين يتزعمهم "لازار" و قد استولوا علي كل ما في القافلة و فروا جميعاً باستثناء لازار الذي وقع في اسر ميكولاس و بينما يبرر لازار موقفه يأمره ميكولاس "الوثني" ان يصمت و يبدأ في الصلاة فيشرع لازار في تلاوة صلواته طالبا من الله ان يعفو عنه و يحميه من اجل ابنته ماركيتا وسط ابتسامات ساخرة من ميكولاس ثم تتجلى رمزية المشهد بعد ذلك في القطع بين لقطتين متتابعتين لماركيتا و هي تحرر طائراً احدهما و هي عارية الصدر و الاخر مرتدية ثياب راهبة فيما أعتبره تعريفاً مبكراً بدوافع شخصية ماركيتا – حتي قبل ظهورها في الاحداث - و ما بداخلها من صراع بين رغبتها في الحياة في مقابل رغبتها في ان تهب حياتها للدير .

هكذا ينتهي الفصل الاول من الفيلم ثم يبدأ الفصل الثاني بالتعريف بعائلة "كوزليك" الوثنية التي تقتات على السرقة و القتل فبخلاف ابنيه ميكولاس و ادم , هناك زوجته و ابنته الكساندرا التي تبدو عليها امارات الرغبة الجنسية , حيث عاد ابنيه ميكولاس و ادم بأسيرين و بعدما خلي ميكولاس سبيل لازار – لسبب غير مفهوم – اثار حفيظة كوزليك فلماذا لم يقتله دون ان يطلب منه ان يصلي طالما لم يحمل سلاحاً و لماذا لم يقتل كلا الاسيرين آنذاك بدلاً من اسرهما فيرد عليه ميكولاس رداً يحمل قدراً من السذاجة بانه يمكننا ان نطلب فدية مما اثار ضحك كوزليك سائلاً بسخرية و هل ستذهب لتطلبها من اهله ام ستدعوهم الى هنا , ثم نشهد بعد ذلك نظرات متبادلة بين الكساندرا و كريستيان الأسير تشير لعلاقة حب ما بينهم يليها مشهد فلاش باك عن علاقة جنسية بين الكساندرا و اخيها آدم انتهت بعضة ثعبان لآدم سنكتشف بعد ذلك في مشهد فلاش باك آخر قبيل النهاية انها كانت السبب في قطع ابيه لذراعه مخافة موته ، تتصاعد ذروة الاحداث بعد ذلك بعد ان عرف الكونت ماهية مختطفي ابنه و ارسل كابتن بيير في اثرهم فيذهب ميكولاس الى لازار ليطلب منه و اسرته ان يساعدوهم في صد هجمات جيش الكونت فيرفض مساعدته و يكتفي بضربه دون ان يقتله و عندما يعود ميكولاس يرسله كوزليك مرة اخرى مع اخرين للثأر من لازار ليقوموا بقتل ابنه ذو التخلف العقلي و يصلبوه بينما ياخذ ميكولاس ابنته ماركيتا و يعود بها ثم يغتصبها .

سرعان ما يصل جيش النبلاء بعد ذلك بقيادة كابتن بيير للقضاء علي عائلة كوزليك و استرداد كريستيان الأسير فيقتل آدم في خلال ذلك و يؤسر كوزليك نفسه بينما يهرب ميكولاس مع ماركيتا – التي احبته رغم اغتصابه لها – و معهم الكساندرا و لحقهم كريستيان نفسه بعد علمه بحملها رغم نداءات والده المتكررة بأن يتركها و يبدو ان هذه النداءات احدثت صداها في نفسه فقرر ان يتركها فعلاً و بينما يتسلل ليهرب رأته الكساندرا فما كان منها الا ان قامت بقتله ، ثم يترك ميكولاس ماركيتا و يعود محاولاً فك اسر والده بينما تعود هي الي ابيها فيرفضها و يرفضها الدير ايضاً بعد رفضها الاعتراف بذنبها فتعود مرة اخرى الى ميكولاس لتجده علي وشك الموت متأثراً بجراحه فيزوجهما الكابتن بيير في اللحظات الاخيرة من حياة ميكولاس ثم ينتهي الفيلم بمشهد رمزي بديع حيث رجل الدين – الذي لا نعلم له اصلاً و لن نعلم – يلاحق ماركيتا – الحامل - و يطلب منها انتظاره بينما هي تتحرك مبتسمة دون أن تتوقف في اشارة لثنائية الدين و الحياة التي لن ينتهي ارتباطهما ابد الدهر.

اختيار فلاشيل لاسلوب سردي غير متصل بخط كرونولوجي - (مرتب زمنياً) - يعتمد علي الفلاش باك و الفلاش فوروارد في كثير من الاحيان يعد مخاطرة كبيرة , لدينا هنا احداث "تاريخية" تجري في حقبة زمنية ليس لدينا الكثير من تفاصيلها و في فترة تماس بين الوثنية و المسيحية و بالتالي فالاختيار الاكثر "أماناً" بناءً على ذلك هو ترتيب الاحداث في خط زمني و لكن في رأيي كان هذا ليجعل منه مجرد فيلم تاريخي آخر و لكن فلاشيل نجح في مغامرته تلك في فصل الاحداث عن اطارها الزمني و جعلها قصة تصلح في كل الأزمنة .

ما يلفت الانتباه ايضاً هو التوازن الذي حافظ عليه بصرامة بين انجاز ابناء جلدته السينمائي الابرز في المونتاج و بين الميزانسين , هنا يتضح بجلاء ان فلاشيل يمسك العصا من المنتصف هناك مشاهد – القتالية خصوصاً - تجد فيها القطع السريع بين اللقطات الثابتة و المتحركة مع حركة كاميرا مضطربة للغاية مثيرة للتوتر بينما حافظ في كثير من المشاهد الأخرى علي ميزانسين رائع في جميع تكويناته ، بينما هناك مشاهد اخري الحوارية منها بالذات تعتمد علي اللقطات العميقة او ما يعرف بالـ Deep Focus حيث هناك حدثين احدهما يحدث امامك في الواجهة بينما يحدث آخر في الخلفية او مشهد حواري تتحرك فيه الكاميرا بين المتحاورين دون قطع و برع في ذلك علي مدار ثلاث ساعات الا ربع في التنقل ما بين المونتاج السوفييتي الصرف و الميزانسين و الملاحظ ان اغلب مخرجي شرق اوروبا في هذه الفترة حافظوا علي هذا التوازن و في مقدمتهم بالطبع و اكثرهم براعة في ذلك تاركوفسكي نفسه ، لا اتطرق هنا بأي حال الى رحلته في زمنه المنحوت فقد لا تكفي الأسطر في محاولتي – البائسة - لوصف عظمة الأمر.

الابرز في ماركيتا على الاطلاق تفوقه البصري الكاسح , يمكنك ان تقتطع أي لقطة من أي مشهد في الفيلم و ستجد انها لوحة فنية , تشكيلات بصرية مدهشة و استخدام بديع للونين الابيض و الاسود مع اجواء الصقيع و الجليد المترامي و حركة الضباع في البرية تشعر بان كل صورة تتمدد الي ما لا نهاية و تقودك نحو المطلق ، تناغم تام بين كافة عناصر الصورة السينمائية خلقت انجازاً بصرياً لا يضاهي .

هذا فيلم عظيم , يستمد عظمته من اسلوبه السردي الغير تقليدي , رمزيته الشديدة و تفوقه البصري الهائل و بالنظر الي رواية فلاديسلاف فانشورا التي راها كثيرون غير قابلة للترجمة و شديدة التعقيد فإن تحويلها إلى عمل فني بهذه الروعة يعد انجازاً على كافة الأصعدة و اتذكر هنا مقولة لأحدهم بأن صعوبة قراءة كتاب ما اكبر بكثير من صعوبة كتابته .