الأحد، 22 مارس، 2015

Black God, White Devil

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : جيرالدو ديل ري ، يونا ماغاليس
إخراج : غلاوبر هوشا (1964)

"هنا تكمن مأساة الأصالة للسينما البرازيلية الجديدة – (السينما نوفو) – في علاقتها بالسينما العالمية ، لأن أصالتنا هي جوعنا ، مصيبتنا الكبرى أن الجوع يُحسّ ، لا يُفْهم" - جلوبير روشا

الشاب الثائر روشا – صاحب الخمس وعشرين عاماً – يريد صُنع فيلم يحمل رؤيته لبلده ، كما العادة ، كاميرا الثائر بندقية ، يصبح فيلم روشا فيلماً شديد البرية ، شديد القحالة ، لكنه يظل غني وجميل بطريقة ما ، البرازيلي تمكن – بمهارة نادرة – من إيجاد نوع من الجمال ، وسط كل السياسة والجوع والفقر .

من البداية يتم استقبالنا بالصدمة خلال أول لقطات الفيلم ، جثث متعفنة يبدو أنها لحيوانات ، أرض قاحلة لا تمتلك القدرة على ثورة يرغب فيها مخرج الفيلم ، لكن الثائر – بالطبع – لا يفقد الإيمان ، صورة الفيلم قوية عالية التباين ، حتى يشعر المشاهد بحرارة الشمس ، نقاط العرق على وجوه وأجساد الشخصيات ، وجوه مرت عليها الكاميرا بفضول متمعن في كم البؤس واليأس داخلها ، تقنية قد تتيح للمخرج النجاح في همه الأكبر ، جعل قضيته الرئيسة – الجوع – تُشْعر عوضاً عن أن يتم تفهمها ، التباين العالي والصدمة عوامل مشتركة بين فيلم روشا وفيلم مواطنه دوس سانتوس Barren Lives ، حيث تبدو مميزات ضرورية لسينما جديدة تولد في البرازيل .

المخرج – وإن كان ثوري – لا يقدم حلولاً ، الفيلم – وإن كان ثوري – لا ينتصر للثورة ، الفيلم بري غاضب لا يسامح أحداً ، جميع الشخصيات لا تستطيع سوى تقديم مصلحتها ومجدها الشخصي على أي شيء آخر ، مستعدة لسفك دم الآخر بضمير مرتاح ، سلطة غاشمة ودين نظامي مُنتفِع في مقابل فوضى ، حيث لا يتبقى سوى جنون الثائر الديني ، وجنون الثائر المسلح ، الاثنان كان من السهل القضاء عليهما لسذاجة تفكيرهما ، في مقابل شر أكثر حكمة وتبصُّر ، روشا جعل مصير الجميع حتمي واجب النفاذ .

القديس تنبأ بمعجزة تُنقذ العالم ، ثم فسر المعجزة بأنها حريق يأكل الكل ، بينما الأرض الموعودة تكون للأوفياء ، حين تنطبق السماء على الأرض ، فتكون جزيرة واحدة ، أحياناً لا يكون هناك تصور للخروج من المأزق سوى تلك الطريقة ، كارثة تهدم ، وتجعل البناء من جديد أمر لا مفر منه .

أنطونيو داس مورتيس قاتل أسطوري تم استئجاره من قبل الاقطاع والكنيسة لقتل القديس المزعوم ، يشترك القاتل مع القديس في رؤيتهما للخلاص مع اختلاف بعض التفاصيل ، فهو يعتقد أن الجميع يجب أن يموت ، عندما تأتي "حرب دون خوف من رب أو شيطان" ، فيقوم بقتل الجميع ثم يقتل نفسه .

أنطونيو يقتل ليس بدافع المال ، وإن تقاضاه ، ليس بدافع الكراهية ، ولكن لأنه لا يطيق رؤية بؤس الناس ، فبقتله لهم يمكنه اراحتهم من هذا البؤس ، ومن عذابه الخاص لرؤيتهم على هذا الحال ، روشا جعل الصليب لا يكاد يغادر كادر قاتل يخشى عذاب الآخرة ! ، بعد بضع سنوات سيجعل روشا تلك الشخصية الغامضة الغنية – (أنطونيو) – فيلماً يحمل اسم صاحبها ، تصميم الشخصية وطريقة المخرج الساحرة في جعلها غامضة وأكبر من الحياة ، ألهمت سيرجيو ليوني لتصوير شخصياته ، ليوني – على ما يبدو – كان معجب كبير بأعمال الشاب العبقري روشا .

"يصبح الرجل رجلاً عندما يحمل بندقية ، لا صليب ، لتغيير مصيره"

الفيلم كان مزيجاً من قصة سردية واضحة ، ورؤية سريالية غامضة ، بونويل نفسه صرح بأن الفيلم هو أجمل فيلم رآه خلال العقد ، "بكل ما فيه من شعر متوحش" النصف الأول من الفيلم كان أكثر سردية من النصف السريالي الآخر ، ينتصف الفيلم بأحد أهم المشاهد الصدمة التي يتضمنها ، حيث يتم تقديم طفل رضيع كقربان بشري عن طريق القديس ، القديس الذي منح الضعفاء أملاً في الاستقواء بالرب ، للخلاص من ظلم الشر ، لكن الأمل سرعان ما تحول إلى خلق شر جديد ، الكنيسة – التي لم تعد تدر الأموال بسبب انصراف الناس عنها و لجوئهم للقديس – تحالفت مع الاقطاع لقتل الرجل ، الاقطاع يخشى ثورة البسطاء ضد ملاك الأراضي والماشية ، كل هذا والقانون – كما العادة – يحمي أصحاب النفوذ ، ويسحق الفقير الضعيف .

المخرج استخدم الأغاني والموسيقى الشعبية لرواية القصة ، بطريقة محببة شديدة الخصوصية ، الأغاني الشعبية ، أسطورية القاتل المحترف ، بالإضافة إلى ثائر مسلح يرتدي زي عسكري (نابليوني) ، كل هذا قام بإرباك حسابات الواقعية داخل الفيلم ، أين الحقيقة ، أين الحلم ، الفيلم لم يكن خيالي بالكامل ، أو واقعي بالكامل ، لكن المؤكد أنه رمزي سياسي ، أو – كما قلنا سابقاً – سلاحاً قام بتشكيله ثائر مغامر يمكنه إيجاد الجمال وسط الجوع والظلم والأرض القاحلة .

روشا كان قد كتب (مانيفستو) لحركة (سينما نوفو) يشرح فيه العوائق والأهداف ، اطلق على ما كتبه : (جماليات الجوع) ، يجد الشاب أن العنف ليس بسبب بدائية ، أو عدم تحضر ، لكنه نتيجة طبيعية للجوع ، يجد العنف مؤشر جيد ، حتى يلحظ المستعمِر وجود المستعمَر وكينونته .

كادرات مرسومة بعناية لتشكيل تكوين بصري ذا دلالة وجمال ، التنويع بين لقطات طويلة في بعض المشاهد وقطع سريع في مشاهد أخرى ، كاميرا محمولة كثيرة الاهتزاز كافية لتشعر بتعثر المصور على طرق غير ممهدة ، في مقابل كاميرا رصينة لتهيئة المزاج العام ، كاميرا تلتقط كل ما يرغب المخرج في رصده بالطريقة التي يراها مناسبة ، وما أكثرها الطرق ! ، وغير ذلك مما جعل روشا يلمس طموحه ، ويجعل المشاهد يشعر ، أوليس هذا هو كل ما هي الأفلام عنه ؟