السبت، 21 مارس، 2015

L'Eclisse

كتب : ياسر ريحاوي

التقييم : 5/5

بطولة : مونيكا فيتي ، آلان ديلون
إخراج : مايكل أنجلو أنتونيوني (1962)

"أنا لست عالم اجتماع ولست سياسي , كل ما أستطيع فعله هو تخيلي الشخصي لما سيكون عليه المستقبل" – ميكل أنجيلو أنتونيوني

يعود أنتونيوني لينهي ثلاثيته الأشهر بفيلم مشابه لسابقيه ويملك خصوصيته الفريدة في الوقت ذاته , الوحدة والانعزال وفقدان التواصل في إيطاليا بعد الحرب تتوضح  لنا هنا في شكل أكثر رمزية وصورية تعبيرية , يبدأ الفيلم بنهاية علاقة عاطفية - كما L'Avventura – فقدت فيها فيتوريا إحساسها بالحب وغرقت في دوامة شخصيات أنتونيوني المعتادة في البحث عن الحب والمشاعر والغاية داخل عالم غارق في ماديته .

مشهد الفراق بين الحبيبين يهيئ الجو والمناخ الذي سيستخدمه أنتونيوني طوال هذا الفيلم , يغمرنا إحساس السجن والاختناق طوال هذا المشهد - والفيلم بأكمله - لشخصيتين أصبحت لهما العلاقة مجرد قفص لا أكثر , لا تستطيع مروحة ريكاردو إعطاءنا بعض الأنفاس التي تختنق تحت وطأة صمت أنتونيوني المرعب وهو يصور لنا الأشياء عبر الفيلم بشكل هندسي غاية في الجمال والاتقان فاقدة الروح كما الأشخاص الذين يتجولون حولها , تخرج فيتوريا من قفصها الصغير لقفص روما الأكبر باحثةً عن شيء يربطها بالعالم الروحي الذي تفقد الشعور به مع كل لحظة , تتراقص في الطرقات محاولة استنشاق أنفاس حريتها , (روما) التي يصورها لنا أنتونيوني في البداية كصحراء خالية تجول فيها فيتوريا ضائعة وحيدة لتجد منزل إحدى الصديقات القادمة من إفريقيا فتحسدها على حياة القارة الإفريقية المليئة بالبهجة والمتعة , دائماً البحث عن المتعة والتسلية للشخصيات عند أنتونيوني تخبئ فراغ ووحدة لا تستطيع محوها الضحكات التي تنبعث صارخةً في محاولة لكسر الصمت العام لأجواء الرجل , تنقلب بعدها (روما) من صحراء لمدينة محتشدة بالسيارات والصراخ والناس التي تتدافع في عجلة حياة لا تعرف التوقف , يلتقط ويركز على إحدى صالات البورصة التي يحتشد بها مئات الناس بحثاً عن الربح المادي ولا شيء غيره , أجساد تتدافع , أصوات لا تهدأ – باستثناء دقيقة صمت مبهرة على روح أحد المتوفين - وغريزة جشع لا يشبعها سوى المزيد والمزيد من المال , يدوم مشهد البورصة مدة طويلة دون أي إحساس بالملل أو بالافتعال , يجسد هذا المشهد بشكل خاص إحدى مقولات أنتونيوني التي يشير فيها إلى أن المشهد يجب أن يكون له إيقاع وبناء في ذاته , حركات الكاميرا , توضعات الممثلين , لحظات الصراخ والصمت , حبس الأنفاس والعرق الذي يغمر وجوه الجموع بعد خسارتها لأموالها , أكثر مكان يعج بالحركة هو أكثر مكان مادي في المدينة وهو تناقض الفيلم الأساسي , الأجساد في مقابل الأرواح , تختصر البورصة بأكملها في شخصية بييرو – يجسدها آلان ديلون بأداء مبهر - الذي لا يهدأ ولا يستطيع الاسترخاء في مكان واحد كما تنتقده فيتوريا في مشهد لاحق , كامل الجمال بطريقة مخيفة , عملي ومهني وغير مكترث بأموال عملائه , وحشي في طريقة ركضه وصراخه واندفاعه , يجد في فيتوريا المرأة الكاملة بالنسبة له فهي تمثل الجمال الخارجي الذي يعكس مرآة روحه الفارغة , يصطحبها لأكثر منازله فخامة , يضيع سيارته الرياضية الفاخرة من غير اكتراث في محاولة لإبهارها , يجولان سوية الشوارع الفارغة متبادلين بعض القبلات علها تكسر جزءاً من حاجزهما الروحي ليصطدمان بالمزيد والمزيد من العدم , يضحكان ويتلاعبان في وسط الصمت المميت لتنتهي العلاقة كما انتهت سابقتها , فيتوريا وحيدة مجدداً , هذه المرة لم تعد الوحدة بسيطة لأنها أصبحت مضاعفة ومكررة يصحبها شعور بانعدام الأمل في مواجهة المادية , يختم أنتونيوني فيلمه بأحد أفضل المشاهد التي قدمها للسينما برأيي , شكل راديكالي وتجريبي من خلال لقطات مونتاجية غاية في الجمال والشاعرية لطرقات وأبنية مبهرة الجمال الهندسي تخبئ ضياع وبرود روحي  للناس الذين يتجولون الشوارع من بينهم رجل ممسك بصحيفة تحذر من الخطر النووي , فسره النقاد بقصة حب تحولت لقصة خيال علمي , رؤية سوداوية لمصير إنساني حتمي في ظل المادية وفقدان الروح , موسيقى مقبضة مخيفة غامضة ولونين غاية في التباين يعكسان كل ذلك بإبهار بصري يضفي غرابة وجمالية تبقى عسيرة على التفسير الحتمي ليبقى اسم (الكسوف) مرتبطاً بهذا المشهد أكثر من سواه ، جمالية (الكسوف) وخصوصيته تبقى بشكل رئيسي بصرياً بالإضافة للصمت الذي يصبح هنا موتاً أكثر من اليأس الذي سيطر على L'Avventura أو La Notte .

في رأيي الفيلم هو أكثر أفلام الرجل تطرفاً في إظهار أفكاره وأكثر أفلامه تجريبية في كسر القواعد والأعراف السينمائية - مرة أخرى بعد إخفاءه لشخصية من دون إرجاعها في L'Avventura - وفي أسلوبيته الغريبة وألغازه وتصوير الأشياء شديد الهندسية فيه واستخدامه المميز للموسيقى ومشهده الأخير الذي يرمي كل التقاليد وينسى شخصيتي الفيلم الرئيسيتين في سبيل مقولة أكثر تعقيداً وفنيةً , من أفضل ما قدمه أنتونيوني وتحفة سينمائية خالدة .